من قصور حمص إلى تماثيل دمشق وصفقات النفط:
ليست المشكلة في أن يتحول قصر تاريخي إلى مطعم أو فندق فحسب، ولا في أن تُمنح شركة خاصة فرصة استثمار مبنى تراثي. المشكلة تبدأ عندما تصبح الممتلكات العامة موضوعاً لعقود تثير أسئلة حول الشفافية والكفاءة القانونية والفنية، فيما لا يعرف المواطن كيف اختير المستثمر، ومن يراقب أعماله، ومن يتحمل المسؤولية إذا تعرض التراث للتشويه أو التلف.
في سوريا، حيث لا تزال ملايين الأسر تكافح لتأمين الغذاء والدواء والكهرباء والتعليم، تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة. فالمسألة لا تتعلق بالحجارة القديمة وحدها، بل بكيفية إدارة الثروة العامة، وبما إذا كانت مؤسسات السلطة الحالية تتعامل مع ممتلكات السوريين بوصفها أمانة وطنية أم فرصة استثمارية يمكن توزيعها بعيداً عن الرقابة والمنافسة العلنية.
● حمص: عقد بمليارات الليرات وأسئلة تتجاوز الترميم
في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2026، أثارت تقارير إعلامية مستندة إلى وثائق قالت إنها رسمية جدلاً حول عقد أبرمته وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف مع «شركة الطائر التجارية» لترميم وتأهيل مبنيين تاريخيين في حمص، هما قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين.
وبحسب ما نشرته وسائل إعلامية متطابقة في الأول من تشرين الأول، تبلغ قيمة العقد 6.3 مليارات ليرة سورية قديمة، بما يعادل نحو 456 ألف دولار، وفق التقدير الوارد في التقرير. وتُظهر الوثائق المنشورة صدور أمر مباشرة بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2026، مع تسمية عماد مصطفى يحيى ومحمد نور الأتاسي وشريك لهما ممثلين عن الشركة.
تفتح هذه المعلومات أسئلة مشروعة حول خبرة الشركة في ترميم المباني الأثرية، وآلية اختيارها، وما إذا كانت هناك منافسة علنية، وما المعايير التي استند إليها العقد. لكنها لا تكفي، بمفردها، لإثبات اختلاس الأموال أو وجود شبكة فساد مكتملة الأركان؛ فذلك يتطلب الاطلاع على ملف التعاقد الكامل، ومحاضر اللجان الفنية والمالية، ونتائج التحقيقات الرقابية والقضائية.
والتطور الأهم أن الجدل لم يبقَ محصورًا في تقارير صحفية أو قناة تلفزيونية فحسب، بل بات النشر الموثق عبر الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي أسرع مما تعلنه المديرية العامة للآثار والمتاحف. وقد أوقفت المديرية، بدورها، أعمال الترميم في قصر الزهراوي، وقررت إجراء كشف ميداني للتحقق من مطابقة الأعمال للشروط الفنية. ونقل التقرير عن معاون المدير العام، أيمن نابو، وجود تحفظات على جوانب قانونية من عقد الاستثمار، وأن العقد أُعيد إلى وزارة الثقافة للمراجعة.
وهنا ينتقل الملف من مجرد جدل حول شركة خاصة إلى سؤال عن المسؤولية المؤسسية: كيف وصل العقد إلى مرحلة التنفيذ قبل حسم التحفظات القانونية والفنية التي تحدثت عنها الجهة المختصة بالآثار؟ وهل جرى تقييم المخاطر التي قد تلحق بالقيمة التاريخية والمعمارية للقصر قبل السماح بالأعمال الإنشائية؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات العامة ولا الصور المتداولة، بل الوثائق الأصلية، ومحاضر القرارات، وتقارير الخبراء المستقلين.
● من قصر الزهراوي إلى دار مفيد الأمين: أين تنتهي الصيانة ويبدأ تشويه التراث؟
المبنى الأثري ليس عقارًا عاديًا يمكن تعديل بنيته الداخلية وفق متطلبات النشاط التجاري. فقيمته تكمن في أصالته المعمارية، ومواده الأصلية، وتاريخه، وعلاقته بالمحيط العمراني الذي نشأ فيه. ولهذا، فإن تحويله إلى مطعم أو فندق ليس مرفوضًا بالضرورة، لكنه يحتاج إلى ضوابط صارمة تضمن عدم المساس بعناصره التاريخية.
وتزداد أهمية المسألة في حالة قصر الزهراوي، الذي أشارت التقارير المنشورة إلى أن استملاكه عام 1977 كان لصالح المديرية العامة للآثار والمتاحف، بهدف تحويله إلى متحف عام. فإذا كانت هذه الغاية مثبتة في الوثائق القانونية، فإن أي تغيير في الاستخدام يستوجب توضيح الأساس القانوني الذي يسمح به، وحدود التعديل، والجهة التي وافقت عليه.
أما الحديث عن أعمال الباطون والسباكة والنجارة والحفر داخل المبنى، فيجب التعامل معه بوصفه ادعاءات تحتاج إلى توثيق فني ميداني، لا باعتباره حكمًا نهائيًا على وقوع تدمير أثري. فالفيصل هنا تقرير خبرة مستقل يحدد طبيعة الأعمال، ومدى ضرورتها، وما إذا كانت قد ألحقت ضررًا لا يمكن تداركه.
وتشير تقارير أخرى إلى اتساع الجدل ليشمل معالم إضافية في حمص، بينها قصر صبحي شعيب ومركز فني مرتبط باسمه. لكن من الضروري عدم دمج كل هذه المواقع في عقد واحد أو افتراض خضوعها جميعاً للشروط نفسها، ما لم تُنشر وثائق تثبت ذلك.
كما أن الادعاء بأن شركة واحدة حصلت على حقوق استثمار 90 في المئة من قصور حمص، أو أنها دفعت نصف مليون دولار مقابل تلك الحقوق، لا يمكن اعتماده بصيغته الحالية من دون الاطلاع على العقود التي تحدد المواقع المشمولة، ومدة الاستثمار، وقيمته، والتزاماته المالية والفنية. فالعقد المنشور الخاص بقصر الزهراوي ودار مفيد الأمين لا يثبت وحده هذه النسبة أو هذه الرواية الأوسع.
● الشخصيات المحيطة بالعقود: تضارب المصالح يحتاج إلى وثائق
تثير الأسماء الواردة في التقارير بشأن شركة «الطائر التجارية» وفريق «أربعاء حمص» أسئلة إضافية حول طبيعة العلاقات بين المستثمرين والشخصيات الرسمية، ولا سيما عندما تتقاطع الصلات الاجتماعية مع قرارات تخص ممتلكات عامة.
وقد نشرت وسائل مختلفة تقارير عن الجدل المحيط بفريق «أربعاء حمص» والشركة المستثمرة، متناولاً علاقات بين شخصيات مرتبطة بالمشروع ووزير الثقافة محمد ياسين صالح، إضافة إلى دور الفريق في مشاريع ذات صلة بالوزارة.
لكن وجود صور مشتركة أو علاقات شخصية أو تقديم تبرعات لا يثبت وحده وقوع فساد. ما يهم قانونياً وإدارياً هو معرفة ما إذا كانت هذه العلاقات قد أثرت في قرار منح العقود، وما إذا كانت هناك مصالح مالية غير معلنة، وما إذا كان المستثمرون قد حصلوا على معاملة تفضيلية مقارنة بغيرهم.
أما المعلومات المتداولة عن عماد مصطفى يحيى وصلته العائلية برجل الأعمال اللبناني مصطفى يحيى، أو عن الخلفيات السياسية لبعض الشركاء، فيجب التحقق منها من مصادر مستقلة وسجلات موثوقة قبل البناء عليها. وحتى لو ثبتت صلات تجارية أو سياسية سابقة، فإنها لا تعفي الجهات المختصة من إثبات الوقائع المتعلقة بالعقد نفسه، ولا تصلح وحدها دليلاً على جريمة من هذا النوع.
المعيار الذي ينبغي تطبيقه على الجميع بسيط: لا حصانة بسبب القرب من السلطة، ولا إدانة بسبب القرابة أو الصداقة. المطلوب هو الإفصاح عن المصالح، وتكافؤ الفرص، وتدقيق العقود، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
● دمشق: سرقة التماثيل من المتحف الوطني ليست تفصيلاً عابراً
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إدانتها سرقة ستة تماثيل تعود إلى العصر الروماني من المتحف الوطني بدمشق في مطلع الشهر نفسه.
ودعت المنظمة العاملين في تجارة الممتلكات الثقافية والجمهور إلى توخي الحذر وعدم شراء القطع المسروقة أو المشاركة في استيرادها أو تصديرها أو نقل ملكيتها بصورة غير مشروعة، استناداً إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي صادقت عليها سوريا عام 1975.
هذه واقعة موثقة تتجاوز الشائعات حول سرقة الآثار. ومع ذلك، لا يجوز الانتقال منها مباشرة إلى اتهام مسؤولين محددين أو الادعاء بأن جهة نافذة تقف وراءها من دون أدلة على ذلك.
السؤال الذي تفرضه السرقة هو كيف أمكن إخراج ستة تماثيل من مؤسسة ثقافية وطنية، وما الإجراءات التي اتُخذت لتحديد المسؤوليات، واستعادة القطع، والتحقق من سجلات الحيازة والجرد وأنظمة الحماية؟
وإذا كانت القطع قد سُرقت، فإن المسؤولية لا تقتصر على ملاحقة السارق المباشر. بل تشمل أيضاً فحص إجراءات الحراسة والتوثيق والإبلاغ، ومعرفة ما إذا كانت هناك ثغرات إدارية أو أمنية سمحت بوقوع الحادثة، وما إذا جرى التعامل معها بشفافية.
ولا ينبغي الخلط هنا بين سرقة التماثيل من المتحف وبين اقتلاع تماثيل من الساحات العامة أو إزالة رموز من مواقع تاريخية لأسباب سياسية أو أيديولوجية. فكل حالة تحتاج إلى توثيق منفصل: ماذا أزيل؟ ومتى؟ وبأي قرار؟ وهل كان ذلك إجراءً مشروعاً، أم تخريباً، أم سرقة، أم تغييراً غير مدروس في المشهد العمراني؟
● دمشق وحلب وحمص: التراث بين إعادة التأهيل والاستثمار التجاري
تواجه المدن التاريخية السورية تحدياً مركباً. فقد خلفت الحرب أضراراً واسعة في الأبنية والأسواق والمواقع الأثرية، بينما تتزايد الحاجة إلى استثمارات تعيد الحياة إلى المناطق القديمة وتوفر فرص العمل. لكن هذه الحاجة لا تبرر التعامل مع التراث بوصفه أرضاً أو عقاراً متاحاً لإعادة التشكيل من دون رقابة.
وتُظهر وثائق لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو استمرار متابعة حالة المدن التاريخية السورية، ومنها دمشق وحلب، ضمن تقارير صون التراث العالمي. وفي قرارها لعام 2026 بشأن مدينة حلب القديمة، رحبت اللجنة ببعض أعمال الحفظ والترميم، لكنها أشارت أيضاً إلى ثغرات في التوثيق المنهجي، وإلى ضرورة التأكد من أن إعادة بناء العناصر المتضررة لا تمس أصالة الموقع وقيمته العالمية.
وهذا يوضح أن القضية ليست رفض الترميم أو الاستثمار، بل التمييز بين إعادة تأهيل تحفظ القيمة التاريخية وبين تدخلات تغير طبيعة المكان أو تمحو خصائصه الأصلية.
في دمشق، والسؤال هنا يتخطى اعتبار كل مشروع سياحي في المدينة القديمة فساداً او تطويرا، ولا افتراض أن كل إزالة لتمثال تعني تهريباً للآثار فحسب. بل المطلوب ايضا هو فحص القرارات والمخططات والعقود، ومقارنة ما نُفذ بما أُعلن، والتأكد من وجود موافقات فنية وأثرية مستقلة.
أما في حمص، فإن ما أثير حول قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين يقدم حالة محددة يمكن البدء منها: عقد معروف القيمة والأطراف وفق التقارير المنشورة، وتحفظات معلنة من الجهة المختصة، وقرار بوقف الأعمال في أحد المواقع. وهذه معطيات تكفي للمطالبة بتحقيق شفاف، من دون الحاجة إلى تعميم الاتهام على كل مشاريع الترميم في سوريا.
● النفط: ملف رقابي موازٍ يكشف أهمية الشفافية
لا تقتصر أسئلة إدارة المال العام على قطاع الثقافة. ففي 29 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا» أن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فرضت تجميداً احترازياً على أصول شركات قُدرت بنحو 104 ملايين دولار، في سياق التحقيق بعقود في قطاع النفط.
لكن الهيئة أوضحت أن المبلغ لا يمثل أموالاً ثبت اختلاسها، بل أصولاً جُمّدت احترازياً لحماية حقوق الدولة إلى حين استكمال التحقيق. كما قالت إن التحقيق يتعلق بملاحظات حول تنفيذ بعض شروط العقود بعد توقيعها، وإن تحديد المسؤوليات يتوقف على نتائج التدقيق.
هذا التفصيل مهم؛ فتجميد الأصول إجراء احترازي، وليس حكماً بالإدانة. ومع ذلك، فإن فتح تحقيق بهذا الحجم المالي يطرح أسئلة جدية عن كيفية إبرام العقود، ومراقبة تنفيذها، والتأكد من مطابقة الأسعار والشروط للمصلحة العامة.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، نشرت «سانا» أيضاً خبراً عن كشف مخالفات مالية وفنية في عقد لتوريد وحدة لتوليد الطاقة لأعمال الحفر، قدرت الجهة الرقابية خسائره بنحو 520 ألف دولار، وقالت إن المعدات قُبلت رغم عدم مطابقتها للمواصفات الفنية المطلوبة، وإن الملف أُحيل إلى القضاء. المصدر: سانا.
هذه الملفات لا تثبت وجود شبكة واحدة تربط عقود النفط باستثمارات الآثار، ولا تسمح بالقول إن أموال النفط موّلت جهات بعينها من دون أدلة مالية. لكنها تكشف أهمية وجود منظومة رقابة تستطيع مراجعة العقود قبل التنفيذ وبعده، وإعلان النتائج، واسترداد المال العام عند ثبوت الضرر.
والأهم أن التحقيق في مخالفات تعود إلى عقود سابقة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء أي جهة حالية من المساءلة. فالمعيار واحد، سواء كان العقد قد أُبرم في عهد النظام السابق أم في ظل مؤسسات السلطة الحالية.
● المواطن السوري يدفع الثمن: الفقر ليس رقماً في تقرير
في تقرير صدر في تموز/يوليو 2025، قدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي السوري انكمش بأكثر من 50 في المئة تراكمياً منذ عام 2010، وأن الدخل القومي للفرد هبط إلى نحو 830 دولاراً في عام 2024. وأشار التقرير إلى أن الفقر المدقع يطال واحداً من كل أربعة سوريين، وأن نحو ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر المعتمد للدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. المصدر: البنك الدولي.
كما أشار تقرير «هيومن رايتس ووتش» لعام 2026 إلى أن أكثر من 90 في المئة من السوريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر خلال عام 2025، وأن نحو 14.56 مليون شخص واجهوا صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، فيما احتاج ما لا يقل عن 16.5 مليون شخص إلى المساعدة. المصدر: هيومن رايتس ووتش.
هذه الأرقام تعكس اختلاف المؤشرات والفترات الزمنية، لكنها تتفق على عمق الأزمة المعيشية. ولذلك، فإن أي عقد يتعلق بممتلكات عامة أو مورد اقتصادي استراتيجي ينبغي أن يُقاس أيضاً بما يحققه من منفعة عامة، وبمدى خضوعه للرقابة، وبما إذا كانت الدولة تحصل على عائد عادل مقابل ما تمنحه من حقوق.
لا يعني ذلك أن كل مشروع سياحي ينافس الإنفاق الاجتماعي، أو أن استثمار المباني التاريخية يجب أن يتوقف في بلد يحتاج إلى فرص العمل والإيرادات. بل إن الاستثمار الشفاف في التراث يمكن أن يخلق وظائف ويدعم الاقتصاد المحلي. غير أن ذلك يفقد مشروعيته عندما تكون شروط التعاقد غامضة، أو تكون الخبرة الفنية موضع شك، أو تُنفذ الأعمال قبل حسم الاعتراضات القانونية، أو تُحجب المعلومات عن المواطنين.
وفي بلد يعاني فيه الناس من ضعف القدرة الشرائية ونقص الخدمات، يصبح من حقهم معرفة العائد الذي تحققه الدولة من ممتلكاتها، والجهة التي تستفيد من العقود، ومدى مساهمة هذه المشاريع في تشغيل السوريين وحماية تراثهم.
● ما المطلوب؟ تحقيق مستقل لا حملة اتهامات
إن التعامل الجدي مع هذه الملفات يقتضي إجراءات واضحة، تبدأ بنشر العقود الخاصة بالمباني الأثرية في حمص، وبيان آلية اختيار الشركات، وأسماء الشركاء والمستفيدين الفعليين، ومدة الاستثمار وقيمته، والالتزامات الفنية والمالية المفروضة على المستثمرين.
ويقتضي أيضاً نشر نتائج الكشف الميداني على قصر الزهراوي، وتحديد طبيعة الأعمال المنفذة وما إذا كانت قد ألحقت أضراراً بعناصره التاريخية، مع الاستعانة بخبراء مستقلين لا تربطهم مصالح بالمستثمر أو الجهة المتعاقدة.
أما في ملف التماثيل المسروقة من المتحف الوطني بدمشق، فينبغي إعلان ما أمكن من نتائج التحقيق، وتوضيح إجراءات استرداد القطع ومراجعة منظومة الحماية والجرد. وفي قطاع النفط، يجب أن تُنشر نتائج التحقيقات الرقابية عندما تسمح الإجراءات القانونية بذلك، مع التمييز بين المبالغ المجمدة والخسائر المثبتة والمسؤوليات التي حسمها القضاء.
وإذا ثبت وجود تضارب مصالح أو تجاوزات أو إضرار بالمال العام أو بالتراث، فيجب إحالة المسؤولين عنها إلى الجهات القضائية المختصة، بصرف النظر عن مواقعهم أو علاقاتهم. أما إذا لم تثبت الاتهامات، فمن واجب المؤسسات توضيح الحقائق للرأي العام بدلاً من ترك المجال مفتوحاً للشائعات.
● من يملك تراث السوريين، ومن يحاسب على المال العام؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية ليس مجرد اكتشاف مخالفات، بل أن تتحول المخالفات المحتملة إلى ملفات غامضة لا يعرف الناس كيف بدأت ولا إلى أين انتهت. فالثقة لا تُبنى بالوعود، ولا بمجرد تغيير الأسماء والوجوه، وإنما بقدرة المؤسسات على كشف الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها.
من قصور حمص إلى تماثيل دمشق، ومن عقود النفط إلى معيشة السوريين، يبقى السؤال واحداً: هل تُدار ممتلكات الدولة وثرواتها وفق قواعد معلنة تضمن المصلحة العامة، أم أن المواطنين سيبقون آخر من يعرف كيف تُمنح العقود وكيف تُصرف الأموال؟
أين ستُنشر الوثائق الكاملة، ومتى سيعرف السوريون من اتخذ القرارات، ومن استفاد منها، ومن سيتحمل المسؤولية إذا ثبت الإضرار بتراثهم وأموالهم؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
تقييد المرأة في اختيارها الجامعي: وصاية رجعية يجب رفضها
استهداف «ألفا وطن» عمل إرهابي يجب إدانته
روسيا وأوروبا: حرب بلا حرب؟ ما طبيعة الصراع الذي يمنع وقوعها؟