حين تتحول المفاضلة الجامعية إلى أداة للتمييز بين النساء والرجال، فالمشكلة لم تعد مجرد خطأ إداري، بل أصبحت سؤالًا عن العقلية التي تقف خلف القرار.
المفاضلة الخاصة بالجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية للعام الدراسي 2026-2027، وهي جامعة مرتبطة بوزارة الدفاع ويجري قبول طلابها عبر مفاضلة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تتضمن اختصاصات مصنفة للذكور فقط، من بينها اختصاصات في العلوم الإنسانية والإدارية، إلى جانب اختصاصات هندسية وعسكرية أخرى.
هنا يحق لنا أن نسأل بوضوح: بأي منطق يُمنح الشاب حق التقدم إلى اختصاص جامعي، بينما تُحرم منه الشابة لمجرد أنها امرأة؟
هذا ليس “تنظيمًا” للقبول، ولا يمكن تبريره بشعارات الحماية أو الخصوصية. عندما تُغلق أبواب الاختصاص الجامعي أمام المرأة على أساس جنسها، فإننا أمام تمييز واضح في الوصول إلى التعليم والاختيار الأكاديمي، لا أمام سياسة تعليمية حديثة.
الأكثر إثارة للقلق أن يأتي ذلك في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الجامعة والتعليم العالي مساحة لتوسيع الخيارات أمام السوريين والسوريات، لا لإعادة إنتاج الوصاية على المرأة وتحديد ما يجوز لها أن تدرسه وما لا يجوز.
المشكلة ليست في أن تكون هناك شروط خاصة بالمسارات العسكرية عندما تفرض طبيعة العمل العسكري متطلبات محددة؛ المشكلة تبدأ عندما يمتد منطق التقييد إلى اختصاصات جامعية إنسانية وإدارية، فيُحرم منها الطالب لمجرد كونه امرأة.
إذا كانت الدولة الجديدة تريد أن تثبت أنها تجاوزت عقلية الماضي، فالمعيار ليس في الشعارات، بل في القرارات التي تمس حياة الناس ومستقبلهم. وأول اختبار حقيقي هو: هل تُعامل المرأة كمواطنة كاملة الحقوق، أم كفرد يحتاج إلى وصاية دائمة على خياراته؟
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية تقرر للمرأة ماذا تدرس، وأين تعمل، وما الأبواب التي يُسمح لها بدخولها. التعليم حق، والاختيار الأكاديمي حق، والمرأة ليست مواطنة من الدرجة الثانية حتى تُرسم لها حدود خاصة داخل الجامعة.
الرجعية لا تبدأ دائمًا بمنع التعليم؛ أحيانًا تبدأ بخطوة أصغر: أن يُقال للمرأة إن هذا الاختصاص ليس لكِ، وإن هذه الأبواب ليست لكِ، وإن السلطة تعرف مصلحتك أكثر منكِ.
وهذا تحديدًا هو المنطق الذي يجب رفضه، لا تبريره.

المزيد من المواضيع
روسيا وأوروبا: حرب بلا حرب؟ ما طبيعة الصراع الذي يمنع وقوعها؟
من يملك صكوك الثورة وشهادات الوطنية؟
من يخلق المعلومات؟ ومن يصنع «المصادر»؟ لا إدانة بتسجيل، ولا تبرئة برواية… فمن يملك الحقيقة؟