لم يعد من السهل التعامل مع كل انفجار يقع في سوريا باعتباره حادثًا منفصلًا، ثم إغلاق الملف بانتظار الحادث التالي.
خلال شهر واحد فقط، تكررت الانفجارات في مناطق مختلفة، وتبدلت مواقعها ووظائفها: مستودعات للذخيرة في إدلب وحلب، مواقع عسكرية في دير الزور ومناطق أخرى، ثم خطوط للغاز مرتبطة مباشرة بمنظومة الكهرباء.
قد يكون لكل حادث سبب مختلف، وهذا احتمال لا يجوز استبعاده. وقد تكون بعض الانفجارات نتيجة أخطاء في التخزين أو أعطال فنية أو ظروف تشغيلية سيئة. لكن عندما تتكرر الحوادث بهذا الشكل وفي فترة زمنية قصيرة، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام سلسلة من المصادفات الأمنية، أم أن بعض هذه الحوادث قد يكون جزءًا من عمليات يجري التخطيط لها بعناية؟
هذا سؤال للتحقيق، وليس حكمًا مسبقًا.
- من مخازن السلاح إلى خطوط الطاقة:
خلال سبتمبر/أيلول، شهدت مناطق سورية عدة انفجارات في مواقع مرتبطة بالأسلحة والذخائر، بينها إدلب ودير الزور وحلب وريف دمشق. وفي بعض الحالات لم تعلن السلطات أسبابًا نهائية، بينما بقيت التحقيقات جارية لتحديد ملابسات حوادث أخرى.
لكن المشهد أخذ منحى مختلفًا في الأيام الأخيرة من الشهر.
في 28 سبتمبر/أيلول، وقع انفجار في خط للغاز بين منطقة الشولا ودير الزور، وقالت الشركة السورية للبترول إن الانفجار نجم عن عمل تخريبي استهدف صمامًا في الخط، ما أدى إلى توقف ضخ الغاز من معمل الجبسة باتجاه محطات توليد الكهرباء.
وبعد يومين فقط، وقع انفجار في منشأة الغاز المغذية لمحطة تشرين بريف دمشق، أدى إلى خروج محطات تشرين ودير علي والناصرية من الخدمة، وانخفاض القدرة التوليدية وزيادة ساعات التقنين مؤقتًا.
هنا تحديدًا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد الأمر متعلقًا بانفجار داخل مستودع عسكري بعيد عن الحياة اليومية للناس، وإنما بمنشآت تمس الكهرباء والغاز مباشرة. وأي استهداف متعمد لهذه البنية لا يضر بمؤسسة حكومية فقط، بل ينعكس على الخدمات الأساسية وحياة الناس اليومية.
ومع ذلك، فإن وزير الطاقة محمد البشير أكد في الأول من أكتوبر أن سبب انفجار محطة تشرين لم يُحسم بعد، وأن المعاينة الفنية ستحدد ما إذا كان الحادث نتيجة خلل فني أو استهداف أو عمل تخريبي. كما ميز بين حادث تشرين وحادث الشولا في دير الزور، الذي قال إن مواد متفجرة استُخدمت فيه.
وهذا التفريق مهم؛ لأنه يمنعنا من تحويل التشابه الزمني إلى دليل على وحدة الجهة المنفذة.
- حين تتقاطع الطاقة مع ملف المال:
هناك عامل آخر يجعل توقيت انفجارات خطوط الغاز يستحق تدقيقًا إضافيًا، وهو أن قطاع النفط والطاقة كان في الأيام نفسها تحت ضوء إعلامي ورقابي كثيف.
في 26 سبتمبر، أصدرت الشركة السورية للبترول بيانًا نفت فيه أن يكون مبلغ 110 ملايين دولار المتداول يمثل اختلاسًا مثبتًا، وقالت إن الرقم تقدير أولي للضرر ضمن ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق. كما أُعلن لاحقًا عن إجراءات تحفظية بحق أموال شركات متعاقدة في إطار التحقيقات.
ثم جاء انفجار خط الغاز في دير الزور في 28 سبتمبر، وبعده انفجار منشأة الغاز في ريف دمشق في 30 سبتمبر.
هذا التقارب الزمني لا يسمح بالقول إن هناك علاقة بين ملف العقود وأعمال التخريب. ولا توجد، وفق المعلومات المنشورة حتى الآن، أدلة تثبت مثل هذه العلاقة.
لكن الصحافة الجادة لا ينبغي أن تتجاهل التزامن عندما يتعلق الأمر بقطاع استراتيجي كقطاع النفط والغاز.
السؤال هنا ليس: هل الفساد وراء التفجيرات؟
السؤال الأكثر مهنية هو: هل فتحت التحقيقات الأمنية والفنية احتمال وجود علاقة بين أي محاولة لتعطيل منشآت الطاقة وبين المصالح المالية أو الجهات التي يمكن أن تتضرر من إعادة تنظيم القطاع؟
إن كان الجواب لا، فينبغي أن يكون ذلك واضحًا. وإن كان التحقيق قد وضع هذا الاحتمال ضمن فرضياته، فمن حق الرأي العام أن يعرف ذلك من دون تحويله إلى اتهام.
- وفي المساء نفسه كانت الحافلة:
ربما كان أكثر ما يجعل نهاية سبتمبر ثقيلة هو أن انفجار منشأة الغاز في ريف دمشق لم يكن الحادث الأمني الوحيد الكبير في ذلك اليوم.
في 30 سبتمبر، تعرضت حافلة تقل مدنيين يعملون في شركة خاصة لإطلاق نار قرب جسر مصياف في ريف حمص، فقُتل سبعة أشخاص وأصيب أربعة آخرون. وقالت وكالة سانا إن مسلحين مجهولين نفذوا الهجوم، وإن قوى الأمن الداخلي بدأت التحقيق لتحديد المسؤولين عنه.
وبحسب المعلومات الأولية التي نشرتها سانا، كانت الحافلة تقل موظفين وعمالًا مدنيين. أما الحديث عن ارتباطهم تحديدًا بقطاع الكهرباء فيحتاج إلى توثيق مستقل قبل تقديمه كحقيقة.
ومع ذلك، يبقى التزامن لافتًا: في اليوم نفسه الذي تعرضت فيه بنية الغاز المرتبطة بتوليد الكهرباء لانفجار في ريف دمشق، كانت حافلة مدنية تتعرض لهجوم دموي في ريف حمص.
مرة أخرى، لا يوجد ما يثبت أن الحادثتين مرتبطتان.
لكن تراكم الوقائع هو الذي يصنع السؤال.
- لا نحتاج إلى نظرية مؤامرة:
المشكلة في مثل هذه الظروف أن المجتمع ينتقل بسرعة من نقص المعلومات إلى إنتاج الروايات.
يكفي أن يبقى منفذو جريمة مجهولين حتى تبدأ الاتهامات: بقايا النظام، خلايا متطرفة، مجموعات مسلحة، صراع داخلي، مصالح اقتصادية، أو حتى جهات خارجية.
وقد تكون إحدى هذه الفرضيات صحيحة في نهاية المطاف، وقد تكون جميعها خاطئة.
لذلك فإن أخطر ما يمكن فعله هو اختيار رواية قبل اكتمال التحقيق.
لكن الخطأ المقابل هو التعامل مع كل حادث باعتباره مصادفة إلى أن تتراكم الأدلة بطريقة تجعل اكتشاف النمط متأخرًا.
الدولة الحديثة لا تنتظر حتى تتضح المؤامرة كاملة كي تبدأ التحقيق؛ بل تفحص كل الاحتمالات المعقولة، وتربط المعلومات الأمنية والفنية والمالية، وتبحث في طريقة التنفيذ، والمواد المستخدمة، ومصدرها، والمسارات التي سلكها المنفذون، ومن يملك القدرة على الوصول إلى المنشآت المستهدفة.
إذا كان انفجار دير الزور تخريبًا بالفعل، فمن أين جاءت المتفجرات؟ وكيف وصل المنفذون إلى صمام الغاز؟ وهل كانت لديهم معرفة مسبقة بالبنية التشغيلية للخط؟
وإذا كان انفجار تشرين فنيًا، فليقل التحقيق ذلك بوضوح ويحدد سبب الخلل.
أما إذا أثبت الفحص وجود عمل متعمد، فالسؤال يصبح أكثر خطورة: كيف استطاع المنفذون الوصول إلى منشأة حيوية في ريف دمشق؟
- الطاقة ليست مجرد بنية تحتية:
في بلد خرج من سنوات طويلة من الحرب والانهيار، تصبح الكهرباء والغاز والنفط أكثر من مجرد قطاعات اقتصادية.
إنها جزء من استقرار الدولة نفسها.
حين يتوقف خط غاز، تتوقف محطات توليد. وحين تتوقف محطات التوليد، تتأثر المياه والمستشفيات والمصانع والاتصالات والحياة اليومية للناس. وقد انعكس انفجار خط الغاز في ريف دمشق بالفعل على ثلاث محطات توليد وعلى القدرة المتاحة للشبكة.
ولهذا فإن حماية منشآت الطاقة يجب ألا تُعامل كمسألة حراسة مواقع فقط، بل كجزء من الأمن الوطني والاقتصادي.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة في اتجاهين متوازيين: حماية المنشآت من التخريب، وفي الوقت نفسه حماية قطاع الطاقة من الفساد وسوء الإدارة وتضارب المصالح.
- هل نحمي مواكب المسؤولين أم البنية التي تحمي حياة الناس؟
وأمام تكرار هذه الحوادث، يبرز سؤال آخر قد يبدو بسيطًا، لكنه يتعلق بجوهر الأولويات: إذا كانت الدولة تنفق على سيارات المسؤولين ومواكبهم وحماياتهم ومظاهرهم البروتوكولية، أليس من المنطقي مراجعة هذه الأولويات، وتوجيه جزء أكبر من الموارد إلى حماية المنشآت التي تمس حياة ملايين السوريين؟
كاميرات مراقبة، أنظمة إنذار، مراقبة للمواقع الحساسة، وسائل كشف مبكر، وحماية أفضل لخطوط الكهرباء والنفط والغاز والمياه.
هذه ليست كماليات في بلد تتكرر فيه الانفجارات.
وقد يكون من المفيد أن نسأل ببساطة: ما قيمة موكب فاخر إذا كانت المنشأة الحيوية التي يفترض أن تحميها الدولة مكشوفة؟
سيارة المسؤول يمكن تغييرها، أما منشأة حيوية إذا انفجرت، فالمواطن هو الذي يدفع الثمن.
والقضية هنا ليست ضد المسؤولين كأشخاص، ولا دعوة إلى إهمال أمنهم، وإنما سؤال عن ترتيب الأولويات: هل يجب أن تكون حماية الأشخاص والمظاهر البروتوكولية أكثر كلفة واهتمامًا من حماية البنية التحتية التي تقوم عليها حياة المجتمع؟
- ما الذي يجب أن نعرفه الآن؟
ربما لا نحتاج اليوم إلى إعلان وجود مخطط سري، ولا إلى البحث عن متهم جاهز.
نحتاج إلى تحقيق أوسع من كل حادثة منفردة.
هل هناك نمط مشترك في الانفجارات التي شهدتها البلاد خلال سبتمبر؟
هل تتشابه المواد المستخدمة أو طرق التنفيذ؟
هل توجد صلات جغرافية أو لوجستية بين المواقع؟
هل كانت المنشآت المستهدفة تحت حماية كافية؟
هل توجد معلومات أمنية سابقة عن محاولات استهدافها؟
وهل جرى التحقيق في احتمال وجود دوافع اقتصادية وراء استهداف بعض منشآت الطاقة، خصوصًا في وقت تخضع فيه عقود النفط لتدقيق رسمي؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات.
إنها الحد الأدنى الذي ينبغي أن يطرحه أي تحقيق جاد عندما تتكرر الانفجارات في بلد يحاول إعادة بناء مؤسساته.
فالخطر الحقيقي ليس فقط أن تنفجر منشأة أو تُستهدف حافلة.
الخطر الأكبر هو أن تصبح الانفجارات أحداثًا عادية، وأن نتعود على عبارة «التحقيق جارٍ» من دون أن نعرف لاحقًا ماذا أظهر التحقيق.
سوريا لا تحتاج إلى رواية جديدة تضاف إلى عشرات الروايات التي صنعتها سنوات الحرب.
هي تحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: حقيقة موثقة، تحقيق مستقل، وأدلة تصل إلى القضاء.
فإذا كانت هذه الانفجارات مجرد حوادث متفرقة، فليقل التحقيق ذلك.
وإذا كان بينها خيط واحد، فمن حق السوريين أن يعرفوا من يمسك بهذا الخيط، ولماذا.
أحمد سليمان

المزيد من المواضيع
حين يصبح المجهول خطرًا بحد ذاته: كشف الجناة يبدأ من ضبط السلاح المتفلت
لا يمكن إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية تحدي الداخل والخارج
إعادة الإعمار مرتبطة باستحقاقات واضحة: الثقة قبل طلب مليارات العالم