“ليس كل اعتذار مراجعة، كما أن الاعتراف بالخطأ لا يكتمل إذا بقيت اللغة التي أنتجت الخطأ قائمة. فالاعتذار الحقيقي لا يبدأ بتبرير الإساءة، بل بمراجعة الخطاب الذي قاد إليها.”
في الحياة العامة، لا تكمن أهمية الاعتذار فقط في الكلمات التي تُقال بعد الخطأ، بل في القدرة على مراجعة الطريقة التي أنتجت الخطأ. فالمسؤولية الأخلاقية لا تنتهي عند عبارة “أعتذر”، خصوصًا عندما تصدر عن شخصية تشغل موقعًا عامًا يفترض أن يكون عنوانًا للحوار والتعددية.
ومن هنا فإن النقاش حول منشور رئيس اتحاد الكتّاب في سوريا لا يتعلق فقط بخلاف سياسي أو بحلقة تلفزيونية أثارت جدلًا، بل يتعلق بسؤال أوسع: كيف يتصرف من يشغل موقعًا ثقافيًا عندما يختلف معه الآخرون؟ وهل يتحول المنصب الثقافي إلى منصة للدفاع عن موقف سياسي، أم يبقى مساحة تتسع للاختلاف؟
ولكي يكون النقاش منصفًا، لا بد من التمييز بين أمرين: حق أي شخص في التعبير عن موقفه السياسي، وواجب من يشغل موقعًا عامًا أن يحافظ على لغة ومسافة تليق بالمؤسسة التي يمثلها. فمن حق رئيس اتحاد الكتّاب أن تكون له رؤيته السياسية، كما أن من حق الآخرين نقد هذه الرؤية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف السياسي مدخلًا لتصنيف المثقفين، أو التشكيك في نواياهم، أو تحويل المؤسسة الثقافية إلى طرف في الصراع.
ولا شك أن الرجل تعرض لحملة تضمنت شتائم وإساءات شخصية، وهذا أمر مرفوض. فالنقد لا يكون بالتجريح، والاختلاف لا يبرر الإهانة. لكن في المقابل، فإن صاحب المنصب العام يتحمل مسؤولية مضاعفة عن لغته، لأن كلماته لا تُقرأ باعتبارها موقفًا شخصيًا فقط، بل باعتبارها صادرة عن موقع يمثل مؤسسة يفترض أن تكون بيتًا لكل الكتّاب، المختلفين قبل المتفقين.
اللافت أن النص الذي قُدّم بوصفه «توضيحًا واعتذارًا» جاء مثقلًا بسلسلة من التصنيفات والهجمات التي طالت شرائح متعددة من الوسطين الثقافي والسياسي. فبدل مناقشة الأفكار والرد على الانتقادات، انتقل الخطاب إلى تشخيص المختلفين وتصنيفهم وفق انتماءاتهم ومواقفهم، مستخدمًا تعبيرات من قبيل «اليسار العفن»، و«الفلول»، و«الأقلويين»، و«الحسودين». كما أشار إلى بعض المفصولين من اتحاد الكتّاب بعبارة: «القضاء ينتظركم»، من دون أن يوضح للرأي العام طبيعة الاتهامات أو الإجراءات التي يقصدها.
والأخطر أن التلويح بالقضاء في سياق سجال فكري يبعث برسالة مقلقة إلى الوسط الثقافي. فالمثقف الذي يختلف مع رئيس مؤسسة ثقافية ينبغي أن يواجه بالحجة، لا بالإيحاء بأن الخلاف قد ينتهي أمام المحاكم. وحتى لو كان المقصود وجود دعاوى قانونية حقيقية، فإن إطلاق مثل هذه العبارة في منشور سياسي من دون بيان سياقها أو أساسها القانوني لا يخدم مناخ الثقة، بل يعزز الشعور بأن الاختلاف قد يتحول إلى خصومة شخصية أو قانونية.
كل ذلك يجعل الاعتذار أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب الإقصاء منه إلى تجاوزه. فالاعتذار، في جوهره، لا يكتمل بمجرد الإقرار بأن بعض الكلمات كانت قاسية، بل يبدأ بالتخلي عن اللغة التي صنعت الأزمة، وعن المنهج الذي يقسم المختلفين إلى خصوم يجب تأديبهم بدل محاورتهم.
غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في المفردات وحدها، بل في التصور الذي يحكم هذا الخطاب. فاللغة ليست سوى انعكاس لطريقة التفكير، وعندما يتحول الاختلاف السياسي إلى معيار لتصنيف المثقفين وقياس مواقفهم الوطنية، يصبح الخلل في المنهج قبل أن يكون في الأسلوب.
لكن القضية لا تتوقف عند أسلوب الخطاب، بل تمتد إلى مضمون النقاش السياسي والثقافي الذي ظهر خلفه. ففي المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، هناك صراع حقيقي حول شكل الدولة المقبلة: طبيعة النظام السياسي، حدود العلاقة بين الدين والسياسة، ضمانات الحريات، استقلال المؤسسات، وآليات العدالة الانتقالية.
ويزداد الإشكال حين يُفسَّر الخلاف السياسي، كما ظهر في الحوار المتلفز، بمنطق الهوية الطائفية. فالمعارضة أو النقد لا يمكن اختزالهما في رفض وصول مكوّن اجتماعي إلى السلطة، كما أن أي مكوّن ديني أو مذهبي لا يتحدث بصوت واحد، ولا يمنح تفويضًا سياسيًا مطلقًا لأي جهة أو مشروع. فالدولة الحديثة لا تُبنى على انتصار جماعة على أخرى، بل على مواطنة متساوية تسمح للجميع بالاختلاف والمشاركة والمساءلة.
ومن الخطير اختزال هذه الأسئلة في انقسامات دينية أو طائفية. فالسوريون، على اختلاف انتماءاتهم، ليسوا كتلة سياسية واحدة، بل تتباين مواقفهم من أداء السلطة، وشكل الدولة، والدستور، ومستقبل الحريات. كما أن نقد السلطة أو المطالبة بدولة قانون أو الدعوة إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات أو حماية الحريات العامة لا يمكن اختزاله تلقائيًا في عداء لهوية دينية أو اجتماعية.
فالدولة الحديثة لا تُبنى على قاعدة أن المعارضة خصومة مع المجتمع، بل على قاعدة أن النقد جزء من حماية المجتمع. كما أن الحديث عن “الدولة الجديدة” لا ينبغي أن يتحول إلى شعار يمنع الأسئلة. فالدول لا تُقاس فقط بمن يحكمها، بل بكيفية حكمها، وبقدرتها على حماية الحقوق، ومنع عودة الاستبداد، وبناء مؤسسات يشعر المواطنون أنها ملك لهم جميعًا.
وعندما يقول رئيس الاتحاد إنه “جزء من المشروع”، فإنه لا يعبّر فقط عن موقف سياسي شخصي، بل يفتح نقاشًا مشروعًا حول الحدود الفاصلة بين الانتماء السياسي واستقلال الموقع الثقافي. فمن حق أي مواطن أن يؤيد أي مشروع يراه مناسبًا، لكن المؤسسة الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى امتداد لأي مشروع سياسي.
فاتحاد الكتّاب ليس مؤسسة حزبية، ولا جهازًا دعائيًا، بل فضاء يفترض أن يتسع لجميع الكتّاب، بمن فيهم أولئك الذين يعارضون السلطة أو يختلفون معها جذريًا.
من هنا تصبح مسؤولية المثقف أكبر من مسؤولية السياسي. فالسياسي يدافع عن مشروعه، أما المثقف فيفترض أن يدافع عن مساحة السؤال والنقاش. وحين يشغل المثقف موقعًا قياديًا في مؤسسة ثقافية، فإن مهمته لا تكون خوض معارك السلطة ضد خصومها، بل حماية حق الجميع في التعبير.
المفارقة الأساسية أن الدعوة إلى احترام الاختلاف لا تنسجم مع خطاب يقوم على تقسيم المختلفين إلى فئات ونعوت. فالاعتذار الحقيقي ليس إضافة جملة اعتذار إلى خطاب يحمل الاتهام، بل مراجعة المنهج الذي أنتج هذا الخطاب.
الثقافة لا تُقاس بمدى اقترابها من السلطة، بل بقدرتها على الاحتفاظ بمسافة نقدية منها، أيًا كان لونها أو مشروعها. فالمنصب الثقافي ليس وسامًا سياسيًا، ولا منصة للدفاع عن السلطة أو مهاجمة خصومها، بل أمانة أخلاقية قبل أن يكون موقعًا إداريًا.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن اتحاد الكتّاب، الذي وُجد ليحمي التعددية وحرية الكلمة، يجد نفسه اليوم في قلب سجال حول الإقصاء والتصنيف وحدود الاختلاف. وحين يتحول رئيس مؤسسة ثقافية إلى طرف في معركة ضد المثقفين، فإن الخاسر الأول لا يكون خصومه، بل الثقافة نفسها، لأنها تفقد في تلك اللحظة أهم ما يميزها: قدرتها على احتضان الاختلاف والدفاع عن حرية الإنسان في التفكير والكلام.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
ألمانيا: هل نحن أمام انحدار تدريجي أم بداية فقدان الزخم الاقتصادي؟
فوضى السجلات السكانية في سوريا: ضرورة تفكيك القراءات المضلِّلة للتوزّع الديمغرافي
من يحمي الأفراد من السلاح المتفلت؟