15 يوليو, 2026

مجلس الشعب السوري… أول اختبار لمفهوم الدولة

إذا كانت الدولة قد اختارت منطق التسوية، فكيف يُفسَّر استمرار الضغط الاجتماعي أو الوصم الجماعي لأفراد لم يخضعوا لأي محاكمة قضائية؟

الاحتكار في المراحل الانتقالية لا يظهر دائماً بصورة سلطوية مباشرة، بل عبر شبكات نفوذ غير مرئية تُفرغ المؤسسات من دورها الوظيفي وتحولها إلى واجهات شكلية.

 

هل تنتقل السلطة إلى المؤسسات أم يبقى القرار أسير السلطة التنفيذية؟

ليس السؤال من يرأس مجلس الشعب السوري، بل ما إذا كان المجلس سيقود ولادة سلطة تشريعية مستقلة، أم سيكتفي بمنح الشرعية لقرارات تُصنع خارج قاعته. فنجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بعدد المؤسسات التي أُنشئت، بل بقدرتها على إخضاع السلطة لسيادة القانون، وتحويل القرار العام من إرادة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات.

 

● عندما يُنتخب البرلمان… تبدأ مساءلة الدولة

 

في الدول الخارجة من الحروب والثورات، لا يبدأ التحول الديمقراطي بإعلان سياسي، ولا بإصدار وثيقة دستورية، ولا حتى بتشكيل حكومة جديدة. بل يبدأ عندما تصبح السلطة نفسها خاضعة للمساءلة، وعندما يتحول البرلمان من مؤسسة تصادق على القرارات إلى سلطة تراقبها، وتناقشها، وتعيد صياغتها باسم المصلحة العامة.

 

لذلك لا يمكن التعامل مع انتخاب رئيس مجلس الشعب السوري، بعد سقوط النظام السابق، بوصفه استحقاقاً بروتوكولياً أو مجرد حلقة في استكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية. فهو لا يمثل مجرد استحقاق دستوري، بل يشكل أول اختبار عملي لمفهوم الدولة الذي يسعى الإعلان الدستوري إلى ترسيخه؛ دولة تقوم على توزيع السلطات، وخضوع القرار العام للمساءلة، وسيادة القانون.

 

لقد منح الإعلان الدستوري مجلس الشعب سلطة التشريع والرقابة، وأسند إلى رئاسة الجمهورية قيادة السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية. وهي صيغة تبدو، من حيث المبدأ، منسجمة مع قواعد الفصل بين السلطات. غير أن التجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن النصوص وحدها لا تصنع التوازن، وأن استقلال السلطات لا يُقاس بما كُتب في الوثائق، بل بما يحدث عند أول مساءلة للحكومة، وأول نقاش حول المال العام، وأول اختبار للرقابة البرلمانية، وأول قرار سيادي يمس مستقبل البلاد.

 

ومن هنا، لا يصبح السؤال: من انتُخب رئيساً لمجلس الشعب؟ بل: أي مجلس شعب وُلد في سوريا الجديدة؟ هل سيكون سلطة تشريعية مستقلة تراقب أداء السلطة التنفيذية وتحاسبها وتشاركها في صناعة القرار الوطني؟ أم سيبقى إطاراً مؤسساتياً يمنح الشرعية لقرارات تُصنع خارج قاعته؟

 

الإجابة عن هذا السؤال لن ترسم مستقبل البرلمان فحسب، بل ستحدد أيضاً أي نموذج للدولة يتشكل في سوريا: دولة مؤسسات تُوزَّع فيها السلطة، وتُمارَس تحت رقابة القانون، أم دولة تستمر فيها مركزية القرار، وإن تبدلت أدواتها وأشكالها.

 

● مجلس جديد في ظل منظومة انتقالية

 

دخل مجلس الشعب عمله بعد تشكيله وفق أحكام الإعلان الدستوري، الذي أناط به سلطة التشريع والرقابة، فيما أسند إدارة الدولة إلى السلطة التنفيذية خلال مرحلة انتقالية محددة زمنياً.

 

وجاء تشكيل المجلس عبر آلية انتقالية جمعت بين أعضاء اختيروا من خلال هيئات ناخبة، وآخرين عُينوا بقرار رئاسي، وهو نموذج يختلف عن البرلمانات المنتخبة بالاقتراع العام المباشر.

 

ولا تكفي هذه الوقائع وحدها للحكم على مستقبل المجلس، لأن قيمة أي مؤسسة لا تُقاس بطريقة تشكيلها فقط، بل بقدرتها على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية، ومن دون ضغوط سياسية أو إدارية.

 

 

● هل يمتلك المجلس أدوات السلطة… أم يحمل عنوانها فقط؟

 

السؤال الذي سيحدد مستقبل الحياة السياسية السورية ليس عدد القوانين التي سيصدرها المجلس، بل طبيعة الملفات التي سيتمكن من الاقتراب منها.

 

1- هل يستطيع مراجعة القرارات الاستراتيجية التي اتُّخذت قبل تشكيله؟

2- هل يملك صلاحية مساءلة الوزراء عندما تتعلق الملفات بالمال العام أو العقود الكبرى والسياسات الاقتصادية؟

3- هل ستكون مناقشة الموازنة العامة رقابة حقيقية على أولويات الإنفاق، أم مجرد مصادقة على أرقام أُعدت سلفاً؟

4- وهل يمتد دوره إلى مراجعة القرارات السيادية الكبرى، أم يقتصر على منحها الغطاء التشريعي؟

 

في الأنظمة البرلمانية الراسخة، تُعد الموازنة العامة أخطر وثيقة سياسية، لأنها تكشف من يملك القرار الحقيقي داخل الدولة. فالسلطة التي تتحكم بالإنفاق العام تتحكم، عملياً، بالسياسات العامة.

 

أما إذا اقتصر دور البرلمان على التصديق، فإن الرقابة تتحول إلى اسم بلا مضمون.

 

ولا يقل ملف السياسة الخارجية حساسية عن الملف المالي. فالإعلان الدستوري منح السلطة التنفيذية موقع القيادة في إدارة العلاقات الدولية، لكن التحولات الإقليمية والدولية قد تفرض على سوريا خيارات مصيرية، مثل إبرام اتفاقيات أمنية، أو الانخراط في ترتيبات عسكرية، أو المشاركة في تحالفات متعددة الأطراف.

 

وفي مثل هذه الحالات، يصبح السؤال دستورياً بامتياز: أين يبدأ القرار التنفيذي، وأين ينبغي أن يبدأ الدور التشريعي؟

 

إن غياب الرقابة البرلمانية على القرارات السيادية لا يضعف البرلمان وحده، بل يضعف فكرة الدولة المؤسسية نفسها.

 

● الاقتصاد… حيث يُختبر استقلال البرلمان

 

قد يكون الاقتصاد هو الامتحان الأصعب أمام مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية.

 

فالمرحلة الماضية شهدت نشوء مراكز نفوذ اقتصادية جديدة، مع إعادة توزيع للأدوار والموارد في ظل ظروف استثنائية. وهذه ليست ظاهرة سورية خالصة؛ فكل المراحل الانتقالية تفرز شبكات مصالح تسعى إلى تثبيت مواقعها داخل الدولة الجديدة.

 

لكن السؤال الذي سيواجه المجلس ليس من هم أصحاب النفوذ، بل هل يمتلك الأدوات القانونية لإخضاع الجميع لقواعد المنافسة والشفافية والمساءلة؟

 

لا يستطيع البرلمان أن يصادر الملكية الخاصة أو يعاقب أشخاصاً لمجرد نفوذهم، لأن دولة القانون لا تُدار بمنطق الانتقام. لكنه يستطيع، بل يجب عليه، أن يسن قوانين تمنع الاحتكار، وتفرض الإفصاح عن المصالح، وتمنع تضارب الوظيفة العامة مع المصالح التجارية، وتعزز استقلال أجهزة الرقابة.

 

فالمعركة ليست ضد رجال أعمال، بل ضد أي نفوذ يعلو على القانون.

 

● ما الذي يستطيع المجلس مراجعته؟

 

من الناحية الدستورية، لا يعني تشكيل مجلس جديد أن جميع القرارات السابقة تصبح لاغية، فاستمرارية الدولة مبدأ راسخ في القانون العام.

 

لكن ذلك لا يمنع المجلس من مراجعة التشريعات والقرارات التي تمتد آثارها إلى المستقبل، سواء تعلقت بإدارة الثروات العامة، أو العقود الاستراتيجية، أو تنظيم المؤسسات.

 

وهنا يكمن الفرق بين الاستقرار القانوني والجمود السياسي. فاحترام استمرارية الدولة لا يعني تحصين كل قرار من النقاش أو المراجعة، بل يعني أن تتم المراجعة وفق إجراءات قانونية واضحة، لا وفق اعتبارات سياسية متغيرة.

 

● ثلاثة مسارات محتملة

 

المسار الأول: أن يتحول المجلس إلى سلطة تشريعية حقيقية، تمارس الرقابة، وتناقش الموازنة، وتراجع التشريعات، وتشارك في رسم السياسات العامة. وهذا هو السيناريو الذي يمنح الإعلان الدستوري مضمونه العملي.

 

المسار الثاني: أن يؤدي المجلس دوراً تشريعياً محدوداً، بينما تبقى الملفات الكبرى، من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية، في يد السلطة التنفيذية، فيتحول البرلمان إلى مؤسسة داعمة أكثر منه شريكاً في صناعة القرار.

 

المسار الثالث: وهو الأكثر خطورة، أن يصبح المجلس غطاءً مؤسساتياً لقرارات تُتخذ خارجه، فتُستعاد مركزية القرار ولكن بلغة دستورية جديدة. عندها لن يكون الخلل في النصوص، بل في طريقة تطبيقها.

 

● ليست معركة صلاحيات… بل معركة دولة

 

لن يُقاس نجاح مجلس الشعب بعدد جلساته أو القوانين التي يصدرها، بل بقدرته على ترسيخ مبدأ بسيط وعميق: ألا تكون في الدولة سلطة فوق المساءلة.

 

فالبرلمان ليس خصماً للسلطة التنفيذية، كما أن الحكومة ليست خصماً للبرلمان. كلاهما جزء من بنية دستورية واحدة، لا تستقيم إلا إذا خضع الجميع لسيادة القانون، واحترم كل طرف حدود اختصاصه.

 

وإذا كان الإعلان الدستوري قد فتح باب المرحلة الانتقالية، فإن مجلس الشعب يقف اليوم أمام مسؤولية تحويل هذا الانتقال من نصوص قانونية إلى ممارسة سياسية ومؤسسية. فنجاحه لن يُقاس بقدرته على إصدار القوانين فحسب، بل بقدرته على ممارسة الرقابة، وحماية المال العام، والمشاركة في القرارات الوطنية الكبرى ضمن حدود اختصاصه الدستوري.

 

وفي النهاية، لن يكون مجلس الشعب هو من يخضع للاختبار وحده، بل فكرة الدولة نفسها. فإذا نجح في تكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وإخضاع القرار العام للمساءلة، سيكون قد وضع أحد أهم أسس بناء دولة القانون والمؤسسات. أما إذا اكتفى بمنح الشرعية لقرارات تُصنع خارج قاعته، فإن السؤال لن يكون عن مستقبل البرلمان، بل عن مستقبل الدولة التي يُراد بناؤها في سوريا بعد سنوات الصراع.

 

أحمد سليمان

المصدر : نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب