من شاهد بالأمس غضب السوريين في الشوارع، وسمع حرقة أصواتهم، وشاهد مظاهرات خرجت من دون تخطيط مسبق وامتدت إلى أكثر من مدينة احتجاجًا على غلاء المحروقات، يفهم أن شيئًا أساسيًا قد تغيّر: السوريون لم يعودوا مستعدين للصمت كلما اتخذت السلطة قرارًا يمس حياتهم، ثم طُلب منهم أن يصفقوا له باسم الظروف أو المرحلة أو المصلحة الوطنية.
لقد انتهى زمن يمكن فيه تمرير القرارات من فوق رؤوس الناس، ثم تكليف ماكينة إعلامية بتجميلها، وتوزيع تهم الخيانة والتآمر على كل من يجرؤ على الاعتراض.
فليخرج المطبلون إذن من أوكارهم، وليستعدوا لكتابة مانشيتهم المفضلة من جديد: «الشعب خائن».
خائن لأنه لم يعد يحتمل الجوع والغلاء.
خائن لأنه يسأل أين تذهب أموال الدولة.
خائن لأنه يرفض أن تتحول المؤسسات العامة إلى غنائم.
خائن لأنه يعترض على المحسوبيات والواسطة.
خائن لأنه لا يريد استبدال فاسد بفاسد، ولا مستبد بمستبد آخر.
خائن لأنه يرفض أن تعود وجوه الماضي من النوافذ الخلفية.
وخائن، في قاموسهم، لأنه يريد دولة تحكمها المؤسسات والقانون، لا الولاءات والوصايات.
هذه هي السريالية السياسية بعينها: حين يحتج المواطن على غلاء معيشته يصبح خائنًا، وحين يسأل عن المال العام يصبح متآمرًا، وحين يطالب بدولة قانون يصبح مندسًا، بينما يُطلب منه أن يصفق للسلطة حتى تثبت وطنيته.
لكن لنعكس السؤال: من الذي يخون الوطن فعلًا؟
أهو المواطن الذي يخرج سلميًا ليقول «لا» لقرار يثقل حياته؟ أم من يحول الدولة إلى ملكية خاصة، والوظيفة العامة إلى مكافأة، والمال العام إلى غنيمة، والقانون إلى أداة انتقائية؟
الشعب ليس خائنًا لأنه قال «لا». الخيانة الحقيقية هي أن تتحول الدولة إلى سلطة فوق المجتمع، وأن يصبح المواطن مطالبًا بالصمت كي تثبت وطنيته.
● من ارتكب الجريمة لا تسقط جرائمه بسقوط السلطة:
وقبل أن يبدأ أحد بالمزايدة أو بمحاولة تزوير المعنى، فلنضع الحقيقة في مكانها: لا أحد يبرئ بشار الأسد، ولا يجوز أصلًا أن يُفهم نقد السلطة الانتقالية بوصفه دفاعًا عن نظام الأسد أو تبرئة لجرائمه.
نظام الأسد لم يكن مجرد سلطة سيئة الإدارة أو حكومة فاسدة أخطأت في بعض السياسات. كان نظامًا استبداديًا أدار البلاد لعقود بمنظومة أمنية وسياسية قائمة على القمع المنهجي، وارتبط اسمه بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والقتل، وبجرائم واسعة النطاق ارتُكبت بحق السوريين. ولم تكن المأساة نتيجة أخطاء فردية متفرقة، بل نتيجة بنية سلطة جعلت الخوف أداة للحكم، والإفلات من العقاب قاعدة، والولاء السياسي معيارًا للبقاء والصعود.
ولا ينبغي أن نخفف اللغة عندما يتعلق الأمر بهذه الجرائم: من عذّب، ومن قتل، ومن أخفى إنسانًا قسرًا، ومن أصدر الأوامر، ومن نفّذها، ومن تستر عليها، ومن استفاد من منظومة القمع، يجب أن يخضع للمحاسبة وفق القانون.
سوريا لم تصل إلى هذا الخراب بسبب احتجاجات الأمس، ولا بسبب قرار حكومي صدر اليوم. لقد ورثت الدولة مجتمعًا واقتصادًا ومؤسساتٍ أنهكتها عقود من الاستبداد والفساد وتغليب الولاء على الكفاءة، ثم جاءت الحرب لتضاعف الكارثة وتدمر ما تبقى من البنية الاقتصادية والاجتماعية.
لكن سقوط الأسد لا يمحو جرائم الأسد، كما أن سقوط النظام لا يعني أن الحساب قد انتهى.
الضحايا لا يستعيدون حياتهم بسقوط السلطة، والمعتقلون الذين قضوا في السجون لا يعودون، ومن اختفوا قسرًا لا يظهرون لمجرد أن الحاكم غادر القصر. لذلك فإن العدالة ليست شعارًا انتقاميًا، بل حق للضحايا وضرورة لبناء دولة لا يستطيع فيها أي مسؤول أن يطمئن إلى أن السلطة ستحميه من المحاسبة.
المطلوب ليس ثأرًا جماعيًا ولا عقابًا على الهوية أو الانتماء، وإنما عدالة حقيقية تحدد المسؤوليات الفردية، وتفصل بين من ارتكب الجريمة ومن لم يرتكبها، وتضع المتورطين أمام قضاء مستقل، مهما كان موقعهم أو اسمهم أو الجهة التي ينتمون إليها.
●سقط الأسد ولكن ترك نفايات:
كان يفترض بعد سقوط الأسد أن تبدأ مرحلة مختلفة جذريًا: دولة واحدة، قانون واحد، مؤسسات مهنية، قضاء مستقل، إدارة تقوم على الكفاءة، ومواطن لا يحتاج إلى واسطة أو ولاء سياسي كي يحصل على حقه.
لكن علينا أن نكون واضحين: سقوط النظام لا يعني تلقائيًا سقوط عقلية النظام.
فإذا استبدلنا الولاء القديم بولاءات جديدة، والمحسوبية القديمة بمحسوبية جديدة، والفساد السابق بفساد آخر، والوصاية الأمنية بوصاية سياسية أو دينية أو اجتماعية، فنحن لم نبنِ دولة جديدة؛ نحن فقط غيّرنا أسماء الذين يجلسون خلف المكاتب.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية السوريين اليوم: ألا يسمحوا لأي سلطة، مهما كانت شعاراتها أو خلفيتها أو ادعاءاتها، بأن تستعيد الأدوات نفسها التي جعلت المواطن عاجزًا أمام الدولة.الأسد سقط، لكن الدولة التي نريدها لم تُبنَ بعد. وهذه هي المعركة الحقيقية.
- احتجاجات الأمس ليست مؤامرة:
خرج السوريون أمس في مناطق عدة احتجاجًا على رفع أسعار المحروقات وتداعيات القرار على حياتهم اليومية. ويمكن للحكومة أن تشرح أسباب القرار، وأن تقول إن الدولة تواجه ظروفًا اقتصادية صعبة، لكن المواطن لا يعيش داخل جداول الحسابات الحكومية؛ هو يعيش في بيت يحتاج إلى التدفئة، وسيارة تحتاج إلى الوقود، وسوق ترتفع فيه الأسعار عندما ترتفع كلفة النقل. لذلك فإن السؤال ليس فقط: لماذا رفعت الحكومة السعر؟ السؤال الأصعب هو: ماذا قدمت للمواطن في المقابل؟ إذا ارتفعت الأسعار قبل أن يرتفع الإنتاج، وقبل أن يتحسن الدخل، وقبل أن تستقر الخدمات، فمن الطبيعي أن يظهر الغضب. الاحتجاج في هذه الحالة ليس خيانة، بل وسيلة سلمية للتعبير عن الرفض.
- وخائن لأنه يريد دولة لا سلطة أوصياء:
خائن لأنه يرفض أن تصبح مؤسسات الدولة خاضعة لسلطة الشيوخ أو رجال الدين أو أصحاب النفوذ الاجتماعي بدل القانون والمؤسسات. خائن لأنه يرفض انتشار الدعوات السلفية المتشددة أو أي خطاب إقصائي يهدد الحريات العامة، أو يحاول فرض نمط واحد من الحياة على مجتمع متنوع. وخائن لأنه لا يريد أن تتحول الثقافة إلى منصة لتسويق التشدد، ولا أن يستخدم بعض من يقدمون أنفسهم بوصفهم شعراء أو مسؤولين في المجال الثقافي مواقعهم لتبرير خطاب يضيّق على المجتمع بدل أن يحمي حريته وتعدده. وخائن لأنه يريد أن يختار الإنسان لباسه بنفسه، وأن يعيش حياته الخاصة بعيدًا عن الوصاية؛ لا أن يصبح لباسه، وما يسمعه، وما يقرأه، وطريقة حياته، وحتى وقت نومه، موضوعًا لتدخل أصحاب السلطة الأخلاقية. هذه ليست حربًا على الدين أو المتدينين، بل دفاع عن مبدأ بسيط: الدولة لها قانون، والمجتمع له تعدد، والإنسان له حياته الخاصة، ولا يجوز أن تتحول أي سلطة دينية أو اجتماعية إلى سلطة فوق القانون.
- الثورة ليست امتيازًا:
من حق من شارك في الثورة أن يطالب بالعدالة، ومن حق من دفع ثمنًا بسبب مواقفه أن يحصل على حقوقه كاملة، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذه المعاناة إلى امتياز دائم، أو أن يعتبر مؤسسات الدولة ملكًا لفريق دون آخر. الدولة ليست مكافأة لأحد، والوظيفة العامة ليست جائزة لمن سبق إلى حمل السلاح أو رفع شعارًا سياسيًا. معيار التعيين يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين.
- الفساد لا يصبح وطنيًا بتغيير اللافتة:
الواسطة كانت خطأ عندما كان يمارسها النظام السابق، وستبقى خطأ عندما يمارسها مسؤول جديد. والتعيين على أساس الولاء كان خطأ في الماضي، وسيبقى خطأ اليوم. واستغلال النفوذ كان مرفوضًا عندما كان يخدم السلطة القديمة، ولا يصبح مقبولًا عندما يخدم السلطة الجديدة. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نصبح انتقائيين في تعريف الفساد: نفضحه عندما يصدر عن خصومنا، ونبرره عندما يصدر عن حلفائنا.
- الفلول والمجرمون:
هناك فرق بين من عمل في مؤسسات الدولة بصفته موظفًا أو عسكريًا، وبين من تورط في جرائم وانتهاكات أو استغل موقعه لتحقيق مصالح شخصية. لا يمكن بناء دولة من خلال الانتقام الجماعي، كما لا يمكن بناء دولة من خلال التساهل مع من تثبت مسؤوليته عن جرائم خطيرة. المعيار يجب أن يكون واضحًا: المحاسبة على الفعل، لا على الانتماء. من لم يرتكب جريمة لا يعاقب لمجرد انتمائه السابق، ومن ارتكب جريمة لا تحميه علاقاته الجديدة ولا شعارات المرحلة الجديدة.
- لا تختصروا كل مشكلة بكلمة «فلول»: من أسهل الطرق للهروب من المسؤولية أن نضع كل فشل أمامنا في خانة الماضي. نعم، يجب ملاحقة المتورطين بجرائم النظام السابق، لكن هل كل فشل اقتصادي سببه الفلول؟ هل سوء الإدارة سببه الفلول؟ هل المحسوبيات الجديدة سببها الفلول؟ هل ضعف المؤسسات سببه الفلول؟ إذا كانت كل مشكلة تحتاج إلى عدو من الماضي لتفسيرها، فلن تضطر السلطة الجديدة إلى الاعتراف بأي خطأ من أخطائها. وهذا بالضبط ما يجب ألا نسمح بعودته.
- لا نريد نسخة جديدة من «الوطنية»:
النظام الأسدي جعل الوطنية امتحان ولاء: هل أنت معنا؟ بدل السؤال الصحيح: هل أنت على حق؟ هذه العقلية يجب أن تنتهي. لا ينبغي أن يكون السؤال في سوريا الجديدة: هل تؤيد الحكومة؟ بل: هل القرار صحيح؟ هل المؤسسة تعمل؟ هل المال العام محمي؟ هل القضاء مستقل؟ هل المسؤول يحاسب؟ هل المواطن متساوٍ أمام القانون؟ هل يستطيع الصحفي أن ينتقد؟ وهل يستطيع المواطن أن يتظاهر سلميًا؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الدولة.
- لا يجوز أن نكرر خطيئة الماضي:
هناك من يريد أن يقنع السوريين بأن انتقاد الحكومة الانتقالية يعني الوقوف مع الأسد. وهذا من أخطر المنطق السياسي. الأسد انتهى، وجرائمه لا تختفي، وضحاياه لا ينسون، والمجرمون يجب أن يحاسبوا، لكن ذلك لا يعني أن كل حكومة تأتي بعد الأسد تحصل تلقائيًا على حصانة أخلاقية. الثورة لم تكن من أجل تغيير الشخص الذي يجلس فوق الدولة، بل من أجل تغيير علاقة الدولة بالمواطن. إذا أصبح المواطن يخاف من انتقاد المسؤول الجديد كما كان يخاف من انتقاد المسؤول القديم، فنحن لم ننجز المهمة. وإذا أصبحت الوظيفة امتيازًا لمن يملك واسطة جديدة، وإذا أصبح السلاح أقوى من القانون، وإذا أصبحت الهوية أو المنطقة أو الولاء السياسي طريقًا إلى الحقوق والوظائف، فنحن نعيد إنتاج المحاصصة التي دمرت البلاد.
- الشعب ليس خائنًا:
الشعب الذي يحتج على الغلاء ليس خائنًا، والذي يسأل عن مستقبله ليس خائنًا، والذي يريد محاسبة قتلة وتعذيب سجناء النظام السابق ليس خائنًا، والذي يعترض على إعادة شخصيات متورطة بالجرائم إلى مؤسسات الدولة ليس خائنًا، والذي ينتقد الحكومة الانتقالية عندما تخطئ ليس خائنًا. بل إن أخطر شيء يمكن أن يحدث لسوريا هو أن نعيد إنتاج الجملة التي استخدمها النظام لعقود: «لا تنتقد، فالبلد في مرحلة حساسة». كانت سوريا دائمًا في «مرحلة حساسة»، ومن أجل هذه المرحلة الحساسة ضاعت سنوات، ثم عقود، ثم بلد كامل. اليوم لا تحتاج سوريا إلى مطبلين جدد، بل تحتاج إلى مواطنين قادرين على قول «لا» عندما تخطئ السلطة، وإلى سلطة قادرة على سماع هذه الـ«لا» دون أن تبحث فورًا عن تهمة جاهزة. لقد سقط الأسد، لكن المعركة الحقيقية هي ألا نعيد بناء سوريا بالأدوات نفسها التي أوصلتها إلى الخراب. فإذا كان كل من ينتقد السلطة «خائنًا»، وكل من يطالب بالعدالة «متآمرًا»، وكل من يحتج على الجوع «مندَسًا»، وكل من يسأل عن المال العام «عدوًا»، فربما لم تسقط عقلية النظام بعد؛ ربما سقط رأس النظام فقط.
أحمد سليمان

المزيد من المواضيع
ضرورة محاسبة أصحاب الخطاب المتشدد ومن يساندهم داخل مؤسسات الدولة
فرص توظيف قاتلة لأبناء الثورة
اليمن أمام إعادة تشكيل لموازين القوى: من تحالفات الحرب إلى سؤال الدولة