1 أكتوبر, 2026

حين يصبح المجهول خطرًا بحد ذاته: كشف الجناة يبدأ من ضبط السلاح المتفلت

ليست جريمة الحافلة التي استُهدفت قرب جسر مصياف مجرد حادث أمني جديد في سوريا. خطورتها تتجاوز عدد الضحايا إلى السؤال الذي تتركه خلفها: من يملك السلاح القادر على قتل مدنيين، ومن أين يأتي، ولماذا لا تزال بعض الهجمات تمر قبل أن تعرف الدولة منفذيها؟

في 30 سبتمبر/أيلول، تعرضت حافلة مدنية لإطلاق نار قرب جسر مصياف في ريف حمص الغربي، ما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين، وفق المعلومات الرسمية التي نقلتها وكالة سانا ووكالات أنباء دولية. وقالت السلطات إن مسلحين مجهولين نفذوا الهجوم، وإن الأجهزة المختصة بدأت تحقيقًا لتحديد المسؤولين عنه. وحتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها، ولم تُحسم دوافع الهجوم.

لكن تقارير مستقلة أشارت إلى أن القتلى كانوا من أبناء الطائفة العلوية. وإذا تأكدت هذه المعلومة في التحقيق الرسمي، فإنها تصبح عنصرًا مهمًا لفهم الدافع المحتمل، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد هوية الجناة.

وهنا يجب أن تبدأ المقاربة الحقوقية: لا يجوز أن نملأ فراغ التحقيق بتهمة جاهزة.

  • بين الرواية الرسمية والأسئلة الحقوقية:

الرواية الحكومية حتى الآن واضحة في نقطة أساسية: الهجوم نفذه مسلحون مجهولون، والتحقيق جارٍ للوصول إليهم. وقد وصف قائد قوى الأمن الداخلي في حمص الهجوم بأنه محاولة لزعزعة الاستقرار، مؤكدًا أن الجريمة لن تمر من دون محاسبة.

لكن المقاربة الحقوقية لا تكتفي بالسؤال عن منفذ الجريمة، وإنما تسأل أيضًا عن البيئة التي تسمح بوجود سلاح خارج السيطرة القانونية للدولة، وعن قدرة المؤسسات على منع تكرار مثل هذه الحوادث ومحاسبة المسؤولين عنها.

وهذا ليس اتهامًا مسبقًا للسلطة، بل جزء من مسؤوليتها.

فالحكومة السورية أعلنت أن السلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، وأن مرحلة السلاح المتفلت يجب أن تنتهي. وهذا المبدأ أساسي لأي دولة تريد بناء مؤسسات أمنية وقضائية مستقرة.

لكن احتكار السلاح لا يثبت بالتصريحات وحدها. يثبت عندما تعرف الدولة من يحمل السلاح، وأين يتحرك، ومن أين حصل عليه، ثم تستطيع الوصول إليه عندما يرتكب جريمة.

  • لا ينبغي أن يتحول المجهول إلى متهم جاهز:

تتعدد الروايات حول الجهات التي يمكن أن تقف خلف مثل هذه الحوادث.

قد تكون هناك خلايا لتنظيم داعش تحاول استغلال هشاشة المرحلة الانتقالية. وقد تكون هناك مجموعات مرتبطة ببقايا النظام السابق تسعى إلى ضرب الاستقرار. وقد يكون الأمر مرتبطًا بمجموعة مسلحة محلية، أو بفعل فردي أو انتقامي، أو بجهة لها أهداف أخرى.

لكن وجود هذه الاحتمالات لا يجعل أيًا منها حقيقة.

حتى الآن، لم تسمِّ السلطات السورية جهة أو جماعة متهمة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. ولذلك فإن تحديد الجهة المنفذة يجب أن يكون نتيجة للتحقيق والأدلة، لا نتيجة للتخمين السياسي أو الطائفي.

المطلوب هو الكشف عن كل من يملك سلاحًا خارج الإطار القانوني للدولة ويستخدمه لارتكاب الجرائم، أيًا كانت هويته أو دوافعه.

فالمعيار الحقوقي لا يبدأ بالسؤال: إلى أي طائفة ينتمي الجاني؟ ولا: إلى أي معسكر سياسي ينتمي؟ بل يبدأ بالسؤال: ماذا فعل؟ وما الأدلة عليه؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

  • لماذا تبقى التقارير الحقوقية مهمة؟:

تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في بلد يحمل ذاكرة ثقيلة من العنف والانتقام.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش في سياق أحداث الساحل في مارس/آذار 2025 انتهاكات واسعة، بينها إعدامات ميدانية وإطلاق نار عشوائي وانتهاكات أخرى، وقالت إن الطائفة العلوية تحملت جانبًا كبيرًا من العنف. وفي الوقت نفسه، أشارت المنظمة إلى أن أحداث الساحل بدأت بعد هجمات مسلحة على قوات الأمن، وأن المسؤولية عن مختلف الانتهاكات لم تكن قد حُسمت بصورة كاملة في ذلك الوقت.

وهذه النقطة مهمة: التوثيق الحقوقي لا يعني تبني رواية سياسية، كما أن عرض الرواية الحكومية لا يعني إعفاء السلطة من المساءلة.

الصحافة الحقوقية تحتاج إلى الاثنين معًا: ماذا تقول السلطة؟ وماذا تقول الأدلة المستقلة؟ وأين تتفق الروايات وأين تختلف؟

  • درس الساحل في بضعة أسطر:

أحداث الساحل أظهرت إلى أي حد يمكن أن يتحول السلاح المنفلت إلى خطر على الجميع. بدأت بهجمات مسلحة على قوات حكومية، ثم اتسعت دائرة العنف، ودخلت مجموعات ومسلحون من خارج المنطقة بعد دعوات إلى التعبئة العامة، ووقعت انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

وبحسب اللجنة الوطنية السورية للتحقيق، قُتل ما لا يقل عن 1,426 شخصًا، وأُحيل 298 مشتبهًا بهم إلى القضاء. لكن هيومن رايتس ووتش أشارت لاحقًا إلى أن نطاق المحاكمات تجاوز هذا الرقم، مع وجود أكثر من 300 من عناصر قوات الأمن و265 متهمًا من المحسوبين على الحكومة السابقة ضمن إجراءات قضائية، وانتقدت في الوقت نفسه محدودية الشفافية، خصوصًا في ما يتعلق بمسؤولية القيادات والمؤسسات.

وفي 17 سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت المحكمة الجنائية العسكرية في حلب أحكامًا بحق أربعة متهمين في إحدى القضايا المرتبطة بأحداث الساحل، شملت الإعدام والسجن المؤبد والسجن 20 عامًا والبراءة، فيما استمرت إجراءات قضائية بحق متهمين آخرين.

المغزى هنا ليس إعادة فتح ملف الساحل، وإنما تذكير الدولة بأن ضبط السلاح لا يكتمل بمجرد تنظيم حامليه؛ بل يحتاج إلى سلسلة قيادة واضحة، وتحقيق شفاف، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، سواء كان من المهاجمين أو من أفراد القوات أو المجموعات المسلحة التي ارتكبت انتهاكات بحق المدنيين.

  • العدالة تمنع تحول الجريمة إلى ثأر:

لهذا يجب ألا تتحول حادثة الحافلة إلى حلقة جديدة في سلسلة الثأر.

إذا أثبت التحقيق أن الضحايا استُهدفوا بسبب هويتهم الطائفية، فهذه جريمة يجب أن يحاسب عليها مرتكبوها. وإذا ثبت أن الهجوم نفذته خلية إرهابية، فيجب تقديم الأدلة ومحاسبة أفرادها. وإذا كان وراءه أفراد أو مجموعة مسلحة تعمل خارج القانون، فلا تختلف المسؤولية.

المهم ألا تتحول مسؤولية أفراد إلى مسؤولية جماعية.

فالضحايا لا يمثلون طائفة سياسية، والجناة لا يمثلون بالضرورة جماعة اجتماعية بأكملها.

هذه قاعدة أساسية في دولة القانون: المسؤولية فردية، والعقوبة فردية، والمحاسبة لا تقوم على الهوية.

  • الدولة تختبر نفسها عندما يكون الجاني مجهولًا:

من الطبيعي أن تواجه سوريا في مرحلة انتقالية اضطرابات أمنية، وأن تحاول السلطة إعادة تنظيم أجهزة الدولة وضبط السلاح وبناء مؤسساتها.

لكن استمرار الحوادث التي يبقى منفذوها مجهولين يضع هذه العملية أمام اختبار حقيقي.

المواطن لا يحتاج فقط إلى إعلان أن السلاح أصبح بيد الدولة. يريد أن يرى نتيجة ذلك في الواقع: من أطلق النار؟ كيف وصل إلى السلاح؟ من ساعده؟ وهل تستطيع المؤسسات الوصول إليه؟

وهنا تصبح الشفافية جزءًا من الأمن نفسه.

فكلما طال الغموض، اتسعت مساحة الشائعات. وكلما اتسعت الشائعات، أصبح من السهل تحويل جريمة فردية إلى اتهام جماعي، وتحويل الخوف إلى كراهية، والكراهية إلى ثأر.

لذلك فإن أفضل رد على جريمة الحافلة ليس إطلاق رواية جديدة، ولا تعبئة الشارع، ولا البحث عن متهم قبل اكتمال الأدلة.

أفضل رد هو تحقيق مهني وشفاف يصل إلى الحقيقة، وقضاء يحاسب المسؤولين، وسلطة تثبت أن السلاح الذي لا يخضع للقانون لن يجد مكانًا دائمًا في سوريا.

الدولة لا تثبت أنها أنهت السلاح المتفلت عندما تعلن ذلك، بل عندما تستطيع أن تقول للمواطنين، في كل جريمة غامضة: عرفنا من فعلها، عرفنا كيف فعلها، وسيحاسب وفق القانون.

أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي
https://opl-now.org/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب