بعد نشر المقال السابق، ظهر وسام كنعان في فيديو يقدّم فيه اعتذارًا إلى السوريين، ويعلن استقالته من مهمته الجديدة في نقابة الفنانين، موضحًا أن خطوته تأتي «درءًا للفتنة»، وفق مضمون الفيديو المتداول.
بصرف النظر عن تقييم هذه الخطوة، فإن الاعتذار أمام الرأي العام يفتح بابًا مختلفًا عن باب الإنكار أو التجاهل. والاستقالة، في هذه الحالة، يمكن أن تخفف منسوب التوتر، خصوصًا عندما يدرك الشخص أن وجوده في موقع عام أصبح جزءًا من حالة غضب واسعة.
لكن المفارقة أن هذه الخطوة لا تنهي السؤال، بل تعيده بصورة أكثر وضوحًا إلى صاحب القرار الأصلي: مازن الناطور.
فلو رافق اعتذار كنعان واستقالته موقفٌ واضح من الناطور، باعتباره صاحب قرار تعيينه، لكان بالإمكان قراءة المشهد باعتباره مراجعة مؤسسية لقرار أثار اعتراضًا واسعًا. أما أن يتراجع كنعان، بينما يبقى من اتخذ قرار تعيينه في موقعه، فإن ذلك يترك جوهر المشكلة قائمًا، ويطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: لماذا يتحمل المعيَّن وحده كلفة قرار لم يتخذه؟
هنا لا يعود الأمر متعلقًا بوسام كنعان وحده، بل بطريقة إدارة مؤسسة مدنية يفترض أن تقوم على التشاور والشفافية واحترام جمهورها وأعضائها.
فالذي أثار الغضب لم يكن اسم كنعان فقط، وإنما أيضًا الطريقة التي جرى بها اختياره، وما إذا كانت النقابة قد راجعت سجله المهني بصورة كافية، ووضعت معايير واضحة قبل إسناد مهمة حساسة إليه. وإذا كان القرار قد اتُّخذ رغم كل هذه الاعتراضات، فإن استمرار الدفاع عنه بعد اتساع دائرة الرفض يطرح سؤالًا مشروعًا حول معنى المسؤولية المؤسسية.
والأخطر أن هذا النوع من الإدارة لا ينسجم مع الروح التي يفترض أن تحكم مؤسسات المرحلة الانتقالية. فالمؤسسات التي جاءت بعد سنوات طويلة من الاستبداد لا تحتاج إلى إعادة إنتاج نموذج القرار الفردي، ولا إلى التعامل مع الاعتراض العام باعتباره مجرد ضجيج ينبغي تجاوزه.
● من الاعتذار إلى جبر الضرر:
لكن القضية لا تتوقف عند كنعان والناطور.
إذا كان السوريون يدخلون مرحلة يفترض أن تقوم على المصالحة وإعادة بناء المؤسسات، فإن التعامل مع إرث المرحلة السابقة يحتاج إلى معايير واضحة. لا يمكن أن تتحول التسويات إلى طريق للعودة إلى مؤسسات الدولة من دون مراجعة للسجل المهني والسياسي، ولا يمكن في الوقت نفسه أن تتحول المحاسبة إلى انتقام جماعي.
السؤال ليس فقط: هل نسمح لشخصيات عملت داخل مؤسسات النظام السابق بالعودة؟
السؤال الأهم: بأي شروط؟
هل هناك اعتراف بما جرى؟ هل توجد مراجعة للسجل المهني؟ هل هناك تمييز واضح بين من مارس عملًا إعلاميًا أو إداريًا، وبين من ثبت تورطه في انتهاكات أو تحريض أو جرائم؟ وهل توجد آليات شفافة تحدد المسؤوليات، وتتيح في الحالات المناسبة مسارًا للمصالحة والعودة إلى الحياة العامة؟
هذه ليست أسئلة للانتقام، بل جزء من معنى العدالة الانتقالية.
فالمصالحة لا تعني محو الذاكرة، والتسامح لا يعني إلغاء حق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعودة إلى المؤسسات لا ينبغي أن تكون امتيازًا يُمنح عبر العلاقات أو التسويات غير المعلنة.
وإذا كانت استقالة كنعان جاءت، بحسب ما قاله، «درءًا للفتنة»، فإن المطلوب في الملفات الأوسع هو ألا تتحول عبارة «درء الفتنة» إلى وسيلة لإغلاق الأسئلة. فالفتنة تُدرأ بالعدالة والشفافية والمؤسسات، لا بدفن الذاكرة ولا بتجاهل مشاعر ملايين السوريين الذين لامسهم الضرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهنا تظهر القضية الأكبر: جبر الضرر الذي لامس عموم السوريين لا يمكن أن يقوم على الانتقائية.
فإذا كان المجتمع مطالبًا بقبول عودة شخصيات من الماضي إلى مؤسسات الدولة الحالية، فعليه في المقابل أن يعرف المعايير التي تحكم هذه العودة. الاعتذار يمكن أن يكون بداية، والتسامح يمكن أن يكون خيارًا، لكن العدالة تحتاج إلى أكثر من ذلك: حقيقة، ومساءلة، وتمييزًا بين المسؤوليات، وضمانات تمنع تكرار الماضي.
وبذلك لا يصبح السؤال: من نحاسب، ومن نعفو عنه؟ بل: هل نملك أصلًا معيارًا واحدًا للمساءلة والمصالحة؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل خطوة في هذه المرحلة: كيف نبني دولة لا تعيد إنتاج الماضي تحت عنوان المصالحة؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
اعتذار كنعان يهدّئ الغضب.. فمن يحاسب الناطور؟

المزيد من المواضيع
نقابة الفنانين لا تحتاج إلى «ناطور» لم يتجاوز اسمه
أمريكا تصدّر أزماتها: هل تدفع أوروبا نحو متاهة الحرب؟
أسئلة حول تفجيرات «أشباه الليل» وضحايا جسر مصياف