24 مارس, 2026

هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير قوانين قديمة ؟

بعد الجدل الواسع الذي رافق قرار تنظيم بيع المشروبات الكحولية في دمشق، جاء البيان التوضيحي لمحاولة احتواء الانتقادات وشرح خلفيات القرار. من حيث الشكل، بدا البيان وكأنه استجابة للرأي العام، خصوصًا مع الحديث عن “سوء فهم” وإمكانية إعادة النظر في بعض التفاصيل. لكن عند التدقيق، يبرز سؤال أساسي:
هل تغيّر شيء فعليًا، أم أننا أمام إعادة صياغة لنفس المضمون؟

من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة تنظيم بيع الكحول. ضبط المحلات غير المرخصة، ومنع البيع للقاصرين، وفرض شروط واضحة للعمل التجاري هي إجراءات طبيعية في أي دولة. بل إن مطالبة أصحاب المحلات بتسوية أوضاعهم القانونية خطوة مطلوبة ولا خلاف عليها.

لكن الإشكالية لا تكمن هنا، بل في الأساس الذي يقوم عليه هذا التنظيم.

البيان أعاد التأكيد على نفس المرجعيات القديمة، بما فيها قوانين تعود لعقود مضت، دون تقديم إطار قانوني حديث يواكب الواقع الحالي. الأهم من ذلك، أنه لم يتراجع عن النقطة الأكثر إثارة للجدل: ربط بيع الكحول بمناطق محددة ذات توصيف ديني أو اجتماعي.

هنا تحديدًا يظهر التناقض.
فكيف يمكن الحديث عن “تنظيم قانوني” في حين أن المعيار ليس عامًا ومجردًا، بل مرتبط بطبيعة الحي وسكانه؟
وهل يمكن اعتبار هذا النهج تنظيمًا، أم أنه شكل من أشكال التقييد الانتقائي؟

وفي هذا السياق يبرز سؤال أكثر جوهرية:

هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير انتقائية لقوانين قديمة؟
في نظرة سريعة، يتضح أن الأساس الذي يُبنى عليه هذا التنظيم يعود إلى تشريعات مضى عليها أكثر من سبعين عامًا، دون مراجعة حقيقية لمدى توافقها مع الواقع الحالي.

المشكلة هنا ليست في عمر هذه القوانين بحد ذاته، بل في طريقة استخدامها.
هل يتم تطويرها ضمن إطار قانوني حديث وواضح يراعي تغير المجتمع؟
أم يجري استحضارها وتطبيقها بشكل انتقائي وفق الحاجة؟

عندما يُعاد تفعيل نصوص قديمة دون تحديث، وبمعايير غير موحدة، فإن النتيجة لا تكون تنظيمًا قانونيًا حديثًا، بل إعادة إنتاج لواقع لم يعد قائمًا، وكأن الزمن لم يتغير.

البيان أشار أيضًا إلى فتح باب المقترحات، خصوصًا فيما يتعلق بالمطاعم ذات الطابع السياحي. هذه الخطوة تبدو إيجابية ظاهريًا، لكنها تطرح سؤالًا مباشرًا:
ما قيمة المقترحات إذا كانت ستُطبّق ضمن نفس القواعد الخلافية؟

هل نحن أمام تطوير حقيقي للقرار، أم مجرد آلية لإدخال استثناءات محدودة دون المساس بجوهره؟

في الواقع، المشكلة ليست في هذا القرار وحده، بل في سياق أوسع من السياسات التي تتعامل مع الحريات الفردية بطريقة غير واضحة المعايير. من قضايا تتعلق بالمظهر والسلوك العام، إلى تدخلات في بعض جوانب الحياة الشخصية، يتشكل انطباع عام بأن هناك توجهًا نحو توسيع نطاق الضبط الاجتماعي عبر أدوات إدارية، لا عبر قوانين حديثة واضحة.

هذا ما يجعل أي قرار جديد، حتى لو كان مبررًا جزئيًا، يُقرأ ضمن هذا المسار.

لذلك، النقاش الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند “تنظيم بيع الكحول”، بل يتجاوزه إلى أسئلة أعمق:

1.هل القوانين الحالية تعكس دولة حديثة أم امتدادًا لتشريعات قديمة؟

2.هل المعايير موحدة لجميع المواطنين، أم تختلف باختلاف المكان والتركيبة الاجتماعية؟

3.وهل فتح باب المقترحات يعني مراجعة حقيقية، أم مجرد امتصاص للاعتراضات؟

الخلاصة واضحة:
البيان التوضيحي لم يقدّم تغييرًا جوهريًا، بل أعاد تقديم القرار بصيغة أكثر هدوءًا. أما الأساس الذي أثار الجدل، فما زال قائمًا.

وأي “تنظيم” لا يعالج هذه النقاط، سيبقى يثير نفس الأسئلة، مهما تغيّرت صياغته.

 

أحمد سليمان

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب