4 أكتوبر, 2026

نقابة الفنانين لا تحتاج إلى «ناطور» لم يتجاوز اسمه

أحيانًا لا تحتاج المؤسسة إلى قرار كبير كي تكشف طريقة تفكير من يديرها. يكفي تعيين واحد، أو تصريح واحد، أو طريقة واحدة في الدفاع عن قرار مثير للجدل، لكي يظهر السؤال الذي يفترض أن يكون أهم من الشخص نفسه: هل نحن أمام مؤسسة تُدار بقواعد، أم أمام شخص يحاول أن يجعل المؤسسة امتدادًا لرؤيته الخاصة؟

هذه هي الإشكالية التي تتكرر منذ وصول مازن الناطور إلى موقع نقيب الفنانين السوريين.

فالناطور لم يصل إلى النقابة في سياق انتخاب مهني طبيعي، بل في مرحلة انتقالية استثنائية. وهذا يمكن تفهمه سياسيًا وإداريًا. لكن الاستثناء الذي يبرر طريقة الوصول إلى الموقع لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، ولا يحوّل النقابة إلى مساحة مفتوحة للقرار الفردي.

بل العكس تمامًا: كلما كانت المؤسسة في مرحلة انتقالية، ازدادت الحاجة إلى القواعد، والتشاور، والشفافية، والابتعاد عن الشخصنة.

وهنا لا نتحدث عن انطباع شخصي.

في مايو/أيار 2025، أعلن مجلس نقابة الفنانين سحب الثقة من الناطور، متهمًا إياه بالاستئثار بالقرار وتهميش أعضاء المجلس ومخالفة القانون الناظم لعمل النقابة. الناطور رفض القرار واعتبره باطلًا قانونيًا. وبغض النظر عن المآل القانوني للخلاف، فإن مجرد وصول العلاقة بين النقيب ومجلس نقابته إلى هذه المواجهة يكشف أن مشكلة إدارة المؤسسة لم تكن اختراعًا من خصومه.

ومنذ ذلك الوقت، توالت القرارات والتصريحات التي أبقت اسم الناطور في قلب الجدل.

لكن آخرها أكثر دلالة من غيره.

● حين يصبح الماضي انتقائيًا:

تعيين الصحفي والكاتب وسام كنعان مستشارًا إعلاميًا للنقابة لم يكن قرارًا عاديًا، لأنه فتح ملفًا يتجاوز الشخص إلى المعيار الذي تختار به النقابة من يمثل خطابها الإعلامي.

كنعان صحفي وناقد فني صاحب مسيرة طويلة. وهو يعرّف نفسه في أرشيف صحيفة «الأخبار» بأنه التحق بها عام 2008، وأن اهتمامه الأساسي ينصب على الدراما والإعلام السوريين.

لكن هذه المسيرة نفسها هي التي تجعل السؤال مشروعًا.

فكنعان عمل قبل ذلك في صحيفة «بلدنا»، ثم انتقل إلى «الأخبار» اللبنانية، التي استمر فيها منذ عام 2008. وقد أعاد تعيينه في النقابة فتح النقاش حول طبيعة المؤسسات التي عمل فيها، وحول كتاباته ومواقفه خلال سنوات الثورة والحرب السورية.

وهنا لا يجوز اختزال المسألة في عبارة: «عمل في صحيفة».

«الأخبار» ليست صحيفة عابرة في المشهد اللبناني. إنها صحيفة ذات خط سياسي معروف بقربه من حزب الله، الحزب الذي شارك عسكريًا إلى جانب نظام بشار الأسد في الحرب السورية.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن كل صحفي عمل في الصحيفة يتحمل مسؤولية جرائم حزب الله، ولا يسمح قانونيًا أو مهنيًا بالقفز من مكان العمل إلى اتهام شخص بالمشاركة في القتل.

لكن هناك فرقًا بين المسؤولية عن الجريمة وبين المساءلة المهنية عن الخطاب الذي ساهم الشخص في إنتاجه خلال تلك المرحلة.

وهذا الفرق هو بالضبط ما يجعل سجل كنعان بحاجة إلى قراءة، لا إلى دفنه.

● من «بلدنا» إلى «الأخبار»:

المسألة لا تبدأ مع «الأخبار» وحدها.

فالمصادر التي أعادت فتح ملف كنعان بعد تعيينه في النقابة تشير إلى عمله سابقًا في «بلدنا» قبل انتقاله إلى «الأخبار».

وهنا ينبغي التوقف عند المسار نفسه: صحفي يعمل في مؤسسات إعلامية كانت جزءًا من المشهد الإعلامي السوري واللبناني خلال مرحلة شديدة الحساسية، ثم يصبح اليوم مستشارًا إعلاميًا لنقابة سورية يفترض أنها تمثل مرحلة سياسية جديدة.

مرة أخرى، لا تكفي هذه الوقائع وحدها لإدانة شخص.

لكنها تكفي تمامًا لطرح سؤال مهني مشروع:

هل درست النقابة هذا التاريخ فعلًا قبل اتخاذ قرار التعيين؟

إذا كانت الإجابة نعم، فمن حق الفنانين والرأي العام معرفة المعايير التي اعتمدتها.

وإذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة تصبح أكبر من وسام كنعان.

● لونا الشبل ليست تفصيلًا:

هناك أيضًا أرشيف كنعان نفسه.

ففي السنوات الأولى للثورة، كتب عن شخصيات كانت في قلب المعركة الإعلامية حول سوريا، ومن بينها لونا الشبل، التي انتقلت من قناة الجزيرة إلى العمل الإعلامي في سوريا، ثم أصبحت لاحقًا مستشارة إعلامية لبشار الأسد وأحد الوجوه البارزة داخل مؤسسة الرئاسة.

والقضية هنا ليست أن كنعان كتب عن لونا الشبل.

الصحفي من حقه أن يكتب عن أي شخصية.

السؤال هو: كيف كتب؟ وكيف قدم الشخصيات والأحداث؟ وما هي المواقف التي تبناها أو دافع عنها أو انتقدها؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما ينتقل الصحفي نفسه من موقع الكاتب إلى موقع مستشار إعلامي لمؤسسة سورية رسمية.

فإذا كانت النقابة ترى أن مواقف الفنانين السابقة تصلح أساسًا للمحاسبة أو الإقصاء، كما حدث في قضية سلاف فواخرجي، فلا يمكن أن تصبح المواقف السابقة غير مهمة عندما يتعلق الأمر بشخص اختارته النقابة نفسها.

الناطور اتخذ موقفًا حادًا من فواخرجي، وربط قرار فصلها بإنكارها جرائم الأسد وآلام السوريين، وفي المقابل منح عضوية شرف لفنانين من بينهم أصالة نصري ومالك جندلي وفضل شاكر.

هنا تحديدًا يظهر السؤال:

هل المعيار واحد عندما يتغير اسم الشخص؟

● فضل شاكر والسجل الذي لا يجوز انتقاؤه:

ومن بين الملفات التي ينبغي أن تُقرأ في سياق تقييم كنعان أيضًا مواقفه وكتاباته تجاه شخصيات فنية اتخذت مواقف مختلفة من الثورة السورية.

ويُثار في هذا السياق موقفه من الفنان فضل شاكر، الذي أعلن تأييده للثورة السورية، ثم دخل لاحقًا في مسار شديد التعقيد في لبنان انتهى إلى قضايا قضائية وأمنية مختلفة.

لكن حتى هنا يجب أن يكون النقد دقيقًا: لا ينبغي اختزال موقف صحفي كامل في مقال واحد، ولا تحويل الخلاف السياسي مع فضل شاكر إلى دليل تلقائي على موقف معادٍ للثورة.

المطلوب هو قراءة المادة الأصلية، ووضعها في سياقها، ثم ترك الوقائع تتحدث.

وهذه هي المشكلة التي لا تزال قائمة:

لماذا لم تقدم النقابة للرأي العام هذا التقييم؟

لماذا لم تقل: راجعنا أرشيف الرجل، ووجدنا فيه كذا وكذا، وخلصنا إلى أن خبرته الحالية مناسبة لهذه المهمة؟

بدلًا من ذلك، جاء الدفاع الشخصي من النقيب ليصبح هو الحجة الأساسية.

● «كان أسيرًا»… هل تكفي العبارة؟

الأكثر إثارة في دفاع الناطور عن تعيين كنعان أنه لم يكتفِ بالحديث عن كفاءته المهنية، بل قدم تفسيرًا كاملًا لماضيه.

قال إن المرحلة تحتاج إلى التسامح وتضميد الجراح، وإنه لا يمكن محاسبة شخص على جريمة كان مأمورًا بارتكابها، وتحدث عن السوريين الذين عاشوا خمسة عشر عامًا تحت نظام قاسٍ.

وقال عن كنعان إنه تعرض للإرهاب والتخويف والخطف، وإن فدية دُفعت مقابل حياته، وإنه لم يكن يومًا إلا مع وطنه وشعبه وشرف مهنته.

إذا كانت هذه الوقائع المتعلقة بتعرض كنعان للخطف والتهديد صحيحة، فهي تستحق الاعتبار، ولا يجوز تجاهلها.

لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي.

هل التعرض للخطر يمحو السجل المهني؟

هل الخوف أو الإكراه يفسران كل ما كتبه الصحفي طوال سنوات؟

وهل يملك النقيب وحده حق إصدار الحكم النهائي بأن هذا الشخص كان «أسيرًا»، وبالتالي تجاوز كل ما يمكن أن يثار حول أرشيفه؟

هنا تصبح عبارة «التسامح» بحاجة إلى تدقيق.

التسامح قيمة.

لكن التسامح لا يعني إلغاء الذاكرة.

والمصالحة لا تعني منح شهادات براءة سياسية بالجملة.

والعدالة الانتقالية لا تعني أن ننسى ما حدث، بل أن نميز بين المسؤولية الفردية، والإكراه، والمشاركة، والتبرير، والموقف السياسي، والعمل المهني، وأن نحاكم كل حالة وفق أدلتها.

إذا كان كنعان قد غيّر مواقفه، فليُذكر ذلك.

إذا كان تعرض للقمع أو الخطف، فليُذكر ذلك.

إذا كتب ضد النظام في مراحل معينة، فليُذكر ذلك أيضًا.

لكن إذا كانت له في المقابل كتابات ومواقف أثارت انتقادات واسعة خلال سنوات الثورة، فمن حق الناس أن تعرفها أيضًا.

الإنصاف لا يعني اختيار الصفحة التي تناسب النتيجة؛ الإنصاف يعني قراءة الكتاب كله.

● المشكلة في المعيار لا في المصالحة:

لا أحد يقول إن الصحفي يجب أن يبقى أسيرًا لكل موقف اتخذه في الماضي.

ولا أحد يقول إن من عمل في مؤسسة ذات خط سياسي معين يصبح تلقائيًا شريكًا في جرائم تلك المؤسسة أو الجهة التي تؤيدها.

هذا سيكون ظلمًا وتعميمًا.

لكن العكس أيضًا ظلم.

فلا يجوز أن يصبح شعار «المصالحة» وسيلة لإغلاق الأسئلة حول السجل المهني، ولا أن تتحول معرفة النقيب الشخصية بشخص ما إلى بديل عن معايير المؤسسة.

المصالحة الحقيقية تحتاج إلى ذاكرة، لا إلى نسيان.

وتحتاج إلى الاعتراف بالأخطاء، لا إلى إعادة تفسير كل الماضي وفق مصالح الحاضر.

وتحتاج قبل كل شيء إلى معيار واحد.

وهنا يعود السؤال إلى الناطور:

إذا كان الماضي معيارًا للحساب، فلماذا لا يكون معيارًا للتعيين أيضًا؟

● من نقابة «مؤسسية» إلى مؤسسة النقيب:

هذه ليست أول مرة يواجه فيها الناطور سؤال المؤسسة.

ففي مايو/أيار 2025، اتهمه مجلس النقابة بالتفرد بالقرارات وتهميش أعضاء المجلس، بينما رد الناطور بأن قرار سحب الثقة باطل قانونيًا.

بغض النظر عن الطرف الذي كان محقًا قانونيًا في تلك المواجهة، فإن تكرار الخلاف حول طريقة صناعة القرار يجعل من الصعب التعامل مع تعيين المستشار الإعلامي بوصفه حادثة منفصلة.

المؤسسة لا تُدار بمنطق:

«أنا أعرفه».

ولا بمنطق:

«أنا أثق به».

ولا بمنطق:

«أنا أعرف ما لا تعرفونه».

المؤسسة تقول:

هذه معاييرنا.

وهذه أسباب الاختيار.

وهذه حدود الصلاحيات.

وهذه المؤهلات.

وهذه آلية المحاسبة.

ولهذا فإن السؤال الأهم في قضية كنعان ليس فقط: هل كان مناسبًا أم غير مناسب؟

السؤال هو:

هل اتبعت النقابة آلية مؤسسية لاختيار المستشار، أم أن القرار كان قناعة شخصية للنقيب ثم جاءت التبريرات لاحقًا؟

إذا كانت هناك دراسة لسجل كنعان، فلتُعرض معاييرها.

وإذا كانت هناك مؤهلات محددة جعلته الأنسب، فلتُعلن.

وإذا كان التعيين جزءًا من سياسة مصالحة وطنية، فليُشرح هذا المبدأ ويُطبق على الجميع.

أما أن تكون الذاكرة السياسية سلاحًا في حالة، ثم تصبح عبئًا يجب التخلص منه في حالة أخرى، فهذه ليست مصالحة.

هذه ازدواجية معيار.

● إشكالية الناطور: لم يتجاوز اسمه:

ربما تكون أكبر مشكلة في تجربة الناطور أنه لم يدرك بعد أن النقابة ليست مسرحًا لدور جديد.

في المسرح، يمكن للفنان أن يحتل الخشبة وأن يكون هو مركز المشهد.

أما المؤسسة العامة، فالمطلوب فيها شيء مختلف تمامًا: أن يتراجع الشخص خطوة إلى الخلف لكي تتقدم المؤسسة خطوة إلى الأمام.

النقيب ليس هو النقابة.

وقراره ليس هو القانون.

وعلاقاته ليست معايير المؤسسة.

وموقفه الشخصي ليس بالضرورة موقف الفنانين السوريين.

وهنا تصبح عبارة «لم يتجاوز اسمه» أكثر من مجرد لعبة لغوية.

فالمشكلة ليست في اسم «الناطور» بحد ذاته، بل في المفارقة بين معنى الاسم ودور صاحبه: الناطور يفترض أن يحرس المؤسسة، لا أن يجعل المؤسسة حارسة لقراراته الشخصية.

وإذا كان يريد بالفعل بناء نقابة مختلفة عن نقابة الأمس، فإن أول ما يحتاج إليه ليس المزيد من التصريحات، ولا المزيد من المعارك، ولا المزيد من الدفاع عن قراراته.

يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب:

أن يقبل بأن المؤسسة أكبر منه.

وأن يفهم أن الانتقال من زمن كانت فيه النقابة خاضعة للسلطة إلى زمن تصبح فيه النقابة خاضعة لمزاج النقيب ليس انتقالًا ديمقراطيًا.

إنه فقط تغيير صاحب المفتاح.

ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أي تصريح الإجابة عنه:

هل يستطيع مازن الناطور أن يتجاوز اسمه فعلًا، وأن يترك للنقابة أن تصبح مؤسسة… لا مرآة لنقيبها؟

أحمد سلبمان 

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب