كثرت المعادلات الدولية في الشرق الأوسط وتشعبت مساراتها، وباتت الطوائف والمكونات الإثنية والعرقية، في أحايين كثيرة، مدخلًا رئيسيًا تستخدمه الدول الأكثر قوة في إدارة صراعاتها أو في التخاطب مع الحكومات الهشة. ومن بين هذه الملفات، تبدو المسألة الكردية في الشرق الأوسط وكأنها تتحرك أبعد من المعادلة القديمة التي حكمت السنوات الماضية: قوة كردية مسلحة تسيطر على مساحة جغرافية، ودولة تحاول استعادتها، وقوة دولية تستخدم هذه الجماعة في مواجهة تنظيم أو دولة أخرى.
ما يجري الآن يبدو أكثر تعقيدًا.
في سوريا، أُبرم في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاق لدمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، أعقبته تصريحات متباينة حول ما تم الاتفاق عليه وآليات تنفيذه. وحتى هذه اللحظة، ما زالت هناك خلافات حول شكل الاندماج وحدوده، في وقت تدفع فيه دمشق باتجاه إدماج القوات والمؤسسات التابعة لـ«قسد» ضمن بنية الدولة المركزية.
وعلى نسق آخر، دخل أحد أبرز القادة العسكريين في «قسد»، سيبان حمو، إلى بنية وزارة الدفاع السورية بصفته معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار مسار دمج «قسد» وإعادة توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة الدولة. وقد جاء تعيينه رسميًا في 10 مارس/آذار 2026.
وفي الوقت نفسه، يجري تداول أسماء قيادات سياسية وعسكرية من «قسد»، وفي مقدمتها مظلوم عبدي وإلهام أحمد، لشغل أدوار معينة داخل مؤسسات الدولة. غير أن الحديث عن منصب سياسي لعبدي يبقى، حتى الآن، في إطار التداول، ولا يصح التعامل معه باعتباره قرارًا رسميًا، ولا سيما أن إلهام أحمد سبق أن قالت في فبراير/شباط 2026 إن عبدي حسم قراره بعدم تولي منصب رسمي في الحكومة السورية.
ويترافق ذلك مع حوادث وأعمال تخريب نسبت تقارير إلى مجموعات أو أشخاص محسوبين على «قسد»، شملت الاعتداء على بعض المرافق أو المكاتب العامة، إلى جانب حوادث مرتبطة برفع أو إنزال رموز الدولة السورية في بعض المناطق. وهذه الوقائع، حيثما ثبتت مسؤولية مرتكبيها، تطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى قدرة عملية الاندماج على تجاوز الإرث الأمني والسياسي السابق، وحول قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع.
أما الحديث عن الامتيازات، وفق ما يطرحه بعض مؤيدي «قسد»، فيمكن أن يُقرأ، في بعض التصورات، باعتباره خطوة أولى نحو مطالب سياسية أوسع قد تصل لاحقًا إلى الحكم الذاتي. لكن هذا يبقى تحليلًا أو سيناريو محتملًا، وليس نتيجة حتمية. وحتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي يثبت وجود صيغة تمنح «قسد» امتيازات سلطوية خاصة داخل الدولة السورية الواحدة.
في تركيا، انتقل مسار حزب العمال الكردستاني «PKK» من الدعوة إلى وقف القتال إلى مرحلة أكثر تقدمًا: نزع السلاح، وحل التنظيم، ثم الانتقال إلى إطار قانوني ينظم عودة بعض أعضائه وإعادة دمجهم، بشروط واستثناءات تتعلق بخطورة الجرائم المرتكبة.
وفي 10 أغسطس/آب 2026، أقر البرلمان التركي قانونًا بهذا الاتجاه بأغلبية 468 صوتًا مقابل 88، ليضع إطارًا قانونيًا مشروطًا لعملية نزع السلاح وإعادة الدمج. ولا تدخل الإجراءات الأساسية حيّز التطبيق إلا بعد التحقق رسميًا من تفكيك التنظيم وتسليم أسلحته.
لكن القانون لا يمثل عفوًا عامًا عن جميع أعضاء «PKK»، كما أنه لا يفتح طريقًا تلقائيًا للإفراج عن عبد الله أوجلان؛ إذ يستثني، وفق ما أوردته التقارير، فئات من المدانين بجرائم خطيرة، ومن بينهم أوجلان.
أما في إيران، فقد دخلت القوى الكردية الإيرانية في حسابات الحرب الأميركية ـ الإيرانية بصورة أكثر مباشرة. وأفادت تقارير وتحليلات أميركية عن اتصالات بين إدارة دونالد ترامب وقوى كردية إيرانية وعراقية، وعن بحث إمكانية استخدامها ضمن أدوات الضغط على النظام الإيراني، بينما بقيت طبيعة السياسة الأميركية تجاه هذه القوى غير محسومة بصورة نهائية.
هذه التطورات الثلاثة لا تثبت وجود «خطة كردية واحدة» تقودها واشنطن أو غيرها. لكنها تطرح سؤالًا أكبر: هل يجري تفكيك البنية الكردية العسكرية العابرة للحدود، وإعادة توزيع الأدوار الكردية بحيث يصبح لكل ساحة مسار مختلف؟
- من السلاح إلى مؤسسات الدولة السورية:
أهم ما حدث في الملف السوري هو أن النقاش لم يعد يدور فقط حول مصير مقاتلي «قسد»، بل بدأ ينتقل إلى مستقبل قياداتها نفسها.
اتفاق 29 يناير/كانون الثاني 2026 بين دمشق و«قسد» وضع إطارًا لدمج القوات والمؤسسات العسكرية والإدارية التابعة لـ«قسد» في مؤسسات الدولة السورية، ونص على انتقال المؤسسات المدنية والمعابر والمنشآت العامة إلى إدارة الدولة، إلى جانب ترتيبات لدمج القوات في الجيش السوري. وقد أكدت الحكومة السورية أن الاتفاق يتضمن دمجًا متسلسلًا للقوات والإدارات، ودخول مؤسسات الدولة إلى المناطق المعنية.
ثم جاءت خطوة تعيين سيبان حمو معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية في مارس/آذار لتقدم نموذجًا عمليًا لما يمكن أن يعنيه هذا الدمج. فحمو كان قائدًا عامًا لوحدات حماية الشعب «YPG» وعضوًا في القيادة العامة لـ«قسد»، قبل انتقاله إلى منصبه الجديد داخل وزارة الدفاع السورية.
وهنا تكمن دلالة سياسية تتجاوز المنصب نفسه:
دمج «قسد» لا يعني بالضرورة إقصاء كل قياداتها، وإنما يمكن أن يعني إعادة تعريف مواقع بعضها داخل الدولة.
وهذا يفسر أهمية الحديث المتداول عن مستقبل مظلوم عبدي وإلهام أحمد.
- من القيادة الموازية إلى السلطة المركزية؟
التقارير المتداولة حاليًا حول احتمال تعيين مظلوم عبدي في منصب سياسي لم تتحول بعد إلى قرار رسمي معلن. لذلك سيكون من غير المنطقي التعامل معها باعتبارها حقيقة مكتملة.
لكن وجود اسم مظلوم عبدي في نقاشات مستقبل العلاقة مع دمشق ليس أمرًا افتراضيًا.
فالرجل اجتمع بصورة متكررة مع ممثلي الرئاسة السورية ضمن مسار تنفيذ اتفاق الدمج، كما التقى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في دمشق إلى جانب إلهام أحمد لبحث استكمال إدماج القوات والمؤسسات التابعة لـ«قسد» في الدولة. وفي أبريل/نيسان 2026، أكدت الرئاسة السورية أن لقاء الشرع وعبدي جاء في إطار متابعة مسار تنفيذ اتفاق 29 يناير/كانون الثاني، وأن الهدف هو دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية.
كما التقى عبدي مسؤولين أميركيين في سياق بحث ترتيبات العلاقة بين «قسد» ودمشق، في وقت كانت فيه واشنطن تدفع باتجاه تسريع عملية الدمج.
أما إلهام أحمد، فإن طبيعة دورها السياسي والدبلوماسي تجعل الحديث عن انتقالها إلى موقع مؤسساتي أكثر قابلية للفهم من الناحية الوظيفية، لكنها تبقى، حتى الآن، معلومة متداولة وليست قرارًا رسميًا منشورًا.
وهنا يجب عدم الخلط بين الأمرين.
إذا صح لاحقًا تعيين عبدي في موقع سياسي وإلهام أحمد في موقع مؤسساتي، فسنكون أمام تحول نوعي: «قسد» لن تكون فقط قوة يجري دمجها في الجيش، وإنما نخبة سياسية وعسكرية يُعاد إدماج جزء منها داخل مؤسسات الدولة.
وهذا سينقل السؤال من «ماذا سيحدث لقسد؟» إلى «ما الموقع الذي ستحتله النخبة التي قادت قسد داخل الدولة السورية الجديدة؟».
- سيبان حمو يقدم النموذج قبل اكتمال الصورة:
ربما يكون تعيين سيبان حمو أهم من التسريبات المتداولة حول المناصب الجديدة، لأنه واقعة حدثت بالفعل.
الرجل الذي ارتبط تاريخه العسكري بوحدات حماية الشعب و«قسد» أصبح جزءًا من وزارة الدفاع السورية. وهذا لا يعني أن الدولة السورية تبنت المشروع السياسي السابق لـ«قسد»، ولا يعني أن «قسد» احتفظت بهيكلها السابق؛ بل يشير إلى صيغة مختلفة: استيعاب بعض عناصر القيادة داخل مؤسسة الدولة، مقابل إنهاء البنية العسكرية المستقلة.
وهذا التفريق مهم.
فالدولة قد تستوعب أفرادًا من قيادة سابقة، من دون أن تستوعب التنظيم الذي كانوا يمثلونه بصورته القديمة.
وبالمقابل، ربما تستطيع «قسد» أن تحافظ على جزء من نفوذها السياسي من خلال مؤسسات الدولة، من دون أن تحافظ بالضرورة على الجيش المستقل أو الإدارة الموازية التي كانت تملكها.
هذه هي المعادلة التي يبدو أن المفاوضات تتجه نحوها.
- عفرين: إعادة انتشار أم إعادة دمج؟
الحديث عن عفرين يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.
هناك مسار موثق يتعلق بعودة سكان مهجرين إلى عفرين ومناطق أخرى، كما ناقشت دمشق و«قسد» آليات عودة النازحين إلى مناطقهم. وقد تناولت الاجتماعات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق مسألة عودة المهجرين إلى عفرين وغيرها.
لكن الادعاء بأن هناك قرارًا مؤكدًا بنقل قيادات «قسد» إلى عفرين لا أجد له، حتى الآن، سندًا رسميًا أو دوليًا كافيًا.
وهناك فرق كبير بين إعادة سكان أو عناصر إلى مناطقهم الأصلية، وبين نقل قيادة عسكرية أو سياسية إليها.
كما أن الحديث عن تشكيل قوة كردية مستقلة في عفرين تعرض للنفي، بينما يدور النقاش بصورة أكبر حول انتساب أفراد من أبناء المنطقة إلى مؤسسات الدولة السورية.
لذلك فإن القراءة الأكثر تحفظًا هي أن عفرين قد تكون جزءًا من إعادة توزيع العناصر الكردية داخل الجغرافيا السورية وإعادة إدماجها في مؤسسات الدولة، وليس بالضرورة محطة لنقل قيادة «قسد» إليها.
- تركيا وأوجلان: نهاية PKK لا تعني نهاية القضية الكردية:
في تركيا، لم يعد الحديث عن مشروع قانون افتراضي. فقد أقر البرلمان التركي في 10 أغسطس/آب 2026 إطارًا قانونيًا مشروطًا لمسار نزع سلاح «PKK» وإعادة دمج بعض أعضائه، بعد أن كان التنظيم قد أعلن في 2025 إنهاء كفاحه المسلح وحل نفسه استجابة لدعوة عبد الله أوجلان.
وتتضمن الإجراءات القانونية إمكان تعليق أو تأجيل بعض الأحكام والملاحقات لفترات محددة، بحسب طبيعة القضية، مع استثناءات للمدانين بجرائم خطيرة. كما يشترط تفعيل الإطار القانوني التحقق من إتمام نزع السلاح وحل التنظيم.
الأهم أن هذا المسار لا يعني تلقائيًا أن أعضاء «قسد» في سوريا أصبحوا مشمولين به.
فـ«قسد» ليست كيانًا قانونيًا تابعًا للبرلمان التركي، ولا يمكن اعتبار كل مقاتليها أعضاء في «PKK» لمجرد وجود روابط تاريخية أو أيديولوجية بين بعض قيادات الحركتين. وهذا التفريق مهم، خصوصًا أن تركيا تنظر إلى وحدات حماية الشعب و«قسد» من زاوية ارتباطها بـ«PKK»، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع «قسد» باعتبارها شريكًا عسكريًا في مكافحة تنظيم «داعش».
لكن حل «PKK» يخلق مشكلة سياسية جديدة لـ«قسد»:
إذا انتهى التنظيم المسلح الذي تعتبره أنقرة المرجعية الإقليمية الأساسية للبنية التي تقود «قسد»، فإن استمرار أي روابط تنظيمية عابرة للحدود يصبح أكثر كلفة سياسيًا.
ومن هنا يصبح فصل المسار السوري عن المسار التركي أكثر إلحاحًا.
- أوجلان: من قائد تنظيم إلى مرجعية محتملة لمرحلة سياسية:
عبد الله أوجلان موجود في قلب هذه المعادلة، لكن بصورة مختلفة.
فالدعوة التي أطلقها لإنهاء الكفاح المسلح وحل «PKK» ساهمت في فتح الباب أمام العملية الحالية، بينما لم يتضمن الإطار القانوني الذي أقره البرلمان التركي طريقًا تلقائيًا إلى الإفراج عنه. بل تشير التقارير المنشورة إلى استبعاده من بعض المزايا الأساسية للقانون بسبب طبيعة الأحكام الصادرة بحقه.
وهنا تظهر مفارقة سياسية:
قد يتحول أوجلان إلى أحد أهم الشخصيات التي ساهمت في إنهاء التنظيم الذي أسسه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن تركيا مستعدة لمنحه موقعًا سياسيًا أو حرية كاملة.
لذلك فإن مستقبل أوجلان سيظل اختبارًا مهمًا لطبيعة التسوية التركية.
إذا انتهت العملية عند نزع السلاح، فنحن أمام تسوية أمنية ـ قانونية.
أما إذا انتقلت لاحقًا إلى حقوق سياسية وإصلاحات دستورية ودور سياسي لأوجلان، فنكون أمام مسار مختلف: تسوية للقضية الكردية، لا مجرد إنهاء «PKK».
- إيران: هنا يظهر المسار الكردي المختلف:
في الوقت نفسه، تتحرك القوى الكردية الإيرانية ضمن سياق مختلف تمامًا.
التقارير الأميركية خلال الحرب مع إيران تحدثت عن تواصل إدارة ترامب مع قوى كردية إيرانية وعراقية، وعن بحث إمكانية استخدامها في الضغط على النظام الإيراني. كما ذكرت تقارير أن ترامب أبدى تأييدًا لتحرك كردي داخل إيران.
لكن من الضروري هنا عدم الوقوع في خطأ شائع: القوى الكردية الإيرانية ليست «قسد».
هناك تنظيمات كردية إيرانية لها تاريخها وبنيتها وقياداتها وقواعدها في إقليم كردستان العراق. وهي تختلف عن «قسد» السورية، حتى وإن وجدت بينها روابط سياسية أو أيديولوجية أوسع.
وتشير التحليلات الأميركية إلى أن إدارة ترامب نفسها لم تكن تملك سياسة مستقرة تجاه هذه القوى؛ فقد ظهرت رسائل متناقضة حول مدى استعداد واشنطن لدعم تحرك كردي مسلح داخل إيران.
وبالتالي، فإن الحديث عن «نقل قسد إلى إيران» يتجاوز الأدلة المتاحة.
لكن الحديث عن إعادة توزيع الوظائف السياسية والعسكرية للقوى الكردية في المنطقة أصبح أكثر قابلية للنقاش.
- ثلاث ساحات كردية، وثلاث وظائف مختلفة:
عند جمع هذه التطورات، تظهر صورة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي.
في سوريا، يجري دفع «قسد» نحو الدولة، مع احتمال انتقال بعض قياداتها إلى مواقع داخل مؤسساتها.
في تركيا، يجري دفع «PKK» نحو الحل ونزع السلاح، مع فتح مسار قانوني مشروط لبعض أعضائه، فيما يبقى وضع أوجلان ورقة سياسية مركزية.
في العراق، يظل إقليم كردستان مساحة سياسية وأمنية رئيسية، وفيه توجد أيضًا القوى الكردية الإيرانية التي يمكن أن تتحول إلى عنصر في الصراع مع طهران.
وفي إيران، قد تصبح القوى الكردية الإيرانية أكثر أهمية في الحسابات الأميركية والإسرائيلية، لكن هذا المسار لا يثبت أنه مرتبط بنقل «قسد» السورية إلى هناك.
وهكذا يمكن أن نكون أمام إعادة توزيع للأدوار، لا إعادة توزيع جغرافي للسكان أو القيادات.
- ماذا تريد واشنطن من هذه المعادلة؟
لا توجد أدلة كافية للقول إن واشنطن وضعت خطة واحدة لإعادة هندسة الحركة الكردية في الشرق الأوسط.
لكن سلوكها خلال الأشهر الأخيرة يمكن قراءته باعتباره محاولة للجمع بين أولوية الاستقرار السوري عبر الدولة المركزية، والضغط على «قسد» لتسريع الاندماج، مع الاحتفاظ بعلاقات مع القوى الكردية القادرة على التأثير في إيران.
وهذا ما يجعل الموقف الأميركي مختلفًا عن السنوات السابقة.
في مرحلة الحرب على «داعش»، كانت «قسد» شريكًا عسكريًا مركزيًا للولايات المتحدة في سوريا.
أما اليوم، فتدفع واشنطن باتجاه تسوية وضع «قسد» مع دمشق، بينما تبحث في الوقت نفسه عن أدوات أخرى للضغط على إيران.
هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن الأكراد، لكنه يعني أن وظيفة كل قوة كردية أصبحت مرتبطة بالساحة التي تعمل فيها، وليس بمشروع كردي إقليمي واحد.
- السيناريو الأكثر واقعية: دمج في سوريا، تسوية في تركيا، وضغط على إيران:
إذا استمرت المسارات الحالية، فقد نشهد خلال المرحلة المقبلة ثلاثة تطورات متوازية:
الأول: انتقال «قسد» من قوة عسكرية وإدارة موازية إلى مكونات داخل مؤسسات الدولة السورية، مع احتفاظ النخبة السياسية الكردية بحضور داخل السلطة.
الثاني: انتقال «PKK» من تنظيم مسلح إلى ملف سياسي وقانوني في تركيا، مع بقاء أوجلان محورًا حساسًا في المرحلة التالية.
الثالث: بقاء القوى الكردية الإيرانية خارج هذه التسويات، وتحولها إلى ورقة محتملة في الصراع مع طهران.
وهنا يصبح تداول اسم مظلوم عبدي لمنصب نائب الرئيس، واسم إلهام أحمد لمنصب سيادي، مهمًا ليس فقط باعتباره خبرًا عن تعيينات محتملة، وإنما باعتباره مؤشرًا على الطريقة التي قد تختار بها الدولة السورية الجديدة استيعاب قيادة «قسد».
لكن لا ينبغي إعلان هذه التعيينات كأمر واقع قبل صدور قرار رسمي.
- ما الذي ينبغي مراقبته؟
المؤشرات الحاسمة في المرحلة المقبلة ليست التصريحات وحدها، وإنما القرارات التي ستغير الواقع.
هل سيصدر قرار رسمي بشأن موقع مظلوم عبدي؟
هل ستدخل إلهام أحمد فعلًا مؤسسة سيادية، وأي مؤسسة؟
هل سيجري استيعاب مزيد من قادة «قسد» في الجيش والأجهزة المدنية؟
هل ستغادر الكوادر غير السورية البنية العسكرية السورية الجديدة؟
هل ستتحول «قسد» إلى قوة سورية مدمجة فعليًا، أم ستحتفظ بهيكل قيادي خاص داخل الدولة؟
وهل ستستخدم واشنطن القوى الكردية الإيرانية كأداة ضغط مستمرة على طهران، أم كان الأمر مجرد خيار عسكري مرتبط بظروف الحرب؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد إن كنا أمام تسويات منفصلة أم أمام إعادة تشكيل أوسع للخريطة السياسية الكردية في الشرق الأوسط.
- المسألة الكردية بعد سقوط الحدود العسكرية القديمة:
المشهد الذي يتشكل لا يوحي حتى الآن بأن الأكراد يجري «نقلهم» من دولة إلى أخرى، كما قد توحي بعض التسريبات.
الأقرب إلى الأدلة هو شيء أكثر تعقيدًا: إعادة توزيع للأدوار السياسية والعسكرية وفق كل دولة.
في سوريا، قد تتحول قيادة «قسد» من قيادة قوة مسلحة إلى جزء من السلطة ومؤسسات الدولة.
في تركيا، قد يتحول «PKK» من تنظيم مسلح إلى ملف سياسي وقانوني، مع بقاء مستقبل أوجلان أحد مفاتيح التسوية.
وفي العراق، يبقى الإقليم الكردي مركزًا سياسيًا وجغرافيًا مهمًا، فيما يمكن أن تستخدم واشنطن علاقاتها مع القوى الكردية الإيرانية في صراعها مع طهران.
أما الحديث عن خطة أميركية لنقل «قسد» إلى شمال غرب إيران، فلا يملك حتى الآن الأدلة الكافية ليصبح حقيقة صحفية.
لكن إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن منح مظلوم عبدي موقعًا رفيعًا في الدولة السورية، وتولت إلهام أحمد حقيبة سيادية، واستمر إدماج قيادات «قسد» في الجيش والمؤسسات، فسيكون ذلك مؤشرًا بالغ الدلالة: لم يعد مستقبل «قسد» يُبحث بوصفه مستقبل قوة عسكرية مستقلة، بل بوصفه سؤالًا عن كيفية تحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي داخل الدولة السورية.
وهنا تحديدًا قد تكون التحولات الجارية أكبر من ملف «قسد» نفسه. فنحن أمام احتمال انتقال المنطقة من مرحلة كانت فيها القوى الكردية تتحرك عبر بنى عسكرية عابرة للحدود، إلى مرحلة تتوزع فيها الأدوار بين دول أربع ومسارات سياسية مختلفة.
والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المناصب التي يحصل عليها قادة «قسد»، بل في سؤال أكثر جوهرية:
هل تستطيع هذه القيادات أن تتحول من تمثيل قوة كردية مسلحة إلى تمثيل مواطنين سوريين داخل دولة واحدة، بينما تتحول القوى الكردية في تركيا وإيران والعراق إلى مسارات سياسية مختلفة؟
إذا حدث ذلك، فنحن لا نشهد نهاية الدور الكردي في المنطقة، بل إعادة تعريف له.
أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
هل حقًا الناشطة ميسون بيرقدار مكلّفة بمراقبة المعارضين في ألمانيا؟
محمد الماغوط: بعد عشرين عامًا سأرميك بقصائد عتب
بصدد إحياء الثقافة السياسية: أحزاب لا محازبات، ومجتمع مدني لا مكوّنات