هناك جرائم لا يكفي أن يُفتح فيها تحقيق، لأنها تكشف خللاً يتجاوز الأشخاص إلى المؤسسة والثقافة التي سمحت بوقوعها. وفاة محمد حسام الدين غميرة بعد احتجازه في قسم شرطة الحفة ليست مجرد واقعة أمنية تنتظر بياناً رسمياً، بل لحظة اختبار حقيقية لسوريا التي تقول إنها خرجت من عهد السجون والتعذيب والإفلات من العقاب.
السؤال الذي تفرضه هذه الوفاة لا يتعلق بمحمد وحده: هل انتهى التعذيب في سوريا بسقوط نظام الأسد، أم أن بعض أدواته وسلوكياته ما زالت تجد طريقها إلى مؤسسات الدولة الجديدة؟
هذا السؤال ليس تحريضاً على الدولة، ولا استهدافاً لجهاز أمني، ولا محاولة لتشويه مؤسسات يفترض أنها تعمل لحماية المواطنين. على العكس، إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية هو أن تتحول المطالبة بمحاسبة الموظف الذي ينتهك القانون إلى اتهام لمن يطالب بتطبيق القانون نفسه. الدولة التي تريد بناء شرعيتها لا تخشى التحقيق في الانتهاكات؛ بل تحتاج إليه.
بحسب المعلومات المنشورة، أوقف محمد غميرة في قسم شرطة الحفة، وبقي نحو ثلاثة أيام في المخفر. وكانت عائلته قد أبلغت، وفق روايتها، عناصر المخفر بأن محمد مصاب بالناعور ويحتاج إلى رعاية خاصة. وبعد الإفراج عنه بقرار قضائي، خرج في حالة صحية حرجة، مع نزيف داخلي ونزيف دماغي، ونقل إلى المستشفى حيث تدهورت حالته وفارق الحياة في 16 آب/أغسطس 2026.
أما الاتهامات بتعرضه للضرب والتعذيب داخل مكان الاحتجاز، فلا يجوز تحويلها إلى حكم قضائي مسبق. هذه مسؤولية التحقيق والطب الشرعي والقضاء. لكن في المقابل لا يجوز أيضاً أن تتحول قرينة البراءة للمتهمين إلى قرينة براءة للمؤسسة قبل انتهاء التحقيق. المطلوب هو الوصول إلى الحقيقة كاملة، لا حماية رواية مسبقة.
وقد أعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات القضية، ثم أعلنت توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة أثناء وقوع الحادثة على ذمة التحقيق. هذه الخطوة ضرورية، لكنها ليست نهاية القضية؛ إنها بداية المسار الذي يجب أن يقود إلى كشف ما حدث داخل مكان الاحتجاز، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية على أساس الأدلة.
● عندما يصبح الماضي سؤالاً في الحاضر
السوريون يعرفون جيداً ماذا يعني أن يدخل الإنسان إلى مركز أمني ثم يصبح مصيره مجهولاً. هذه الذاكرة ليست تاريخاً بعيداً يمكن فصله عن حاضر البلاد. أسماء ضحايا التعذيب بقيت محفورة في الذاكرة السورية: حمزة الخطيب، ويوسف اللباد، وعبد الرحمن جمول، وعبدالله عبدالله قبلان، وآلاف آخرون ارتبطت أسماؤهم بسجون السلطة وأقبية أجهزتها الأمنية.
حمزة الخطيب تحول إلى أحد أشهر رموز ضحايا التعذيب في بداية الثورة السورية. وبعد سنوات، جاءت قضية يوسف اللباد في المرحلة التي تلت سقوط الأسد، وسط اتهامات من عائلته بتعرضه للتعذيب أثناء الاحتجاز، مقابل رواية رسمية مختلفة وتعهد بإجراء التحقيق وإحالة المسؤولين إلى القضاء إذا ثبت تورطهم.
وهنا تكمن أهمية استحضار هذه الأسماء: ليس لإجراء مساواة سياسية أو قانونية بين وقائع لم تفصل فيها المحاكم بعد، وإنما للتأكيد على مبدأ لا يجوز أن يتغير بتغير السلطة. التعذيب جريمة سواء ارتكبها رجل أمن تابع للنظام السابق أو موظف يعمل في مؤسسات الدولة الجديدة.
لا يمكن أن تكون العدالة انتقائية. لا يمكن أن نطالب بمحاكمة من عذب السوريين في عهد الأسد، ثم نبحث عن الأعذار عندما تظهر اتهامات مماثلة في المرحلة الجديدة. ولا يمكن أن يتحول الولاء السياسي إلى معيار يحدد أي ضحية تستحق التعاطف وأي ضحية ينبغي الصمت عنها.
الضحية لا تصبح أقل استحقاقاً للعدالة لأن الجهة المتهمة بالاعتداء تنتمي إلى السلطة التي نؤيدها أو نأمل في نجاحها.
● الدولة التي تحمي نفسها بالمحاسبة
قد يقول البعض إن فتح ملف التعذيب داخل الأجهزة الأمنية في هذه المرحلة يضعف الدولة ويمنح خصومها مادة للهجوم عليها. وهذه حجة ينبغي رفضها بوضوح. الدولة لا تضعف عندما تكشف جريمة ارتكبها أحد موظفيها؛ الذي يضعف هو الدولة التي تحاول حماية موظفيها من المساءلة.
إن الإعلان عن تحقيق مستقل، وحفظ الأدلة، واستجواب المشتبه بهم، وإحالة من تثبت مسؤوليته إلى القضاء، كلها أفعال تعزز هيبة الدولة بدلاً من تقويضها. أما الصمت، أو التسويف، أو الاكتفاء بإجراءات داخلية لا يعرف الرأي العام نتائجها، فهو ما يفتح الباب أمام الشك ويعيد إلى الذاكرة الطريقة التي كانت تُدار بها ملفات الانتهاكات في الماضي.
ولهذا فإن قضية محمد غميرة يجب ألا تنتهي عند توقيف سبعة أشخاص. ينبغي أن يشمل التحقيق كل من كانت له مسؤولية قانونية عن احتجازه أو مراقبته أو رعايته الصحية، وأن يبحث في ظروف توقيفه، ومدى قانونية الاحتجاز، والفحوص الطبية التي أجريت له، وأسباب عدم التدخل الطبي في الوقت المناسب إن ثبت وجود تقصير، إضافة إلى تسجيلات المراقبة ومحاضر المناوبات وسجلات الدخول والخروج وأوامر التوقيف والإفراج.
والسؤال الحاسم يجب أن يكون: ما الذي حدث لمحمد خلال الفترة التي كان فيها تحت سلطة الدولة؟
إذا كان قد تعرض للضرب أو التعذيب، فمن المسؤول؟ وإذا كان تدهور حالته نتيجة إهمال طبي أو امتناع عن تقديم الرعاية، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا ثبت أن وفاته لم تكن مرتبطة بأي فعل أو تقصير أثناء الاحتجاز، فعلى التحقيق أن يقول ذلك أيضاً بوضوح. الحقيقة لا تخدم طرفاً دون آخر؛ الحقيقة هي التي تحمي الدولة والضحايا والمتهمين معاً.
● القانون لا يميز بين سلطة وسلطة
المادة 18 من الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 تحظر التعذيب المادي والمعنوي، وتنص على صون كرامة الإنسان وحرمة الجسد، كما تقرر عدم جواز تقييد حرية أي شخص، باستثناء حالة الجرم المشهود، إلا بقرار قضائي. كما تنص على أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم.
ويأتي ذلك في سياق قانوني قائم يجرّم التعذيب ويحدد مسؤولية مرتكبيه. لذلك فإن القضية ليست بحاجة إلى اختراع معيار جديد للمحاسبة؛ المطلوب ببساطة تطبيق القانون الموجود.
إذا أثبت التحقيق القضائي أن محمد غميرة تعرض للتعذيب وأن التعذيب أدى إلى وفاته، فإن القضية يجب أن تنتقل من نطاق الاتهامات المتداولة إلى نطاق المسؤولية الجنائية. وعندها يجب أن يمثل أمام القضاء كل من تثبت مسؤوليته، سواء كان منفذاً مباشراً، أو محرضاً، أو آمراً، أو متدخلاً، أو مسؤولاً ثبت علمه بالجريمة وامتناعه عن اتخاذ ما يفرضه عليه القانون.
المحاسبة هنا ليست انتقاماً، ولا ثأراً من مؤسسة أمنية، ولا محاولة لتصفية الحسابات مع أفراد. إنها جزء من إعادة بناء المؤسسة الأمنية نفسها. رجل الأمن الذي يعرف أن القانون يحميه عندما يؤدي واجبه، ويحاسبه عندما ينتهك حقوق الناس، هو رجل أمن يعمل داخل دولة. أما رجل الأمن الذي يعتقد أن الزي الرسمي يمنحه حصانة من القانون، فهو امتداد لعقلية الدولة الأمنية التي ثار السوريون ضدها.
● أوقفوا آلة التعذيب
القضية إذن أكبر من أسماء الأشخاص الذين كانوا في نظارة الحفة. المطلوب مراجعة شاملة لسياسات الاحتجاز ومدونات سلوك الأجهزة الأمنية، وضمان الرقابة القضائية الفعلية على أماكن التوقيف، وإتاحة الوصول إلى المحامي والطبيب، وتوثيق الحالة الصحية للموقوف عند دخوله، وضمان حق عائلته في معرفة مكانه، وإنشاء آليات مستقلة وفعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق في ادعاءات التعذيب.
كما يجب أن تكون أماكن الاحتجاز خاضعة لرقابة لا تسمح بتحويلها إلى مناطق مغلقة عن القانون. فالمشكلة ليست فقط في معرفة من ضرب، وإنما في معرفة لماذا كان ممكناً أن يحدث الاعتداء أصلاً، ولماذا يستطيع موظف داخل مكان الاحتجاز أن يتصرف بعيداً عن أعين القضاء والرقابة.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها عملية إصلاح الأجهزة الأمنية: إيقاف آلة التعذيب، وليس فقط محاسبة بعض ضحاياها بعد وقوع الجريمة.
● لا عدالة انتقائية
من عذّب في عهد الأسد يجب أن يحاسب، ومن يثبت أنه عذب في المرحلة الجديدة يجب أن يحاسب. هذه ليست معادلة سياسية، بل قاعدة قانونية وأخلاقية واحدة.
لا يجوز أن يصبح التعذيب جريمة عندما يرتكبه خصمنا، و«تجاوزاً فردياً» عندما يرتكبه شخص محسوب علينا. ولا يجوز أن تتحول قضية الضحية إلى مناسبة لاستهداف منطقة أو طائفة أو مؤسسة كاملة. المسؤولية يجب أن تكون فردية ومحددة ومبنية على الأدلة، والقضاء هو الجهة التي تحددها.
ولهذا فإن المطلوب في قضية محمد غميرة ليس خطاباً غاضباً فقط، بل مساراً واضحاً: تحقيق مستقل وشفاف، طب شرعي قادر على تحديد سبب الوفاة، حفظ جميع الأدلة، حماية الشهود، إعلان نتائج التحقيق للرأي العام، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
والأهم من ذلك كله أن تتحول هذه القضية إلى نقطة مراجعة حقيقية لمنظومة الاحتجاز، لا إلى ملف آخر يغلق بعد أن تهدأ الضجة.
●محمد غميرة ليس رقماً
محمد غميرة ليس رقماً في سجل الضحايا، كما أن حمزة الخطيب لم يكن رقماً، ويوسف اللباد لم يكن رقماً، وعبد الرحمن جمول وعبدالله عبدالله قبلان وغيرهم ليسوا أرقاماً في ذاكرة السوريين. وراء كل اسم عائلة تنتظر الحقيقة، ووراء كل جريمة دولة يفترض أن تثبت أن القانون ليس شعاراً.
لقد سقط الأسد، لكن سقوط الحاكم لا يعني تلقائياً سقوط ثقافة الأجهزة التي حكم بها. القطيعة الحقيقية مع الماضي لا تتحقق بإزالة صور الحاكم أو تغيير أسماء المؤسسات، وإنما تبدأ عندما يعرف رجل الأمن أن الإنسان الذي يدخل مركز الاحتجاز لا يدخل منطقة خارج القانون، وأن جسد الموقوف ليس ملكاً للدولة، وأن التعذيب ليس وسيلة للتحقيق، وأن السلطة لا تمنح أحداً حق إذلال مواطن أو تعذيبه أو قتله.
لهذا يجب أن تكون وفاة محمد غميرة لحظة توقف، لا مجرد خبر عابر. يجب أن تكون مناسبة لفتح ملف التعذيب داخل مؤسسات الدولة الجديدة، ومراجعة منظومة الاحتجاز، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وإرسال رسالة لا تحتمل التأويل إلى كل أجهزة الأمن: زمن الإفلات من العقاب يجب أن ينتهي.
فإذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تختلف فعلاً عن سوريا الأسد، فعليها ألا تنتظر حتى تتراكم أسماء جديدة في قوائم الضحايا. الدولة الجديدة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الغضب، بل بقدرتها على حماية المواطن عندما يكون أضعف ما يكون: خلف باب مغلق، وتحت سلطة موظف يحمل مفاتيح المكان.
هناك، داخل الزنزانة، لا في قاعات المؤتمرات، يبدأ الاختبار الحقيقي لسقوط الدولة الأمنية.
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
حكم الإعدام على «مثلث الجرائم»: بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب
من المليشيا إلى الدولة: هل يجري إعادة توزيع الأدوار الكردية في المنطقة؟
محمد الماغوط: بعد عشرين عامًا سأرميك بقصائد عتب