5 نوفمبر, 2026

من جزار بانياس معراج أورال إلى عاطف نجيب: هل تقترب ساعة الحساب؟

إن اعتقال معراج أورال والحكم الصادر بحق عاطف نجيب يجب أن يكونا جزءاً من مسار قضائي أوسع، يشمل جميع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بحق السوريين

إن اعتقال معراج أورال والحكم الصادر بحق عاطف نجيب يجب أن يكونا جزءاً من مسار قضائي أوسع، يشمل جميع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بحق السوريين

لم يعد ملف مجازر السوريين مجرد ذاكرة مثقلة بالدماء، أو شهادات لأمهات ثكالى فقدن أبناءهن، وعائلات لا تزال تنتظر كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا. مع إعلان السلطات السورية اعتقال معراج أورال، المعروف باسم علي كيالي، والمرتبط اسمه بمجزرة بانياس عام 2013، عاد سؤال العدالة إلى الواجهة، بالتزامن مع صدور حكم بالإعدام على عاطف نجيب، أحد أبرز المسؤولين الأمنيين المرتبطين بقمع احتجاجات درعا في بدايات الثورة السورية.

التطوران يطرحان سؤالاً يتجاوز مصير شخصين: هل تتحول الملفات التي ظلت سنوات معلّقة إلى محاكمات ومحاسبة فعلية، وفق الأدلة والقانون، بعيداً عن الإفلات من العقاب أو الانتقائية؟

● معراج أورال: مجازر الساحل وضرورة المساءلة

أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اعتقال معراج أورال، المعروف أيضاً باسم علي كيالي، والذي ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بمجازر الساحل السوري، ولا سيما البيضا وبانياس. وكان أورال يقود ميليشيا «المقاومة السورية» التي قاتلت إلى جانب قوات نظام بشار الأسد السابق.

ولا تستند خطورة ما شهدته المنطقة إلى شهادات الناجين وحدها. فقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في سبتمبر/أيلول 2013 مقتل ما لا يقل عن 248 شخصاً في البيضا وبانياس يومي 2 و3 مايو/أيار من العام نفسه، مشيرةً إلى أن غالبية الضحايا أُعدموا بعد انتهاء الاشتباكات وانسحاب مقاتلي المعارضة. كما نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن عمليات إعدام مدنيين خارج نطاق القضاء في المنطقتين، استناداً إلى مقابلات مع ناجين وأدلة جرى فحصها.

وتؤكد هذه التوثيقات حجم الجرائم التي تستوجب التحقيق والمحاسبة، لكنها لا تغني عن إثبات المسؤولية الجنائية الفردية لكل متهم. فمحاكمة أورال، إن بدأت، ينبغي أن تستند إلى أدلة قابلة للفحص، وأن تكشف دوره المحدد، إن ثبت، في الجرائم المنسوبة إليه.

● عاطف نجيب: حكم بالإعدام على مسؤول أمني سابق

في 11 أغسطس/آب 2026، صدر حكم بالإعدام بحق عاطف نجيب، بعد إدانته بجرائم شملت القتل والتعذيب والحرمان من الحرية والخطف، وفق ما أُعلن عن الحكم.

كان نجيب يرأس فرع الأمن السياسي في درعا عام 2011، وارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات في المحافظة خلال بدايات الثورة السورية، حين تحولت مطالب شعبية إلى حركة احتجاجية امتدت إلى مناطق واسعة من البلاد وسط تصاعد القمع والعنف.

يمثل الحكم محطة قضائية مهمة في قضية تتصل بانتهاكات ارتُكبت بحق السوريين. لكن صدور حكم بالإعدام لا يعني بالضرورة تنفيذه فوراً؛ إذ يتوقف ذلك على الوضع القانوني للحكم والإجراءات اللاحقة. ومن الضروري التمييز بين الإدانة القضائية، ونهائية الحكم، وتنفيذ العقوبة فعلياً.

● من سيُعدم أولاً: معراج أورال أم عاطف نجيب؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد التطورين، لكن الإجابة عنه لا تزال غير محسومة.

فقد صدر حكم بالإعدام على عاطف نجيب، بينما أُعلن اعتقال معراج أورال، ولم يتوافر لديّ إعلان رسمي موثوق يؤكد صدور حكم غيابي بالإعدام بحقه.

ولم يبدأ تداول خبر اعتقال أورال اليوم؛ إذ تداول ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، قبل نحو شهر ونصف، أنباءً عن اعتقاله، من دون تأكيد أو نفي رسمي معلن آنذاك. ثم عاد الخبر إلى الواجهة مع الإعلان الرسمي الأخير، وسط تساؤلات عن ملابسات الاعتقال وتوقيته.

وبذلك، فإن نجيب وصل إلى مرحلة صدور الحكم، فيما تتطلب قضية أورال توضيحاً بشأن الاتهامات والإجراءات القضائية المتخذة بحقه. ولا يكفي هذا الفارق وحده للجزم بمن ستُنفذ بحقه عقوبة الإعدام أولاً؛ فالأمر مرتبط بالوضع القانوني لحكم نجيب، وبالمسار القضائي الذي ستسلكه قضية أورال.

لذلك، فإن تحديد اسم من سيُعدم أولاً سيكون استباقاً للوقائع. أما ما يستحق المتابعة فهو ما إذا كانت الإجراءات ستفضي إلى محاكمات واضحة، وأحكام تستند إلى الأدلة، ومحاسبة تشمل المسؤولين عن الجرائم بصرف النظر عن مواقعهم السابقة.

● العدالة لا تتجزأ

بعد سنوات من القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، لا يمكن بناء دولة قانون عبر محاسبة بعض المتهمين وإهمال ملفات أخرى. فحقوق الضحايا لا تتجزأ، ودماء المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف مناطقهم أو هوياتهم أو مواقفهم السياسية.

وتقتضي العدالة كشف مصير المفقودين، وتوثيق الانتهاكات، وإنصاف عائلات الضحايا، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. كما تقتضي تحديد المسؤوليات الفردية بناءً على الأدلة، لا على الانتماء أو النفوذ أو الاعتبارات السياسية.

إن اعتقال أورال والحكم الصادر بحق نجيب يضعان ملف المحاسبة أمام استحقاقات مهمة، لكن معيار النجاح لن يكون عدد الاعتقالات أو قسوة العقوبات وحدهما، بل قدرة القضاء على كشف الحقيقة وتطبيق القانون على الجميع.

● الاعتقال بداية الحساب، والحكم ليس نهاية العدالة

يعيد اعتقال معراج أورال ملف مجازر الساحل إلى الواجهة، فيما يطرح الحكم بالإعدام على عاطف نجيب أسئلة حول الإجراءات القانونية اللاحقة وإمكان تنفيذ العقوبة. وبين القضيتين، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا تأسيس عدالة لا تنتقي ضحاياها ولا متهميها، ولا تجعل العقوبة بديلاً عن الحقيقة؟

إن دماء السوريين لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى أدلة موثقة، وقضاء مستقل، ومحاكمات عادلة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

فلا سلام مستداماً بلا عدالة، ولا دولة قانون ما دام الإفلات من العقاب ممكناً.

أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب