24 مايو, 2026

عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا

خلال سنوات الثورة، بدا العنف داخل الأجهزة الأمنية جزءًا من منظومة إدارية متكاملة تقوم على: اعتقال، تحقيق، تعذيب، تقارير وفاة مزورة، دفن جماعي، وإخفاء قسري، ضمن تسلسل مؤسساتي منظم يجعل الجريمة تبدو كأنها إجراء طبيعي.

خلال سنوات الثورة، بدا العنف داخل الأجهزة الأمنية جزءًا من منظومة إدارية متكاملة تقوم على: اعتقال، تحقيق، تعذيب، تقارير وفاة مزورة، دفن جماعي، وإخفاء قسري، ضمن تسلسل مؤسساتي منظم يجعل الجريمة تبدو كأنها إجراء طبيعي.

ما زالت أصداء محاكمة عاطف نجيب، وأجوبته المبنية على الإنكار، وقبله قضايا أمجد يوسف ووسيم الأسد وغيرهم من سلسلة طويلة تبدو وكأنها لا تنتهي، تعيد طرح السؤال الأكثر قسوة في التجربة السورية الحديثة: كيف يفقد الإنسان قدرته على الشعور بالذنب إلى هذا الحد؟ وكيف يتحول القتل، مع الزمن، إلى ممارسة اعتيادية لا تترك أي أثر أخلاقي في نفس مرتكبها؟ ولماذا يبدو بعض الجلادين وكأنهم غير قادرين حتى على الشعور بالخجل، لا من الدم، ولا من الخراب الذي تركوه خلفهم؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بسوريا وحدها، لكنها في الحالة السورية تبدو أكثر فجاجة بسبب الحجم الهائل للمأساة، وطول سنوات العنف، وكمية التبريرات التي جرى إنتاجها لتحويل الجريمة إلى فعل سياسي مشروع، بل إلى ما يشبه “العقيدة الدفاعية” لدى السلطة وأجهزتها.

في معظم الجرائم الكبرى عبر التاريخ، كان القاتل يحاول على الأقل إخفاء فعلته أو التهرب من المسؤولية الأخلاقية عنها. أما في بعض النماذج السلطوية، فإن المسألة تتجاوز الإنكار إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة تحويل الجريمة نفسها إلى مصدر فخر أو إلى ضرورة وطنية مزعومة. هنا لا يعود القتل انحرافًا طارئًا، بل يتحول إلى جزء من بنية التفكير السياسي والأمني.

رفعت الأسد، عند حديثه عن مجزرة حماة أو مجزرة سجن تدمر، لم يكن يتحدث بلغة شخص يشعر بثقل الدم أو فداحة ما جرى. كان يختصر عشرات آلاف الضحايا بجملة باردة عن “رد فعل” أو “ظروف حرب”. محاولة اغتيال حافظ الأسد في دمشق، بحسب هذا المنطق، كانت تبرر قتل مئات السجناء في تدمر خلال ساعات قليلة، وكأن حياة البشر مجرد أرقام في تقرير أمني.

هذه اللغة ليست مجرد قسوة فردية، بل تعبير عن نمط ذهني كامل يرى الإنسان باعتباره مادة قابلة للإزالة متى اقتضت “مصلحة السلطة”. وحين تستقر هذه الفكرة داخل مؤسسات الدولة، يتحول العنف إلى وظيفة يومية، ويتحول الجلاد إلى جزء بيروقراطي داخل ماكينة القمع، يمارس دوره بلا أي شعور داخلي بالتناقض.

الأمر ذاته تكرر لاحقًا مع بشار الأسد خلال سنوات الثورة السورية. فالمجازر، والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيميائية، والتعذيب الممنهج داخل المعتقلات، وما كشفته صور “قيصر” وتقارير سجن صيدنايا، كلها قُدمت ضمن خطاب رسمي واحد: “الدفاع عن الوطن”. الوطن هنا لم يعد يعني المجتمع أو المواطنين، بل بقاء السلطة وأجهزتها.

ولهذا بدا طبيعيًا، ضمن هذا المنطق، أن يُهجّر ملايين السوريين، وأن يُقتل مئات الآلاف، وأن تتحول مدن كاملة إلى أنقاض، ثم يخرج رأس النظام متحدثًا عن “مجتمع أكثر تجانسًا”، أو واصفًا ملايين اللاجئين بأنهم “شعب زائد”.

هذه ليست مجرد تصريحات سياسية مستفزة، بل تعبير مكثف عن عقيدة ترى البشر عبئًا قابلًا للاستبدال إذا لم يكونوا جزءًا من الطاعة الكاملة. وهنا تحديدًا تكمن خطورة الأنظمة الشمولية؛ فهي لا تكتفي بالقمع، بل تعيد تعريف الأخلاق نفسها. يصبح الولاء أهم من الحياة، والطاعة أهم من العدالة، فيما يُقدَّم القتل باعتباره ضرورة تاريخية لحماية الدولة.

في علم النفس السياسي، كثيرًا ما يُطرح سؤال حول قدرة بعض الأشخاص على ارتكاب العنف الجماعي دون انهيار نفسي أو تأنيب ضمير. جزء من الجواب يرتبط بعملية “نزع الإنسانية” عن الضحية. فعندما يُصوَّر المعارض باعتباره خائنًا أو جرثومة أو إرهابيًا أو تهديدًا وجوديًا، يصبح قتله أسهل نفسيًا. القاتل هنا لا يرى إنسانًا أمامه، بل يرى “عدوًا” جرى تجريده مسبقًا من صفته البشرية.

لهذا كانت الأنظمة الدكتاتورية حريصة دائمًا على صناعة لغة خاصة بالعنف. في ألمانيا النازية، لم يكن اليهود يُقدَّمون باعتبارهم مواطنين مختلفين، بل باعتبارهم خطرًا وجوديًا على الأمة الألمانية. وفي رواندا، لعب الإعلام دورًا مرعبًا عندما جرى تصوير أبناء قومية التوتسي باعتبارهم “صراصير”، قبل أن تبدأ المجازر التي حصدت نحو 800 ألف إنسان خلال أشهر قليلة. وفي يوغوسلافيا السابقة، سبقت المذابح حملات طويلة من التحريض القومي ونزع الإنسانية عن الخصوم.

وفي سوريا، جرى استخدام القاموس ذاته بأشكال مختلفة: “جراثيم”، “إرهابيون”، “حاضنة”، “بيئة خائنة”، وغيرها من المصطلحات التي لم تكن مجرد شتائم سياسية، بل أدوات نفسية لتسهيل العنف الجماعي وتحويله إلى فعل مقبول داخل البيئة المؤيدة.

لكن المسألة لا تتعلق باللغة وحدها، بل أيضًا بالبنية الأمنية المغلقة التي تمنح الجلاد شعورًا مطلقًا بالإفلات من العقاب. فحين يعيش الضابط أو العنصر سنوات طويلة وهو يرى أن القانون لا يطال أحدًا من أصحاب السلطة، تتآكل داخله الحدود الأخلاقية تدريجيًا. ومع الزمن، يصبح التعذيب أو القتل إجراءً إداريًا اعتياديًا، لا يختلف كثيرًا عن توقيع ورقة أو تنفيذ أمر يومي.

ولهذا السبب تبدو إفادات بعض المتورطين في الجرائم السورية صادمة في برودتها. في كثير من الحالات، لا يظهر الندم الحقيقي، بل يظهر الانزعاج فقط من الوقوع في الأسر أو أمام المحكمة. وكأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها، بل في خسارة الحماية السياسية التي كانت تمنح مرتكبيها شعورًا بالقوة المطلقة.

هذه الظاهرة ليست سورية بالكامل. فبعد الحرب العالمية الثانية، وقف عدد من مسؤولي النظام النازي أمام محاكمات نورمبرغ وهم يكررون العبارة ذاتها تقريبًا: “كنا ننفذ الأوامر”. الفكرة هنا ليست التبرير القانوني فقط، بل محاولة التخلص من المسؤولية الأخلاقية الفردية عبر الذوبان داخل المؤسسة. الإنسان يتحول إلى أداة، والأداة لا تشعر بالذنب لأنها أقنعت نفسها بأنها لا تملك حرية الاختيار.

الفيلسوفة الألمانية حنة آرنت وصفت هذه الحالة بمفهوم “تفاهة الشر”، عندما تابعت محاكمة النازي أدولف أيخمان. فقد بدا الرجل بيروقراطيًا عاديًا أكثر من كونه وحشًا دمويًا. وهنا تكمن الصدمة الحقيقية: الشر لا يرتبط دائمًا بصورة القاتل المجنون، بل قد يظهر أحيانًا عبر موظف هادئ فقد قدرته على التفكير الأخلاقي المستقل.

في التجربة السورية، وعلى مدى سنوات الثورة، يمكن ملاحظة هذا الأمر بوضوح داخل بنية الأجهزة الأمنية. فالكثير من الجرائم لم تكن تصرفات فردية منفلتة، بل جزءًا من منظومة كاملة تعمل بتسلسل إداري واضح: اعتقال، تحقيق، تعذيب، تقارير وفاة مزورة، دفن جماعي، وإخفاء قسري. هذه البيروقراطية المنظمة للعنف تجعل الجريمة تبدو كأنها إجراء مؤسساتي طبيعي، لا فعلًا استثنائيًا يستدعي الصدمة.

الأخطر من ذلك أن استمرار الإفلات من العقاب لعقود طويلة خلق ثقافة سياسية ترى القوة فوق العدالة. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يتحدث بعض المتورطين في الجرائم بثقة علنية، أو أن يظهروا في الإعلام، أو حتى أن يعيشوا حياة طبيعية دون أي شعور بالخجل الاجتماعي. فالسلطة التي تحمي الجريمة لا تكتفي بإخفائها، بل تعيد إنتاجها بوصفها بطولة.

لكن التاريخ يُظهر أيضًا أن هذه العقيدة ليست أبدية. كثير من الأنظمة التي اعتقدت أن القمع سيحميها إلى الأبد انتهت أمام المحاكم أو أمام الانهيار الداخلي. في الأرجنتين، وتشيلي، وصربيا، ورواندا، احتاج الأمر سنوات طويلة، لكن ملفات الجرائم عادت لتُفتح من جديد. العدالة قد تتأخر، لكنها تبقى مرتبطة بذاكرة الضحايا أكثر من ارتباطها بعمر الأنظمة.

وفي سوريا، تبدو المعركة اليوم معركة ذاكرة بقدر ما هي معركة قانون. فالسلطات القمعية تراهن دائمًا على التعب، والنسيان، وتشتيت الضحايا، وتحويل المأساة إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار. بينما تتمسك عائلات المعتقلين والضحايا بفكرة بسيطة لكنها شديدة القوة: لا يمكن بناء مستقبل طبيعي فوق المقابر الجماعية والإنكار الرسمي.

لهذا فإن أهمية المحاكمات الحالية، مهما بدت محدودة أو ناقصة، لا تكمن فقط في الأحكام القضائية، بل في كسر الصورة التي حاولت الأنظمة الأمنية ترسيخها لعقود: صورة الجلاد الذي لا يُسأل. مجرد جلوس المتهم أمام قاضٍ، وسماع أسماء الضحايا علنًا، وتحويل الألم الفردي إلى ملف قانوني موثق، يشكل بحد ذاته تصدعًا في جدار الإفلات من العقاب.

في النهاية، لا يتحول الإنسان إلى جلاد فجأة. المسألة تبدأ غالبًا بفكرة صغيرة: أن الخصم أقل إنسانية، وأن السلطة فوق القانون، وأن الخوف يبرر كل شيء. ومع الزمن، تتحول هذه الأفكار إلى عقيدة كاملة، يصبح فيها القتل واجبًا، والرحمة ضعفًا، والندم خيانة.

وهنا تحديدًا تكمن مأساة سوريا الكبرى: ليس فقط في عدد الضحايا، بل في هذا الخراب الأخلاقي العميق الذي جعل بعض القتلة يتحدثون عن المجازر كما لو أنهم يتحدثون عن تفاصيل إدارية عابرة. حتى بدا الدم تفصيلًا إداريًا، وبدا الإنسان رقمًا فائضًا في حسابات السلطة.

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب