تغيير الوجوه لا يعني تغيير السلطة: هل يكون رئيس الحكومة المقبل شريكًا في تصحيح المسار، أم واجهة تتحمل تبعات قرارات لم يصنعها؟
في السياسة، لا يكفي أن يتغير المسؤول حتى يتغير مسار الدولة. فقد يكون التغيير بداية إصلاح حقيقي، وقد لا يتجاوز إعادة توزيع الأدوار، فيما تبقى مراكز القرار الفعلية بمنأى عن المساءلة. وبين الاحتمالين، تبرز أسئلة جوهرية بشأن مستقبل السلطة التنفيذية في سوريا، وما يُثار حول احتمال إعادة تشكيل الحكومة، والشخصية التي يمكن أن تتولى رئاستها.
يأتي ذلك في توقيت إقليمي حساس، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، واستمرار التصريحات والتهديدات الإسرائيلية المتعلقة بسوريا والمنطقة. ومن المشروع التساؤل عن أثر الحسابات الانتخابية الإسرائيلية في الخطاب الأمني، لكن التزامن وحده لا يثبت وجود ارتباط مباشر بين هذه التطورات وأي تغيير حكومي محتمل في دمشق.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة حقيقية لطريقة إدارة الدولة، أم أن إعادة تشكيل الحكومة ستقتصر على تغيير الوجوه، مع إبقاء الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية الأكثر حساسية خارج نطاق المراجعة والمساءلة.
- رئاسة الحكومة: منصب تنفيذي أم واجهة للمساءلة؟
منذ تولي أحمد الشرع الرئاسة الانتقالية، برزت أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الرئاسة والحكومة، وحدود استقلال المؤسسات التنفيذية، ومدى قدرة الوزراء على اتخاذ قرارات تتجاوز إدارة الملفات اليومية.
وقد سبق للشرع أن طرح فكرة تحمّله المسؤولية أمام السوريين بدلًا من وجود رئيس حكومة بالمعنى التقليدي لدوره السياسي والتنفيذي. لكن المسؤولية السياسية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بوجود مؤسسات واضحة الصلاحيات، وآليات رقابة فعالة، وإمكانية محاسبة المسؤولين عن قراراتهم.
ويمنح الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025 الرئيس صلاحيات واسعة في تشكيل السلطة التنفيذية وتعيين الوزراء وإعفائهم. وهذا يجعل أي حديث عن تشكيل حكومة جديدة مرتبطًا بسؤال دستوري وسياسي أساسي: هل ستتغير آليات اتخاذ القرار، أم سيبقى مركز الثقل في الرئاسة، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية النتائج أمام المواطنين؟
إذا بقيت القرارات الاستراتيجية خارج قدرة رئيس الحكومة على المراجعة، فقد يجد نفسه مسؤولًا عن إخفاقات لم يمتلك سلطة منعها، أو مطالبًا بتنفيذ سياسات لم يكن طرفًا في تحديدها.
ولا يعني ذلك أن إعادة تشكيل الحكومة ستكون بالضرورة محاولة للهروب من المسؤولية، لكنه احتمال يستحق الاختبار من خلال الصلاحيات الفعلية التي ستُمنح للحكومة الجديدة، لا من خلال الأسماء المعلنة وحدها.
- رياض حجاب: اسم محتمل في معادلة إعادة تشكيل الحكومة
إذا كانت مؤسسات السلطة الحالية تتجه فعلًا إلى تشكيل حكومة جديدة، فإن طبيعة الملفات المتراكمة قد تدفع إلى البحث عن شخصية سياسية تمتلك خبرة سابقة داخل مؤسسات النظام السابق، ثم انشقت عنه وانضمت إلى المعارضة، وتعرف من الداخل كيف كانت تُدار القرارات وتُبنى شبكات النفوذ في دمشق.
في هذا السياق، يبرز اسم رياض حجاب بوصفه احتمالًا يستحق المتابعة، لا مرشحًا مؤكدًا. فقد شغل منصب رئيس الحكومة في عهد بشار الأسد عام 2012، قبل أن ينشق عن النظام في أغسطس/آب من العام نفسه وينضم إلى المعارضة.
إن خبرته السابقة قد تمنحه معرفة بآليات العمل الحكومي وطبيعة صناعة القرار في مؤسسات النظام السابق. لكن هذه الخبرة لا تكفي وحدها للحكم على قدرته على إدارة المرحلة الراهنة، كما لا تثبت أنه المرشح الأرجح أو أنه يمتلك المعلومات والنفوذ اللازمين لمعالجة الملفات العالقة.
والسؤال لا يتعلق بحجاب وحده، بل بمواصفات الشخصية التي تحتاج إليها سوريا في هذه المرحلة: هل المطلوب رئيس حكومة يمتلك خبرة سياسية وإدارية، ويستطيع مراجعة القرارات السابقة ومواجهة مراكز النفوذ؟ أم شخصية تتولى إدارة الملفات اليومية وتتحمل المسؤولية التنفيذية، بينما تبقى القرارات المصيرية خارج نطاق صلاحياتها؟
إذا طُرح اسم حجاب أو أي شخصية أخرى من هذا النوع، فسيكون الاختبار الحقيقي هو مدى استقلالها السياسي، وقدرتها على مراجعة القرارات والتعيينات والعقود السابقة، وامتلاكها صلاحيات فعلية لمحاسبة المسؤولين وتصحيح المسار.
- الملفات الاقتصادية: من يملك القرار ومن يراقب المال العام؟
من أكثر الملفات التي تستحق التدقيق طبيعة إدارة الموارد العامة، بما فيها عائدات النفط، والعقود الكبرى، والمشاريع العمرانية، وآليات تخصيص الأموال والإنفاق عليها.
فإذا كانت الحكومة الجديدة ستتولى مسؤولية الاقتصاد والخدمات، فمن حق السوريين معرفة ما إذا كانت ستتمكن من مراجعة العقود السابقة، وتقييم جدوى المشاريع المعلنة، والتحقق من سلامة التعيينات والإنفاق العام، أم أن هذه الملفات ستظل خاضعة لقرارات تتخذ خارج نطاق رقابتها.
وقد أُثيرت انتقادات بشأن مركزية القرار الاقتصادي، وضعف الشفافية في بعض الملفات. لكن الادعاء بأن خزينة الدولة أو عائدات النفط أصبحت تحت سيطرة عائلة الرئيس يحتاج إلى وثائق تثبت مسارات الإيرادات، والجهات التي تتحكم في الحسابات، وآليات الصرف، والمستفيدين من العقود.
إن غياب المعلومات المالية الكافية لا يثبت وحده وجود فساد، لكنه يبرر المطالبة برقابة مستقلة ونشر البيانات الضرورية لتقييم الأداء.
وإذا كانت السلطة واثقة من سلامة قراراتها، فلا ينبغي أن ترى في التدقيق المستقل تهديدًا سياسيًا. فالمساءلة المالية ليست أداة لتصفية الحسابات، بل شرط أساسي لحماية المال العام ومنع تضارب المصالح.
- مراكز النفوذ والتعيينات: هل تُبنى مؤسسات أم شبكات ولاء؟
لا تُقاس كفاءة الدولة بعدد المؤسسات التي تعلن عن تأسيسها، ولا بعدد المسؤولين الذين يتغيرون في مواقعهم، بل بقدرة تلك المؤسسات على العمل وفق القانون، وبمعايير واضحة للتعيين والمساءلة.
ومن هنا تأتي أهمية فحص طبيعة التعيينات، ومدى اعتمادها على الخبرة والكفاءة، وحدود تأثير الولاءات الشخصية والسياسية والدينية في إدارة المؤسسات العامة.
إن مشاركة الشخصيات الدينية والاجتماعية في الحياة العامة ليست مشكلة بحد ذاتها، كما أن الانتماء الديني لا ينفي الكفاءة. المشكلة تبدأ عندما تتحول المواقع العامة إلى امتيازات مغلقة، أو تُمنح المسؤوليات على أساس الولاء بدلًا من المؤهلات، أو تُستخدم المؤسسات لتثبيت نفوذ أشخاص وشبكات لا تخضع للمحاسبة.
وإذا كانت هناك تعيينات أو مؤسسات تُدار بهذه الطريقة، فإن المطلوب هو توثيقها حالةً بحالة، والكشف عن معايير الاختيار وصلاحيات المسؤولين وآليات الرقابة عليهم.
فالدولة لا تُدار بمنطق الولاء الشخصي، ولا تصبح المؤسسات مستقلة لمجرد تغيير أسمائها أو مسؤوليها. وإذا كان رئيس الحكومة المقبل جادًا في الإصلاح، فينبغي أن يمتلك القدرة على مراجعة التعيينات، وتقييم أداء المسؤولين، واستبعاد من يثبت عدم أهليته وفق إجراءات قانونية واضحة.
- الأمن والعلاقة مع إسرائيل: ملفات سيادية لا تحتمل الغموض
تطرح التطورات الأمنية في الجنوب السوري، من جبل الشيخ إلى السويداء ودرعا ومحيط دمشق، أسئلة تتعلق بالسيادة الوطنية، وحماية المدنيين، وحدود قدرة مؤسسات الدولة على منع التصعيد.
وفي ظل التصريحات الإسرائيلية والانتخابات المقبلة، يصبح من الضروري التمييز بين التهديدات المعلنة، والتحركات العسكرية المثبتة، والتحليلات المتعلقة بالدوافع السياسية لهذه التحركات.
لا يجوز افتراض أن كل تصعيد إسرائيلي يستهدف خدمة نتنياهو انتخابيًا، كما لا يجوز تجاهل احتمال تأثير الحسابات الانتخابية في الخطاب الأمني. المطلوب متابعة الوقائع، ومقارنة التصريحات بالتحركات الميدانية، وتحديد ما إذا كانت السلطة السورية تقدم معلومات واضحة للمواطنين بشأن المخاطر والخيارات المتاحة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الضغوط الخارجية إلى مبرر مفتوح لتأجيل الإصلاح السياسي أو إعفاء المسؤولين من المساءلة. فالتهديد الخارجي، مهما كانت خطورته، لا يلغي الحاجة إلى مؤسسات خاضعة للقانون، ولا يعفي السلطة من شرح قراراتها المتعلقة بأمن البلاد وسيادتها.
وإذا كانت الحكومة الجديدة ستتولى إدارة هذه الملفات، فمن الضروري توضيح حدود صلاحياتها، وعلاقتها بمؤسسات الأمن والدفاع، ومدى مشاركتها في القرارات الاستراتيجية. فلا يمكن مساءلة الحكومة عن نتائج ملف سيادي إذا لم تكن تملك دورًا فعليًا في صنع قراراته.
- العدالة الانتقالية: من الرسائل الرمزية إلى المساءلة الفعلية
يبقى ملف العدالة من أكثر الملفات حساسية، لأن السوريين لا ينتظرون أحكامًا تحمل قيمة رمزية فحسب، بل يريدون معرفة الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
ومن المشروع التساؤل عن استقلال المحاكمات، وشفافية الإجراءات، ومدى نشر الأحكام وأسبابها، وقدرة القضاء على التعامل مع الجرائم الجسيمة من دون انتقائية أو تدخل سياسي.
لكن إثبات وجود تدخل في القضاء أو تعطيل متعمد للمحاسبة يتطلب أدلة محددة، لا مجرد الاستنتاج من تأخر إجراء أو غموض قرار. ولهذا ينبغي أن تتضمن أي مراجعة جدية للملف معلومات عن القضايا المحالة، والإجراءات المتخذة، والجهات صاحبة الاختصاص، والعقبات القانونية أو الإدارية التي تعترض سير العدالة.
المعيار واضح: لا حصانة بسبب الموقع أو الولاء، ولا إدانة بلا أدلة، ولا عدالة انتقائية تتغير باختلاف هوية المتهم.
وهنا يبرز سؤال مسؤولية الحكومة المقبلة: هل ستتمكن من دعم استقلال القضاء وتوفير الموارد اللازمة للتحقيق والمحاكمة، أم ستظل العدالة ملفًا سياسيًا تتحكم في إيقاعه اعتبارات خارج المؤسسات القضائية؟
إن المحاسبة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إعلان الأحكام، بل بضمان محاكمات عادلة وشفافة، وتحديد المسؤوليات الفردية وسلاسل القيادة عند الاقتضاء، وحماية حقوق الضحايا والمتهمين، ومنع تحويل القضاء إلى أداة لتصفية الحسابات.
- كيف نختبر جدية التغيير الحكومي؟
إذا أُعلن تشكيل حكومة جديدة، فهناك مؤشرات عملية يمكن من خلالها تقييم ما إذا كان التغيير إصلاحيًا أم مجرد إعادة توزيع للمسؤوليات:
أولًا: نشر برنامج حكومي واضح، يتضمن أولويات محددة ومواعيد للتنفيذ، مع تحديد المسؤوليات عن القرارات السابقة واللاحقة.
ثانيًا: توضيح صلاحيات رئيس الحكومة والوزراء، وحدود تدخل الرئاسة في عملهم، وآليات مساءلتهم أمام المؤسسات المختصة.
ثالثًا: إخضاع العقود الكبرى وإيرادات الموارد العامة والإنفاق على المشاريع العمرانية لتدقيق مستقل، ونشر المعلومات التي تسمح للمواطنين بتقييم الأداء.
رابعًا: مراجعة التعيينات العامة وفق معايير الكفاءة وتضارب المصالح، وإتاحة آليات قانونية للاعتراض على القرارات الإدارية.
خامسًا: حماية استقلال القضاء، وضمان أن تقوم العدالة الانتقالية على الأدلة والإجراءات العادلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، بعيدًا عن الانتقام أو الانتقائية.
سادسًا: تحديد موقف واضح من الملفات الأمنية والسيادية، وتقديم معلومات موثوقة للرأي العام بشأن التطورات التي تمس سلامة البلاد والمواطنين.
سابعًا: نشر تقارير دورية عن أداء الحكومة، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام والمشاريع والتعيينات، بما يسمح للمواطنين والصحافة المستقلة بمتابعة النتائج ومقارنة الوعود بالتنفيذ.
هذه ليست مطالب نظرية، بل معايير قابلة للقياس. وهي التي ستكشف ما إذا كان رئيس الحكومة المقبل يمتلك أدوات التغيير فعلًا، أم أنه سيجد نفسه أمام مسؤوليات واسعة وصلاحيات محدودة.
- الاختبار ليس اسم رئيس الحكومة، بل حدود سلطته
قد يكون تغيير الحكومة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتصحيح الأخطاء، لكنه لن يحقق ذلك بمجرد استبدال مسؤول بآخر. فإذا بقيت الصلاحيات الفعلية والموارد والقرارات الاستراتيجية خارج نطاق الرقابة، فإن الحكومة الجديدة قد تجد نفسها مسؤولة عن ملفات لم تملك القدرة على اتخاذ قراراتها، فيما يظل أصحاب القرار الفعلي بعيدين عن المساءلة.
أما إذا مُنحت صلاحيات واضحة، وأُخضعت قرارات المؤسسات العامة لقواعد شفافة للمحاسبة، وأصبحت مراجعة العقود والتعيينات والسياسات السابقة ممكنة، فقد يتحول التغيير إلى خطوة نحو بناء دولة المؤسسات بدلًا من إعادة إنتاج السلطة الشخصية.
إن سوريا لا تحتاج إلى حكومة تتوارث الأزمات وتعيد تدوير الوجوه، بل إلى حكومة تستطيع أن تكشف الحقائق، وتراجع القرارات، وتتحمل مسؤوليتها أمام المواطنين، ضمن نظام يضمن الرقابة والمحاسبة لجميع أصحاب السلطة.
السؤال الذي ينبغي أن يواجه السوريون به أي تشكيل حكومي جديد ليس: من سيكون رئيس الحكومة؟ بل: من سيملك القرار، ومن سيُحاسَب عليه، وهل يستطيع المواطن أن يعرف أين تُتخذ القرارات المصيرية وكيف تُدار أموال دولته؟
فإذا لم تتغير قواعد السلطة، فهل يكون تغيير الحكومة بداية إصلاح حقيقي، أم مجرد نقل للأعباء إلى واجهة جديدة؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
الشعوب من حقها الاحتجاج، لكن لا حق لأحد في نهب المتاجر وتخريب الممتلكات
من لا يملك مواقف وطنية ثابتة ولا يجرؤ على الظهور باسمه الصريح، لا يحق له توزيع الاتهامات على الآخرين!
من جزار بانياس معراج أورال إلى عاطف نجيب: هل تقترب ساعة الحساب؟