15 أكتوبر, 2026

من جزار بانياس معراج أورال إلى عاطف نجيب: هل تقترب ساعة الحساب؟

إن اعتقال معراج أورال والحكم الصادر بحق عاطف نجيب يجب أن يكونا جزءاً من مسار قضائي أوسع، يشمل جميع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بحق السوريين

إن اعتقال معراج أورال والحكم الصادر بحق عاطف نجيب يجب أن يكونا جزءاً من مسار قضائي أوسع، يشمل جميع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بحق السوريين

 

لم يعد ملف مجازر السوريين مجرد ذاكرة مثقلة بالدماء، ولا مجرد شهادات لأمهات ينتظرن عودة أبنائهن، أو صور لضحايا لم يجدوا طوال سنوات الحرب من ينصفهم. اليوم، يعود سؤال العدالة إلى الواجهة مع إعلان السلطات السورية اعتقال معراج أورال، المعروف باسم علي كيالي، الذي ارتبط اسمه بمجزرة بانياس عام 2013، بعد سنوات من الاتهامات المتعلقة بدوره في الجرائم التي شهدها الساحل السوري.

إنه خبر يتجاوز توقيف شخص مطلوب؛ فالمسألة تتعلق بإمكانية إخضاع أحد أبرز الأسماء المرتبطة بمجازر الساحل للمساءلة القضائية، بعدما عاش ذوو الضحايا سنوات وهم ينتظرون ألا تبقى دماء أبنائهم بلا حساب. لكن الاعتقال، مهما كانت أهميته، ليس نهاية القضية؛ بل بداية الاختبار الحقيقي: هل تتحول الأدلة والشهادات إلى محاكمة جدية، ومحاسبة قانونية، وإنصاف للضحايا؟

● معراج أورال: من اتهامات مجزرة بانياس إلى قبضة العدالة؟

أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 القبض على معراج أورال، واصفة إياه بأنه من أبرز المسؤولين عن مجزرة بانياس عام 2013. ويُعرف أورال بقيادته ميليشيا «المقاومة السورية»، التي قاتلت إلى جانب قوات نظام بشار الأسد السابق.

ارتبط اسمه باتهامات خطيرة تتعلق بمجازر وانتهاكات شهدتها مناطق في الساحل السوري، ولا سيما البيضا وبانياس. وهذه الاتهامات تستوجب تحقيقاً قضائياً يحدد المسؤوليات الفردية، ويفحص الأدلة، ويمنح الضحايا وذويهم حق عرض ما لديهم أمام محكمة مختصة.

إن أهمية اعتقال أورال لا تكمن في اسمه وحده، بل في الرسالة التي ينبغي أن يوجّهها إلى كل من يُشتبه في تورطه بجرائم ضد المدنيين: لا ينبغي أن يكون النفوذ السابق أو اللجوء إلى خارج البلاد ضمانة دائمة للإفلات من المحاسبة.

لكن العدالة لا تُقاس بالقبض على المتهمين فقط، ولا بعدد الأسماء التي تُعلن السلطات توقيفها. العدالة تبدأ بتحقيق مستقل وشفاف، ومحاكمة تلتزم الضمانات القانونية، وحكم يستند إلى أدلة يمكن فحصها ومناقشتها. فالضحايا لا يحتاجون إلى وعود جديدة، بل إلى حقائق مثبتة ومسؤوليات محددة وإنصاف فعلي.

● عاطف نجيب: حكم بالإعدام على أحد رموز القمع في درعا

قبل إعلان اعتقال معراج أورال، كانت قضية عاطف نجيب قد دخلت مرحلة قضائية متقدمة. ففي 11 أغسطس/آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالإعدام بحقه، بعد إدانته بجرائم شملت القتل والتعذيب والحرمان من الحرية والخطف، وفق منطوق الحكم الذي نشرته وكالة «سانا».

كان نجيب يرأس فرع الأمن السياسي في درعا عام 2011، وارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات في المحافظة في بدايات الثورة السورية. وقد أصبحت درعا رمزاً لانطلاق احتجاجات شعبية اتسعت لاحقاً إلى مختلف أنحاء البلاد، وسط تصاعد القمع والعنف.

