هناك شيء غير صحي يحدث حين تتحول الثورة من قضية شعب وحقوق وحريات إلى مساحة لتوزيع «شهادات الوطنية والثورية» من خلال مجموعات أو كيانات لا يعرف الناس على أي أساس اختارت هذا الشخص أو ذاك، ومن منحها أصلًا حق إصدار هذه الشهادات.من قال إن الوطنية تحتاج إلى شهادة؟ ومن منح أي جهة سلطة تصنيف السوريين إلى «ثوريين» يستحقون التكريم، وآخرين لا يستحقون؟ وأين المعايير المعلنة؟ ومن يراجع هذه المعايير ويضمن عدم تحولها إلى محاباة أو علاقات شخصية أو استعراض رمزي؟
هذه ليست مسألة شكلية.
بشار الأسد ومنظومته الإجرامية، ومن تثبت مسؤوليتهم عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، لا يمكن أن تتحول جرائمهم إلى مجرد خلفية تمنح الآخرين حق توزيع صكوك الوطنية. الثورة قامت أصلًا ضد الاستبداد، وضد احتكار الحقيقة والسلطة والشرعية.
لذلك، من الخطير أن نعيد إنتاج المنطق نفسه داخل الفضاء الذي يفترض أنه يمثل قيم الثورة.
كل من وقف في وجه منظومة الأسد ودفع ثمن موقفه يستحق أن تُحفظ قصته في الذاكرة السورية والإنسانية، لا أن ينتظر شهادة من أحد.
من كتب واحتج ووثّق، ومن قاتل، ومن اعتُقل وعُذّب، ومن فقد قريبًا، ومن تعرّض للتهديد أو الملاحقة، ومن دفعت عائلته ثمن موقفه، ومن عاش سنوات من القهر لأنه رفض الاستبداد؛ هؤلاء لا يحتاجون إلى «أيقنة» متأخرة ولا إلى ختم من مجموعة أو اتحاد أو غروب.
والأهم: لا يجوز أن تتحول تضحيات الضحايا إلى منصة لصناعة «نجوم ثورة» وفق معايير غير معلنة.
هناك فرق كبير بين تكريم إنسان على عمل موثق وبين منحه شهادة تحمل ضمنيًا حكمًا على وطنيته أو ثوريته، وكأن جهة ما امتلكت فجأة أرشيف الثورة كله، وعرفت بدقة ماذا فعل ملايين السوريين، وماذا لم يفعلوا.
حتى من لم يشارك في الاحتجاجات أو العمل السياسي أو العسكري، لكنه عاش القمع، أو فقد أحد أفراد أسرته، أو اضطر إلى مغادرة بلده، لا يصبح أقل سورية ولا أقل استحقاقًا للكرامة.
والثورة ليست ملكًا لمن كان أكثر حضورًا أمام الكاميرا، ولا لمن امتلك المنصة الأفضل، ولا لمن ظهر لاحقًا في الإعلام والثقافة والعمل العام.
كما أن الجيل الذي كان طفلًا في 2011 لا يحتاج إلى اختراع بطولة لم يعشها، وفي المقابل لا يجوز إنكار ما يمكن أن يكون قد قدّمه لاحقًا. العمر وحده ليس معيارًا، كما أن الظهور الإعلامي ليس دليلًا على التضحيات.
المطلوب اليوم ليس صناعة طبقة جديدة من «حراس الثورة» يوزعون شهادات على الآخرين، بل بناء ذاكرة وطنية تقوم على التوثيق والإنصاف والشفافية.
إذا كان هناك تكريم، فليكن تكريمًا واضح المعايير، محددًا بعمل موثق، ومعلنًا للرأي العام، لا شهادة مفتوحة توحي بأن الجهة المانحة تمتلك حق منح صفة «الثوري» أو «الوطني».
فالذين ضحوا من أجل الحرية لا يحتاجون إلى شهادات كي يصبحوا جزءًا من تاريخها.
والذين يوزعون الشهادات اليوم، عليهم أن يتذكروا أن الثورة التي خرجت ضد احتكار السلطة لا يجوز أن تتحول إلى احتكار لتعريف الوطنية.
السؤال الحقيقي ليس: من حصل على شهادة؟
بل: من منح نفسه حق توزيعها أصلًا؟
أحمد سليمان
من يملك صكوك الثورة وشهادات الوطنية؟
هناك فرق كبير بين تكريم إنسان على عمل موثق وبين منحه شهادة تحمل ضمنيًا حكمًا على وطنيته أو ثوريته، وكأن جهة ما امتلكت فجأة أرشيف الثورة كله

المزيد من المواضيع
روسيا وأوروبا: حرب بلا حرب؟ ما طبيعة الصراع الذي يمنع وقوعها؟
من يخلق المعلومات؟ ومن يصنع «المصادر»؟ لا إدانة بتسجيل، ولا تبرئة برواية… فمن يملك الحقيقة؟
اعتذار كنعان يهدّئ الغضب.. فمن يحاسب الناطور؟