في القضايا التي تشتعل على وسائل التواصل الاجتماعي، قد لا تكون المشكلة في المعلومة وحدها، بل في الطريق الذي تسلكه قبل أن تصل إلى الجمهور. تسجيل صوتي يظهر، ويُنسب إلى شخص، ومنشور يقدّم تفسيرًا، ثم تعيد حسابات وصفحات نشره، وبعد ذلك تظهر رواية مقابلة تنفي النسبة وتربط التسجيل بشخص آخر. وخلال وقت قصير، يصبح الخلاف حول المعلومة نفسها جزءًا من الصراع.
هنا لا يعود السؤال فقط: ماذا قيل في التسجيل؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف عرفنا أن التسجيل يعود إلى الشخص الذي نُسب إليه؟ ومن أين بدأت هذه المعلومة أصلًا؟ ومن الذي حوّلها من ادعاء يحتاج إلى تحقق إلى «مصدر» تتداوله الصفحات والحسابات؟
هذه هي النقطة التي تجعل قضية الشابة مريم ماهر دمسرخو تتجاوز تفاصيل توقيفها أو الجدل المحيط بها. فالقضية، كما ظهرت في الفضاء العام، تكشف مشكلة أوسع في طريقة تداول المعلومات الحساسة، خصوصًا عندما تتقاطع مع السياسة والهوية والانتماء الطائفي.
مريم صرحت بأنها ستشارك في اعتصام للمطالبة بحقوق معيشية. ثم ظهر تسجيل صوتي يتضمن عبارات وشتائم، وبدأ تداوله على أنه يعود إليها. وفي المقابل، ظهرت رواية أخرى تقول إن الصوت يعود إلى فتاة أخرى تُدعى غزل، وإن نسبته إلى مريم غير صحيح. وبين الروايتين بدأ الاشتباك على وسائل التواصل الاجتماعي.
فريق تعامل مع التسجيل باعتباره دليلًا على ما نُسب إلى مريم، وفريق آخر تعامل مع الرواية المقابلة باعتبارها نفيًا حاسمًا. لكن السؤال المهني والحقوقي يسبق الطرفين معًا: هل حُسمت هوية صاحبة الصوت بدليل يمكن التحقق منه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمن حق الجمهور معرفة أساس هذا الحسم. وإذا كانت الإجابة لا، فليس من المهنية تحويل أي من الروايتين إلى حقيقة نهائية لمجرد أنها انتشرت أكثر.
- كيف تتحول المعلومة إلى «مصدر»:
لا تكفي كثرة إعادة النشر لكي تصبح المعلومة حقيقة. قد تبدأ المعلومة من منشور مجهول، ثم ينقلها حساب، ثم تعيد صفحة أخرى نشرها، وبعد ذلك تظهر بصيغة «بحسب مصادر». وبعد ساعات، يصبح ما كان مجرد ادعاء متداول في الوعي العام «معلومة مؤكدة». لكن عندما نعود إلى البداية، قد نكتشف أن جميع هذه الصفحات والحسابات كانت تنقل عن المنشور نفسه. أي أننا لا نملك عدة مصادر مستقلة، بل مصدرًا واحدًا أعيد إنتاجه مرات كثيرة.
وهنا تكمن إحدى مشكلات البيئة الرقمية: التكرار يمنح المعلومة أحيانًا مظهرًا من المصداقية لا تستحقه بالضرورة. وهذا لا يعني أن المعلومة خاطئة لمجرد أنها بدأت على وسائل التواصل الاجتماعي، كما لا يعني أن كل ما تنقله الصفحات غير موثوق. المعيار أبسط من ذلك: ما مصدر المعلومة؟ هل يمكن الرجوع إليه؟ هل جرى التحقق منها بصورة مستقلة؟ وهل توجد أدلة تسمح بتثبيتها؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بتسجيل صوتي أو صورة أو فيديو يمكن أن يؤدي تفسيره الخاطئ إلى اتهام شخص أو التشهير به.
- التسجيل ليس هوية صاحبه:
في قضية مريم، تكمن المشكلة تحديدًا في هذه النقطة. هناك تسجيل صوتي جرى تداوله ونُسب إلى مريم، وفي المقابل ظهرت رواية تقول إن الصوت يعود إلى فتاة أخرى تُدعى غزل. حتى الآن، لا يكفي وجود التسجيل وحده لحسم هوية صاحبته. فالصوت، مهما كان واضحًا، لا يحمل اسمه معه. وكتابة اسم شخص أسفل التسجيل لا تثبت أنه صاحبه.
وفي الاتجاه المقابل، فإن ظهور اسم آخر في منشورات لاحقة لا يثبت تلقائيًا أن التسجيل يعود إلى ذلك الشخص. الحسم يحتاج إلى أكثر من التداول. يحتاج إلى معرفة أصل التسجيل، وسياقه، وتاريخ ظهوره، ومن نشره للمرة الأولى، وما إذا كان كاملًا أو مقتطعًا، والأهم: هل توجد وسيلة فنية موثوقة يمكن أن تحسم هوية صاحبة الصوت؟
إذا توفرت هذه الأدلة، ينبغي عرضها بوضوح. وإذا لم تتوفر، فإن الاعتراف بعدم الحسم ليس نقصًا في الموقف، بل هو الموقف الأكثر مهنية.
- بين الاعتصام والتسجيل:
هناك أيضًا نقطة أخرى يجب ألا تختلط بالتسجيل الصوتي. مريم أعلنت، بحسب ما جرى تداوله، أنها ستنزل إلى اعتصام للمطالبة بحقوق معيشية. والمطالبة بالحقوق المعيشية عبر اعتصام سلمي لا تتحول إلى فعل مجرّم لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى طائفة معينة أو إلى بيئة اجتماعية محددة.
وفي الوقت نفسه، فإن الإعلان عن اعتصام أو المشاركة فيه لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة إذا ثبت ارتكابه فعلًا مخالفًا للقانون. المعيار يجب أن يبقى واحدًا في الحالتين. إذا كان هناك فعل مجرّم، فليُثبت. وإذا لم يثبت، فلا ينبغي أن يحل الانطباع محل الدليل.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة الخلط بين المواقف المدنية المشروعة وبين ما قد يُنسب إلى شخص من أفعال أخرى لم تثبت بحقه.
- عندما تدخل الطائفة إلى القضية:
القضايا التي تتقاطع فيها السياسة مع الهوية الطائفية تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فإذا كانت مريم قد تعرضت لإساءات بسبب انتمائها العلوي، فإن الرد على تلك الإساءات يجب أن يُقرأ في سياقه. وهناك فرق واضح بين الدفاع عن الكرامة والهوية في مواجهة إهانة، وبين التحريض على الكراهية ضد جماعة أخرى.
وفي المقابل، فإن الانتماء إلى طائفة أو جماعة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتبرئة إذا ثبت ارتكاب فعل مخالف للقانون. المسؤولية فردية. من ارتكب جريمة يحاسب على جريمته، ومن حرّض على الكراهية يتحمل مسؤولية تحريضه، ومن انتهك حقوق الآخرين يتحمل مسؤولية فعله.
لكن لا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها، كما لا يجوز تحويل الطائفة إلى قرينة اتهام. الإرث الدموي لنظام بشار الأسد لا يمكن أن يتحول إلى ذنب جماعي يُورث للأشخاص بسبب هويتهم أو بيئتهم الاجتماعية. وكذلك لا يمكن أن تتحول مظالم الماضي إلى مبرر لإدانة أشخاص لمجرد انتمائهم إلى الجماعة نفسها.
- لا إدانة بالتسجيل ولا تبرئة بالرواية:
الموقف الحقوقي المتماسك لا يكون في اختيار طرف من طرفين، وإنما في تطبيق المعيار نفسه على الطرفين. إذا ثبت أن التسجيل يعود إلى مريم، فيجب التعامل مع ذلك وفق القانون والأدلة. وإذا ثبت أنه يعود إلى غزل، فيجب تصحيح النسبة بوضوح. أما إذا لم يُحسم الأمر، فلا ينبغي أن تتحول أي من الروايتين إلى حقيقة نهائية.
وهنا لا يكفي أيضًا أن تظهر رواية تقول إن التحقيق لم يثبت الادعاء أو أن مريم أُفرج عنها. هذه معلومات مهمة، لكنها تحتاج بدورها إلى مصدر واضح، وإلى معرفة ما الذي خلص إليه التحقيق تحديدًا. الإفراج لا يعني بالضرورة أن كل تفاصيل القضية أصبحت معروفة للجمهور، كما أن التوقيف لا يعني ثبوت الاتهام.
هذه قاعدة بسيطة، لكنها كثيرًا ما تضيع وسط ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
- من يملك الحقيقة:
مسؤولية السلطات المعنية هنا أكبر من مسؤولية المستخدم العادي. إذا كانت التحقيقات قد انتهت إلى نتائج واضحة، فمن حق مريم ومن حق الرأي العام معرفة ما يمكن نشره من هذه النتائج، بما لا يضر بأي إجراء قانوني قائم.
وإذا كان التسجيل لا يعود إلى مريم، فمن المهم أن يكون ذلك واضحًا، وأن يعرف الناس الأساس الذي استند إليه هذا الاستنتاج. وإذا كان يعود إليها، فمن حق الجميع أيضًا أن يعرفوا الأدلة التي تثبت ذلك.
المشكلة أن ترك المعلومات الرسمية غائبة يخلق فراغًا، والفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا. تملؤه الحسابات، والمنشورات، والتخمينات، والتفسيرات، وأحيانًا الاتهامات.
لذلك فإن مطالبة الناس بعدم تداول الشائعات لا تكون كافية وحدها. يجب أن تترافق مع معلومات رسمية قابلة للتحقق، لأن غياب المعلومة الموثوقة يفتح المجال أمام روايات لا تنتهي.
التهدئة لا تعني إسكات الأسئلة. التهدئة تبدأ من الإجابة عنها.
- لا نحتاج إلى ضحية جاهزة:
ثمة مشكلة أخرى تظهر في مثل هذه القضايا: تحويل الإنسان إلى «ضحية» أو «متهم» قبل اكتمال الوقائع. بعض الخطابات تحتاج إلى ضحية جاهزة كي تبني حولها رواية كاملة، وخطابات أخرى تحتاج إلى متهم جاهز كي تفسر من خلاله كل شيء. وفي الحالتين يمكن أن تضيع الحقيقة.
العمل الحقوقي والإعلامي لا يحتاج إلى اختراع ضحايا، كما لا يحتاج إلى اختراع مجرمين. وظيفته أن يسأل: ماذا حدث؟ ما الذي يمكن إثباته؟ ما الذي لا يزال مجرد ادعاء؟ من المسؤول؟ وما الأدلة المتوافرة؟
أما أن نحدد موقفنا أولًا، ثم نبحث عن المعلومات التي تؤيده، فليس تحقيقًا. إنه انتقاء.
ولهذا يجب أن يكون المعيار واحدًا مع الجميع، بصرف النظر عن الاسم أو الطائفة أو الموقف السياسي. لا نريد أن نستبدل رواية مسبقة برواية مسبقة مضادة، ولا نريد أن ننتقل من اتهام بلا دليل إلى تبرئة بلا دليل.
- الحقيقة لا تحتاج إلى جمهور:
قد يتضح في النهاية أن التسجيل يعود إلى مريم، وقد يتضح أنه يعود إلى شخص آخر، وقد تظهر معلومات جديدة تغير فهم القضية بالكامل. المهم ألا نحسم ما لم يُحسم بعد.
فالخطأ في تحديد هوية صاحبة صوت قد يبدو في البداية مجرد خطأ في منشور، لكنه يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى اتهام، ثم إلى تشهير، ثم إلى حكم اجتماعي يصعب التراجع عنه.
لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: أي رواية نصدق؟ بل: ما الذي نستطيع إثباته؟
هذه هي المسافة التي يجب أن يحافظ عليها الإعلام، وهي أيضًا المسافة التي يحتاج إليها الخطاب الحقوقي حتى لا يتحول، من حيث لا يريد، إلى طرف في النزاع.
الإنسان لا يُدان باسمه، ولا يُبرّأ بطائفته، ولا يُتهم بتسجيل لم يثبت أنه صوته. يُحاسب على فعله، والفعل يحتاج إلى دليل.
أما الحقيقة فلا تصبح حقيقة لأنها تناسب موقفنا، ولا تصبح الرواية أكثر صدقًا لأنها تخدم الطرف الذي نتعاطف معه.
لهذا فإن السؤال الأوسع الذي تتركه قضية مريم ليس فقط: من صاحبة الصوت؟ بل: من خلق المعلومة؟ ومن نسب الصوت؟ ومن حوّل النسبة إلى «مصدر»؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يترتب على ذلك عندما تتحول رواية غير مكتملة إلى اتهام؟
هذه ليست أسئلة إعلامية فقط. إنها أسئلة حقوقية وأخلاقية تتعلق بكيفية بناء الثقة في مجتمع خرج من سنوات طويلة من القمع والعنف والانقسام.
وفي النهاية، لا تحتاج الحقيقة إلى جمهور يصدقها لأنها تناسبه. تحتاج إلى دليل.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
استهداف «ألفا وطن» عمل إرهابي يجب إدانته
روسيا وأوروبا: حرب بلا حرب؟ ما طبيعة الصراع الذي يمنع وقوعها؟
من يملك صكوك الثورة وشهادات الوطنية؟