7 أغسطس, 2026

بصدد إحياء الثقافة السياسية: أحزاب لا محازبات، ومجتمع مدني لا مكوّنات

 

المشهد السوري يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، هناك قوى ما زالت تعتقد أن المجتمع يُدار بالعصبية أو السلاح أو الخطاب الديني أو القومي المغلق، ومن جهة أخرى، تبرز فرصة تاريخية لإعادة بناء الحياة العامة على أسس المواطنة وسيادة القانون والديمقراطية.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن إحياء الأحزاب لا ينطلق من الحنين إلى الماضي، ولا من الرغبة في استعادة تجارب انتهى دورها، بل من الحاجة إلى استعادة الثقافة السياسية نفسها، بعدما تراجعت لمصلحة الفصائل، وشبكات الولاء، والهويات المغلقة، وأصبحت السياسة في كثير من الأحيان مجرد صراع على النفوذ، لا تنافسًا بين البرامج والرؤى.

أعتقد أن إحياء الأحزاب التاريخية، رغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليها، يبقى أقل خطورة من ترك المجال مفتوحًا أمام تشكيلات سياسية مجهولة المنشأ والتمويل والارتباطات. ففي المراحل الانتقالية لا ينشأ الخطر من وجود الأحزاب، بل من الفراغ السياسي الذي يسمح لقوى غير خاضعة للمساءلة بأن تقدم نفسها ممثلًا للمجتمع، دون شرعية سياسية أو تاريخ نضالي أو مشروع وطني واضح.

ولا يعني ذلك رفض القوى الجديدة أو التشكيك بها مسبقًا. فمن حق أي تيار مدني أن يدخل الحياة السياسية، بل إن تجديدها ضرورة لا غنى عنها. لكن الشرط هو أن يثبت استقلالية قراره، وشفافية تمويله، ووضوح برنامجه، وأن يقبل بقواعد العمل الديمقراطي، لا أن يكون واجهة لمراكز نفوذ داخلية أو امتدادًا لأجندات خارجية.

وبالتأكيد، لا يشمل هذا الطرح الأحزاب الشوفينية والطائفية، ولا القوى التي تواطأت مع الاستبداد أو بررت جرائمه أو اقتسمت معه النفوذ والمصالح، كما لا يشمل التشكيلات التي خرجت من رحم الفصائل المسلحة وما زالت تحمل ثقافة الغلبة والولاء قبل ثقافة الدولة والمواطنة. فمن يحمل عقلية الثكنة لا يستطيع بناء مؤسسات مدنية، ومن اعتاد منطق الإقصاء لن يؤسس حياة سياسية ديمقراطية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا اليوم هو استبدال احتكار سياسي بآخر، أو إحلال شبكات الولاء محل الأحزاب، وتحويل الحياة العامة إلى ساحة تتنافس فيها جماعات النفوذ بدل أن تتنافس فيها البرامج والرؤى. فالديمقراطية لا تبدأ من تعدد الأسماء، بل من استقلال القرار السياسي، وشفافية العمل الحزبي، واحترام المواطن بوصفه مصدر الشرعية الوحيد.

والمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج تجارب الماضي، بل استعادة السياسة نفسها. فلا تحتاج سوريا إلى حزب عقائدي جديد يحتكر الوطنية، ولا إلى مشروع ديني يحتكر الحقيقة، ولا إلى مشروع قومي أو إثني يحتكر الجغرافيا، ولا إلى تشكيلات تولد في غرف النفوذ ثم تُقدَّم بوصفها تعبيرًا عن إرادة المجتمع. فكل مشروع يبدأ بالاحتكار، مهما اختلفت شعاراته، ينتهي بإضعاف الدولة وتقويض المواطنة.

فالحقوق القومية والثقافية جزء أصيل من أي دولة ديمقراطية، لكن تحويلها إلى مشروع سياسي يقوم على الانقسام الدائم لا يبني وطنًا، كما أن استغلال الدين للوصول إلى السلطة لا ينتج دولة مواطنين، بل يعمق الاستقطاب ويؤجل قيام المؤسسات الحديثة.

إن معيار الحكم على أي حزب أو تيار يجب ألا يكون تاريخه أو شعاراته، بل موقفه من الدولة المدنية، ومن سيادة القانون، ومن استقلال القضاء، ومن التداول السلمي للسلطة، ومن المساواة الكاملة بين المواطنين. هذه هي الأسئلة التي تحدد من يعمل لبناء المستقبل، ومن يحاول فقط تغيير الواجهة مع الإبقاء على البنية القديمة.

  • سوريا بين إعادة إنتاج الاستبداد وبناء المستقبل:

إن إحياء الحياة الحزبية لا يعني استدعاء الماضي كما هو، بل إعادة تأسيسه على قواعد جديدة؛ أحزاب ديمقراطية في بنيتها الداخلية، شفافة في تمويلها، واضحة في برامجها، ومستقلة عن السلطة وعن السلاح وعن أي وصاية خارجية. فالديمقراطية لا تُبنى بمجرد الترخيص للأحزاب، بل بوجود أحزاب تؤمن بالديمقراطية وتمارسها في تنظيمها وسلوكها قبل أن تطالب بها في الدولة.

إن المعركة الحقيقية ليست بين أحزاب قديمة وأخرى جديدة، بل بين مشروعين: مشروع يعيد إنتاج الاستبداد بأسماء مختلفة، ومشروع يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والديمقراطية. ولذلك فإن مواجهة قوى التأخر لا تكون باستبدالها بقوى تحمل العقلية ذاتها، وإنما بإحياء السياسة المدنية، واستعادة دور الأحزاب والمنظمات الوطنية المستقلة، وإطلاق حياة عامة تقوم على الحرية والمساءلة والتعددية.

إن أخطر أنواع الخداع السياسي هو أن يُسوَّق الزيف بوصفه ولادة جديدة، وأن تُقدَّم الأدوات التي ساهمت في تدمير الدولة على أنها مشروع لإنقاذها. فالأسماء قد تتغير، والشعارات قد تصبح أكثر جاذبية، لكن جوهر الاستبداد يبقى واحدًا عندما تُختزل الدولة في جماعة، ويُختزل الوطن في هوية واحدة، ويُختزل المواطن في تابع لا شريك.

لن تنهض سوريا بإعادة تدوير الأفكار التي أوصلتها إلى هذا الانهيار، بل ببناء إنسان سوري حر، يمتلك وعيًا مدنيًا، ويؤمن بأن الدولة ليست غنيمة، وأن الحزب ليس طائفة، وأن المعارضة ليست فصيلًا، وأن الوطن لا يُختزل في جماعة أو عقيدة أو منطقة. وحدها الثقافة السياسية الحديثة، القائمة على المواطنة والحرية والعدالة وسيادة القانون، قادرة على كسر الحلقة التي أعادت إنتاج الاستبداد لعقود. فالمستقبل لا تصنعه الواجهات الجديدة، بل تصنعه الأفكار الجديدة، والمؤسسات الديمقراطية، والإنسان الحر.

 

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب