في سوريا، لم يعد القتل يحتاج إلى مسرح جريمة فقط؛ أحيانًا تكفي صورة على شاشة هاتف حتى تبدأ محاكمة كاملة في الفضاء العام.
رجل مسلح، وجه ملتحٍ، عصبة تحمل اسمًا غامضًا، وبيان مصور يتحدث عن عمليات واستهدافات تمتد من حلب إلى دير الزور، ثم ينتهي التسجيل بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2026.
اسم المجموعة التي يظهر بها الشخص هو: «أشباه الليل».
هل نحن أمام جماعة مسلحة حقيقية تعلن عن نفسها؟ أم أمام جهة تستخدم اسمًا مستعارًا؟ أم أمام تسجيل قديم أو مُعاد تدويره؟ أم أمام محاولة لصناعة رواية إعلامية موازية؟
لا توجد، حتى الآن، إجابة موثقة تسمح بحسم أي من هذه الاحتمالات.
لكن ذلك لا يعني أن الفيديو يجب أن يُهمل. على العكس؛ قيمته الحقيقية تبدأ من السؤال الذي يطرحه، لا من الادعاءات التي يتضمنها.
وهنا تأتي مهمة الإعلام الحقوقي: عرض الوقائع كما هي، لا كما نريد لها أن تكون؛ التمييز بين ما ثبت وما قيل، وعدم تحويل الادعاء إلى حقيقة لمجرد أنه يخدم رواية سياسية أو طائفية معينة.
● جريمة مصياف: ما الذي نعرفه؟
في مساء 30 سبتمبر/أيلول، تعرضت حافلة مدنية لإطلاق نار قرب جسر مصياف في ريف حمص الغربي، ما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين.
أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية أن الحافلة كانت تقل موظفين وعمالًا مدنيين، وأن قوى الأمن الداخلي باشرت التحقيق لتحديد المتورطين وتقديمهم إلى العدالة. كما أعلنت الجهات الأمنية أن وحدات المباحث الجنائية بدأت جمع الأدلة لتحديد هوية المنفذين ودوافع الهجوم.
أما الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقالت إن الهجوم وقع قرابة الساعة التاسعة والنصف مساءً، وإن الحافلة كانت تقل عمالًا وموظفين عائدين من منطقة حسياء الصناعية، ووثقت أسماء الضحايا السبعة، بينهم شقيقان، فيما استمر جمع الأدلة والمعلومات حول الحادثة.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها: منفذو الهجوم ما زالوا مجهولين في المعلومات المنشورة التي يمكن التحقق منها.
وهذا يعني أن أي جهة تقول الآن إنها تعرف هوية الفاعلين تحتاج إلى أكثر من رواية أو منشور أو فيديو.
تحتاج إلى دليل.
● ثم ظهر «أشباه الليل»:
بعد حادثة مصياف، ظهرت على منصات التواصل مادة مصورة تتضمن رجلًا مسلحًا، يرتدي عصابة تحمل اسم «أشباه الليل»، ويقدم ما يبدو كبيان يتحدث فيه عن عمليات تمتد، بحسب التسجيل، من أحياء حلب إلى دير الزور وساحاتها وريفها. ويتضمن الفيديو مشاهد ليلية لانفجارات وعمليات مسلحة، قبل أن ينتهي بعبارة «أشباه الليل.. كل الحب للشعب السوري الشريف»، مع ظهور تاريخ 14-9-2026.
لكن هنا تبدأ المنطقة التي يجب أن نتعامل معها بحذر شديد. فالتسجيل يقدّم نفسه بوصفه تبنيًا للمسؤولية، لكنه لا يشكل، بمجرد ظهوره، دليلًا مستقلًا على صحة ما يرد فيه، ولا يثبت أن الجهة التي تحمل هذا الاسم موجودة أصلًا كتنظيم مسلح معروف، أو أنها نفذت حادثة مصياف أو أيًا من الانفجارات التي يشير إليها التسجيل.
والأهم أن تاريخ 14-9-2026 الظاهر في نهاية الفيديو لا يكفي وحده لإثبات تاريخ تصويره أو نشره. فقد يكون التسجيل حديثًا، أو قديمًا وأعيد نشره، أو جرى تجميعه وتحريره في وقت لاحق. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ظهر شخص وأعلن المسؤولية؟ بل: من هو هذا الشخص؟ ومتى وأين صُوّر التسجيل؟ ومن نشره أولًا؟ وهل يمكن مطابقة المشاهد التي يتضمنها مع وقائع ميدانية موثقة؟
حتى الآن، لم يظهر في المصادر المستقلة التي أمكن التحقق منها ما يكفي لإثبات وجود تنظيم معروف باسم «أشباه الليل»، أو لإسناد الهجمات التي يتحدث عنها الفيديو إليه. وهذا لا يعني بالضرورة أن الاسم مختلق، لكنه يعني أن التعامل معه بوصفه حقيقة مكتملة سيكون سابقًا لأوانه.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الإعلام الحقوقي: أن يعرض المادة كما هي، لا كما تريدها الروايات المتصارعة أن تكون؛ وأن يميّز بين واقعة موثقة، وتسجيل متداول، وادعاء بالمسؤولية، وقرينة تحتاج إلى تحقيق. فالفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلًا لغويًا، بل قد يكون هو الفاصل بين كشف الحقيقة وصناعة رواية جديدة.
● الفيديو لا يُدان ولا يُبرّأ بالانطباع:
أي تحقيق جدي في هذا التسجيل يجب أن يبدأ من الأصل الرقمي للمادة.
من نشر الفيديو أول مرة؟ هل توجد نسخة أصلية؟ هل يمكن فحص بيانات الملف ومقارنتها بنسخ أخرى؟ هل جرى اقتطاع أجزاء منه؟ هل الصوت والصورة متزامنان؟ أين صُوّر؟ وهل يمكن تحديد المكان من الخلفية أو الأصوات أو العناصر الجغرافية الظاهرة؟
ومن هو الرجل الذي يظهر فيه؟ هل يمكن تحديد هويته من خلال مصادر مستقلة؟ وهل توجد له تسجيلات أخرى يمكن مقارنتها بالصوت والصورة؟
ثم تأتي المسألة الأكثر أهمية: المطابقة الميدانية.
إذا كان البيان يتحدث عن عمليات محددة، فيجب مقارنة ما ورد فيه مع الأحداث التي وقعت فعلًا، لا مع الأحداث التي يمكن تأويلها بعد وقوعها.
هل يذكر تفاصيل لم تكن معروفة للعامة وقت التسجيل؟ هل يصف أسلوبًا أو مكانًا أو هدفًا يمكن التحقق منه؟ هل تتطابق الصور المستخدمة في الفيديو مع أحداث حقيقية، أم أنها مواد أرشيفية قديمة؟ وهل يمكن إثبات أن التسجيل سبق بعض الأحداث التي يلمح إليها، أم أنه جرى تركيبه بعد وقوعها؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل الفيديو من محتوى دعائي إلى قرينة قابلة للفحص.
● أين «أشباه الليل» خارج الفيديو؟
حتى الآن، لم يظهر في البحث الذي أجريته مصدر مستقل وموثوق يثبت بصورة واضحة وجود تنظيم مسلح معروف بهذا الاسم أو يقدم معلومات موثقة عن بنيته أو قيادته أو نشاطه الميداني.
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
فلو كانت المجموعة تمتلك وجودًا ميدانيًا ممتدًا بين مناطق متباعدة، كما يوحي البيان، فمن الطبيعي أن يبحث المحققون عن آثار أخرى: بيانات سابقة، قنوات نشر، عمليات موثقة، أسماء، صور، تسجيلات، شهود، أو أدلة ميدانية تربط الاسم بأشخاص وأحداث.
غياب هذه الأدلة لا يثبت أن المجموعة غير موجودة، لكنه يعني أن الاسم وحده لا يكفي لإثبات وجود تنظيم مسلح.
ولهذا يجب أن يبقى الاسم بين علامتي اقتباس إلى أن تقول الأدلة شيئًا أكثر.
● مصياف ليس مادة للمزايدة الطائفية:
المشكلة الأخطر تبدأ عندما تنتقل الجريمة من غرفة التحقيق إلى سوق الاستقطاب.
ففي حادثة قتل سبعة مدنيين، يمكن أن تصبح هوية الضحايا أهم من الجريمة نفسها، ويمكن أن يتحول البحث عن الجاني إلى صراع بين روايات سياسية وطائفية متنافسة.
وهنا تضيع القضية الأساسية:
سبعة أشخاص قتلوا. أربعة آخرون أصيبوا. وأسر تنتظر معرفة من قتل أبناءها ولماذا.
لا يحتاج هؤلاء إلى رواية طائفية جديدة بقدر ما يحتاجون إلى حقيقة.
وأي جهة تستخدم الجريمة لتعبئة جماعية ضد طائفة أو منطقة أو بيئة اجتماعية، فإنها تنقل المسؤولية من الفرد الذي ارتكب الجريمة إلى جماعة لم تثبت مشاركتها فيها.
وهذا ليس عدالة. إنه توسيع لدائرة الجريمة.
المسؤولية الجنائية فردية، ومن يثبت أنه خطط أو نفذ أو أمر أو موّل أو ساعد يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق الأدلة والقانون.
أما الانتماء الطائفي أو المناطقي أو السياسي فلا يمكن أن يكون بديلًا عن الدليل.
● من يملك الحقيقة لا يحتاج إلى التحريض:
من اللافت في مضمون المادة المتداولة أنها تأتي في بيئة إعلامية مشحونة أصلًا.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لتسجيل واحد أن يؤدي وظيفتين متناقضتين: قد يكون مفتاحًا يساعد المحققين على الوصول إلى الجناة، وقد يكون في الوقت نفسه أداة لتضليل الرأي العام، إذا استُخدم اسم مجموعة وهمية أو تسجيل مفبرك أو مواد قديمة لإلصاق سلسلة من الجرائم بجهة محددة.
لهذا لا يجوز أن تكون المعركة بين من يصدق الفيديو ومن يرفضه.
المعركة الحقيقية يجب أن تكون بين الدليل والادعاء.
إذا كان التسجيل حقيقيًا، فليظهر ذلك من خلال التحقيق التقني والميداني.
وإذا كان كاذبًا، فليُكشف ذلك أيضًا.
وفي الحالتين، يجب أن تكون الحقيقة أقوى من الرغبة في تصديق الرواية التي توافق موقفنا السياسي.
● الملف لدى الأجهزة:
السلطات أعلنت أنها بدأت التحقيق في هجوم جسر مصياف، وأن المباحث الجنائية تجمع الأدلة لتحديد هوية المنفذين ودوافعهم.
وهنا تحديدًا يصبح التعامل مع الفيديو اختبارًا حقيقيًا.
هل ستتمكن الجهات المختصة من الوصول إلى النسخة الأصلية؟ هل ستتحقق من هوية الشخص الذي يظهر فيه؟ هل ستبحث في مصادر النشر الأولى؟ هل ستقارن الصور والتسجيلات بالأحداث الميدانية؟ وهل ستعلن للرأي العام، عندما تسمح ظروف التحقيق، ما إذا كان التسجيل حقيقيًا أم مضللًا، وما إذا كان له ارتباط بالجرائم التي يدّعي صاحب التسجيل المسؤولية عنها؟
هذه ليست أسئلة إعلامية فقط. إنها أسئلة تتعلق بسيادة القانون.
فإذا ثبت أن شخصًا أو مجموعة نفذت عمليات قتل وتفجير، فالمطلوب ليس حملة انتقامية ولا عقابًا جماعيًا، وإنما تحديد المسؤولين وتقديمهم إلى قضاء مستقل وعادل.
وإذا ثبت أن الفيديو مفبرك أو مضلل، فالمطلوب أيضًا كشف الجهة التي صنعته ونشرته، لأن صناعة الأدلة الوهمية في لحظات التوتر ليست فعلًا بريئًا.
أما أن يبقى كل شيء في منطقة «قيل وقال»، فذلك هو السيناريو الأكثر خطورة.
لأن الفراغ الذي يتركه التحقيق ستملؤه الشائعات.
والفراغ الذي تتركه العدالة ستملؤه الرغبة في الثأر.
والسوريون يعرفون جيدًا إلى أين يمكن أن يقود ذلك.
فمن يختبئ خلف «أشباه الليل»؟
حتى الآن، لا نملك إجابة موثقة.
لكن لدينا فيديو يحتاج إلى تحقيق، وجريمة تحتاج إلى كشف مرتكبيها، وسبع عائلات تحتاج إلى الحقيقة.
وهذه المرة، لا ينبغي أن تكون الحقيقة هي أول ضحية.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
هل الانفجارات المتكررة صدفة، أم أن البنية الحيوية في سوريا باتت هدفًا؟
حين يصبح المجهول خطرًا بحد ذاته: كشف الجناة يبدأ من ضبط السلاح المتفلت
لا يمكن إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية تحدي الداخل والخارج