لم تكن محاكمة نجيب مجرد قضية تخص مسؤولاً أمنياً سابقاً؛ بل مثّلت اختباراً لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين، ولا سيما في المرحلة التي شهدت اعتقال المحتجين وتعذيبهم وملاحقتهم.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين صدور حكم بالإعدام وتنفيذه فعلياً. فالحكم القضائي مرحلة مهمة، لكنه لا يعني تلقائياً أن العقوبة نُفذت، كما أن جدية مسار العدالة تُقاس بمدى احترام الإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة، وليس بقسوة العقوبة وحدها.

● من سيُعدم أولاً: معراج أورال أم عاطف نجيب؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد التطورين.

عاطف نجيب صدر بحقه حكم بالإعدام بالفعل، بينما أُعلن اعتقال معراج أورال اليوم، ولم يُعلن، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، عن صدور حكم بالإعدام بحقه. وبذلك فإن نجيب متقدم من الناحية الإجرائية في ملف العقوبة، لكن هذا لا يكفي للجزم بأنه سيكون أول من تُنفذ بحقه العقوبة.

فأورال يحتاج إلى استكمال الإجراءات القضائية الخاصة بقضيته، وتحديد الاتهامات والأدلة والمسؤوليات، ثم صدور الأحكام اللازمة. أما قضية نجيب، فتتوقف الخطوات التالية فيها على وضع الحكم والإجراءات القانونية والتنفيذية المرتبطة به.

لهذا، فإن أي جزم باسم الشخص الذي سيُعدم أولاً سيكون استباقاً للوقائع. ما يمكن قوله بثقة هو أن اعتقال أورال يفتح باباً جديداً للمساءلة، بينما يمثل الحكم الصادر بحق نجيب محطة قضائية مهمة في ملف الانتهاكات التي شهدتها سوريا.

● العدالة ليست انتقاماً، ولا ينبغي أن تكون انتقائية

بعد سنوات من القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، لا يحتاج السوريون إلى تبديل أسماء المتهمين مع بقاء منطق الإفلات من العقاب. ما يحتاجون إليه هو نظام عدالة لا يحمي أحداً بسبب منصبه السابق، ولا يستثني أحداً بسبب انتمائه أو نفوذه أو موقعه في موازين القوى.

ولا يمكن بناء دولة قانون إذا اقتصرت المحاسبة على بعض المتهمين، بينما تُهمَل ملفات أخرى أو تُستخدم القضايا بصورة انتقائية. فحقوق الضحايا لا تتجزأ، ودماء المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف مناطقهم أو هوياتهم أو مواقفهم السياسية.

ومن هنا، فإن اعتقال معراج أورال والحكم الصادر بحق عاطف نجيب يجب أن يكونا جزءاً من مسار قضائي أوسع، يشمل جميع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بحق السوريين، وفق الأدلة والمسؤولية الفردية، وبعيداً عن التشفي أو التوظيف السياسي.

كما أن العدالة الحقيقية لا تكتمل من دون كشف مصير المفقودين، وتوثيق الانتهاكات، وإنصاف عائلات الضحايا، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. فالدولة التي تريد طي صفحة الاستبداد لا تستطيع بناء مستقبلها على إجراءات غامضة أو محاكمات تفتقر إلى الضمانات التي يفترض أن تحمي الجميع.

● الخلاصة: الاعتقال بداية الحساب، والحكم ليس نهاية العدالة

اعتقال معراج أورال يعيد ملف مجازر الساحل إلى الواجهة، والحكم بالإعدام على عاطف نجيب يضع قضية قمع درعا أمام استحقاق التنفيذ والإجراءات القانونية اللاحقة. وبين الملفين، تتجدد مطالبة السوريين بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، مهما طال الزمن أو تبدلت الظروف.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: من سيُعدم أولاً؟ بل: هل تستطيع سوريا أن تؤسس عدالة لا تنتقي ضحاياها ولا متهميها، ولا تجعل العقوبة بديلاً عن الحقيقة؟

إن دماء السوريين لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قضاء مستقل، وأدلة موثقة، ومحاكمات عادلة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

فلا سلام مستداماً بلا عدالة، ولا دولة قانون ما دام الإفلات من العقاب ممكناً.

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب