14 يونيو, 2026

من سقوط السلطة إلى تفكيك البنية: ميشيل كيلو وإعادة تعريف الدولة والمثقف

انشغل ميشيل كيلو بالدعوة إلى تأسيس مشروع ثقافي حديث، يستند إلى العقلانية والقيم الكونية المشتركة، ويُمهد لقيام مشروع سياسي ديمقراطي قادر على تمثيل المجتمع وصون حقوق المواطنين في إطار المواطنة المتساوية.

يتناول هذا الملف إشكاليات الدولة والسلطة والتحول السياسي في العالم العربي ضمن مقاربة نقدية ممتدة عبر عقود من التفكير السياسي، تعيد طرح سؤال التغيير في جذوره البنيوية العميقة، لا في مظاهره السياسية المباشرة.
فالإشكال، في هذا السياق، لا يتوقف عند حدود تبدّل الأشخاص أو سقوط الرموز السياسية، بل يتصل بالبنية التي تنتج السلطة وتعيد إنتاجها، بما يجعل أي تحول شكلي قابلاً للارتداد ما لم يطل هذه البنية ذاتها.
في هذا الإطار، يبرز ميشيل كيلو بوصفه أحد أبرز الأصوات الفكرية السورية التي اشتغلت على تفكيك بنية الاستبداد باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجرد سلطة سياسية أو فرد حاكم. وقد ظلّ، قبل عام 2011 وبعده، يركز على فكرة مركزية مفادها أن الأزمة لا تكمن في «رأس السلطة»، بل في البنية التي تنتجه وتعيد إنتاجه باستمرار.
وفي كتاباته وحواراته، ميّز بوضوح بين سقوط السلطة وسقوط النظام، باعتبار الأول حدثاً سياسياً محدوداً، بينما الثاني تحول تاريخي أعمق يتطلب إعادة بناء شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ولمؤسسات الحكم وآليات إنتاج القرار.
ومن هذا المنظور، فإن أي انتقال سياسي حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة، وفصل السلطة عن المجتمع، وإقامة حياة سياسية تعددية تستند إلى الدستور والقانون، لا إلى الولاءات والعلاقات الزبائنية.
كما وجّه نقداً لجزء من المعارضة السورية، حين رأى أن بعض مكوناتها قد يعيد إنتاج أنماط الإقصاء والانقسام ذاتها، بدل تقديم بديل ديمقراطي جامع، محذّراً من أن غياب مشروع وطني جامع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، حتى مع تبدّل الأسماء والواجهات.
وفي رؤيته للديمقراطية، لم تكن مجرد شعار سياسي أو آلية انتخابية، بل مساراً تاريخياً وثقافياً طويلاً يقوم على بناء عقل سياسي جديد، قوامه قبول الاختلاف، واحترام التعدد، وتداول السلطة، وترسيخ استقلال المؤسسات.

وخلاصة هذا التصور أن جوهر الأزمة لا يكمن في تغيير الواجهة السياسية، بل في تفكيك البنية التي تنتج السلطة ذاتها، وإعادة تأسيس المجال السياسي على قواعد الحرية والمواطنة وسيادة القانون.

■ هامش توثيقي

أجريتُ حواراً مع د. ميشيل كيلو قبل نحو 25 عاماً، نُشر ضمن مجلد «جدل الآن» عام 2002، إلى جانب مجموعة من الحوارات والشهادات الاستشرافية. أعمل حالياً على إعادة نشر هذه المواد تباعاً ضمن حلقات متتالية.

■ من أرشيف الحوارات الاستشرافية:

● ميشيل كيلو في مراجعة المفاهيم والمحددات التاريخية

يكتسب هذا الحوار أهمية خاصة لأنه يعود إلى مرحلة سبقت التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين، ويعكس جانباً من النقاشات الفكرية التي كانت تدور حول الدولة والمجتمع والمستقبل السياسي في العالم العربي مطلع الألفية الثالثة.

ومن خلال هذا الحوار الأرشيفي مع الراحل ميشيل كيلو، تتكشف رؤية فكرية سعت إلى تجاوز النقاش السياسي المباشر نحو مساءلة البنى العميقة التي تنتج الاستبداد وتعيد إنتاجه، وتطرح التغيير بوصفه عملية تاريخية تمس الثقافة والسياسة والمجتمع في آنٍ معاً.

ولا تنبع أهمية هذا الحوار من توقيته فحسب، بل أيضاً من الأسئلة التي يطرحها حول دور المثقف، وأزمة الأحزاب، وعلاقة الثقافة بالسياسة، وإشكاليات الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان، وهي أسئلة ما تزال حاضرة بقوة في النقاشات العربية الراهنة.

وفي ما يلي نص الحوار كما نُشر ضمن كتاب «جدل الآن» عام 2002، مع المحافظة على مضمونه وسياقه التاريخي.

 

سلسلة حوارات استشرافية:

ميشيل كيلو في مراجعة المفاهيم والمحددات التاريخية

  • الدولة القومية ألغت فكرة حقوق الإنسان
  • السلطة السياسية يجب أن تتميز في حيّز ثقافي وأن تؤدي وظائفها انطلاقاً من هذا الحيّز، لا أن تحوّل الحيّز الثقافي إلى أداة دعائية أو أداة تابعة لها
  • نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي يؤسس لمشروع سياسي. الأولوية إذن لتأسيس حقل ثقافي مستقل يتسم بالحداثة والعقلانية والديمقراطية، ويقوم على أرضية كونية لا على أرضية ضيقة محلية
  • التيار الإسلامي له مطلبية أو معيارية سياسية، لكنه لا يتمركز حول فكرة العقلانية أو الجدوى أو الكونية أو الديمقراطية

الحوار مع د. ميشيل كيلو يلامس أفكاراً لا تستطيع الخروج إلى الضوء، لا خوفاً من شيء، بل لغياب من يلامسها ويحتضنها لتأخذ طريقها إلى التنفيذ، خصوصاً في ما طرحه حول حقوق الإنسان العربي الغائبة أو المعدومة لا المنتهكة، وكيف تناول د. كيلو الإيديولوجيات من حيث تراكمها وتعميمها وتعصبها، بما لا يخدم سوى القائمين عليها. كما تطرق إلى العمل السياسي وفشله وتراجعه، وهي إشكالية مطروحة اليوم على نطاق واسع، إذ يتفق الجميع على فشل الأحزاب وعقم البرامج التي لا تمسّ الإنسان. لكن عن أي إنسان نتحدث، في وقت لا يرى فيه هذا الإنسان سوى التهميش، وتلقينه دروساً في الذل والقمع، بينما يُطالب في الوقت نفسه باللحاق بركب الثورة المعلوماتية وعولمة الكيانات وتداعياتها على عالم عربي يقف خارجها، متباكياً لا فاعلاً. نحن شعوب تتلقى ولا تنتج. كما خصّ هذا الحوار حيزاً واسعاً للمثقفين العرب وأزمتهم وتراجع دورهم نتيجة خروجهم عن وظيفتهم الطبيعية من الفعل إلى المفعول به.

الحوار مع د. ميشيل كيلو يُمتع القارئ بمتابعته، ليس فقط لتسليط الضوء على المشكلات العديدة التي تناولها، بل لأنه قدم رؤى علمية تتجاوز “الكليشيهات” المعتادة التي نقرأها ونسمعها حول هذه القضايا، بفضل انفتاحه ومنطقه الديمقراطي الحر. كما يحمّل هذا الحوار مسؤولية المشاركة الوطنية والعربية في مواجهة تحديات العصر. وفيما يلي نص الحوار. أحمد سليمان

س: يبدو أن الموروث السياسي في المنطقة العربية مرهون بالمحددات الثقافية والفكرية، خصوصاً مع إقصاء المثقف عن دوره في تطوير البنى الاجتماعية، ونحن على مشارف قرن جديد أكثر عصرنة، بينما يبدو العرب خارج المهام المترتبة عليهم لمواكبة التحولات. د. ميشيل كيلو، كيف تحدد دور المثقف، وماذا يترتب عليه مع مطلع الألفية الثالثة؟

ج: من حيث المهام، لا جديد سوى ضرورة تطوير أنفسنا لكي نلحق بعالم يركض بسرعة. أما من حيث الأهداف، فهناك هدف رئيسي يتمثل في مواءمة أوضاعنا مع متطلبات العصر، ودفع أمتنا إلى حالة من النهوض، وكذلك مجتمعاتنا، وردم الفجوة التي تفصلنا عن العالم، وتحديث دولنا.

وعلى المثقف أن يعمل على تطوير ذاته لمواكبة هذه النقلة النوعية التي يشهدها العالم على مستوى العلم والمعرفة، وما يتفرع عنه من نظريات ورؤى وتطورات فكرية في العصر الجديد الذي دخلنا فيه، ليس نحن وحدنا بل العالم كله.

أعتقد أنه بعد التجربة الأليمة التي مرت بها العلاقة بين السياسة والثقافة في هذه المنطقة، والتي تميزت بأولوية السياسة وتحويل الثقافة إلى حقل هامشي وفقير، ينبغي على المثقف، وهو ما دعوت إليه منذ زمن طويل، أن يؤسس لثقافة مستقلة قائمة بذاتها، يمكن من خلالها بلورة مشروع سياسي عربي جديد.

لقد كان أحد أبرز عيوب المشروع النهضوي العربي أنه تأسس على أسس اجتماعية واقتصادية وسياسية، دون أن يقوم على مشروع ثقافي عميق يغيّر الوعي والفكر ونظرة الأمة إلى ذاتها، ويعيد تعريف موقع الإنسان من العالم ومن نفسه ومن السياسة.

لم تُبنَ الثقافة كحيّز مستقل يمكن أن ينشأ فيه مشروع سياسي عقلاني، بل خضع هذا المشروع لاعتبارات ووظائف أخرى انتهت إلى الفشل.

ومن هنا، ينبغي أن تتلمس الثقافة عالمها الحقيقي، أي عالم الواقع الموضوعي والكون الذي نعيش فيه، وأن تؤسس ضمنه مشتركات ومعايير ونواميس مستقلة عن الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، معايير ليست رأسمالية ولا اشتراكية، بل قابلة لأن تؤسس لفكرة العدالة والديمقراطية، وتبنى عليها مشاريع سياسية. وهذه هي وظيفة المثقف الأساسية اليوم.

س: إذاً، المطلوب قراءة العالم بأعين جديدة. هل ترى أن القرن العشرين شهد مفترقات تاريخية كبرى؟

ج: في القرن العشرين مفترقان أساسيان: الأول هو قيام ثورة اجتماعية في الغرب، داخل النظام الرأسمالي، وقد نشأت في هامشه وأطرافه، في بلد طرفي متخلف هو روسيا، لكنها مثّلت محاولة لتجاوز النموذج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي القائم في المركز، أي الرأسمالية.

هذه المحاولة التاريخية الكبرى انتهت إلى الفشل بعد نحو ثمانين عاماً.

أما المفترق الثاني فهو هذا الفشل نفسه، الذي جعل الرأسمالية تبدو كأنها الثورة الاجتماعية الوحيدة في تاريخ البشرية، وأعاد الاعتبار لدور الطبقة الوسطى باعتبارها قوة تاريخية كبرى.

كنا نعتقد أن الطبقة الوسطى تراجعت لصالح الطبقة العاملة، لكن التجربة أظهرت أن هذا تبسيط شديد. فالطبقة الوسطى هي التي حملت تاريخياً مشاريع التطوير والعقلانية والديمقراطية، في أوروبا ثم في العالم.

وفي حالتنا العربية، كانت المشكلة أن فشل المشروع النهضوي ارتبط بفشل هذه الطبقة الوسطى، إذ لم تكن لدينا برجوازية تقود مشروعاً تاريخياً كبيراً كما في الغرب، ولا طبقة عاملة كما في الشرق، بل طبقة وسطى لم تنجح في أداء هذا الدور، مما خلق حالة من انعدام التوازن.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مأزق مزدوج: فشل في الالتحاق بالرأسمالية المتجددة، وفشل في إنتاج بنية اجتماعية قادرة على قيادة مشروع تحرري.

س: نفهم أن هناك أزمة مزدوجة: فشل داخلي وفشل في الالتحاق بالتطور العالمي. وهناك من يرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطويعاً للعقل وإلغاءً للأفكار.

ج: أعتقد أن العكس هو المطلوب، وليس بالضرورة أنه سيتحقق. ما ينبغي أن يكون ينتمي إلى عالم القيم والأخلاق والفكر التأملي، أكثر مما ينتمي إلى الواقع العملي المباشر.

نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي يؤسس لمشروع سياسي. والأولوية هي لتأسيس حقل ثقافي مستقل، حديث وعقلاني وديمقراطي، قائم على أرضية كونية لا محلية أو جزئية.

وأربط مستقبل العرب بإمكانية بناء هذا الحقل الثقافي المستقل، الذي يمكن أن يشكّل قاعدة لأي مشروع نهضوي حقيقي.

س: ألم تتشكل في العالم العربي تيارات سياسية قادرة على تجاوز الانقسامات؟

ج: لا، لم يحدث ذلك. لدينا تيارات إسلامية وشيوعية وليبرالية وقومية، لكننا لم ننجح في بناء أرضية فكرية تتجاوز هذه الانقسامات.

التيار الإسلامي، مثلاً، يمتلك معيارية سياسية، لكنه لا يقوم على أساس العقلانية أو الكونية أو الديمقراطية.

ما نحتاجه هو أرضية فكرية مشتركة تتجاوز هذه التيارات الجزئية، دون أن تلغيها، بل تتيح لها التفاعل ضمن إطار أوسع يقوم على الحوار والإبداع لا على الإقصاء.

س: هل يدخل ذلك في إطار الإيديولوجيا؟

ج: أنا أميز بين الفكر والإيديولوجيا. الإيديولوجيا، في معناها الأصلي، هي الوعي الزائف بالواقع.

كل فكر يمكن أن يحمل طابعاً إيديولوجياً إذا جُرّد من شروطه الموضوعية وأُطلق على نحو مطلق.

فعندما نقول إن فكرة ما معصومة، أو إن الطبقة العاملة تمثل الحقيقة المطلقة، فإننا ندخل في الإيديولوجيا.

المشكلة في الفكر العربي أنه تحول في كثير من الأحيان إلى فكر إيديولوجي، أي إلى منظومة مغلقة تدّعي امتلاك الحقيقة.

المطلوب هو تفكيك هذا النمط وإعادة بناء الفكر على أساس معرفي عقلاني منفتح، يسمح بالتعدد والاختلاف، ويحمي الفكر من التحول إلى أداة سلطة.

س: كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة؟

ج: يجب أن يكون هناك فصل واضح بين المجال الثقافي والمجال السياسي.

السلطة السياسية تعمل ضمن مجال المصالح، بينما الثقافة تعمل ضمن مجال القيم.

لذلك، يجب أن يحافظ المثقف على استقلاله، وأن يمارس دوره النقدي تجاه السلطة، حتى لو كان متفقاً معها في بعض المواقف.

المثقف الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة دعائية أو جزء من جهاز السلطة، بل أن يبقى في موقع نقدي دائم، لأن وظيفته الأساسية هي حماية القيم.

س: هل يمكن تحقيق مصالحة بين المثقف والسلطة؟

ج: يمكن ذلك بشروط، أهمها ألا يفقد المثقف استقلاله، وأن يحتفظ بدوره كحارس للقيم والحقيقة، لا كمنفذ لسياسات السلطة.

س: هل تتعرض المنطقة العربية لابتزاز باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

ج: نعم، لكن السبب ليس خارجياً فقط. المشكلة الأساسية داخلية، تتمثل في غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لو كانت لدينا أنظمة ديمقراطية حقيقية، لما أمكن ابتزازنا بهذه الشعارات.

الابتزاز يستند إلى نقاط ضعف حقيقية، وليس إلى اختلاق كامل للواقع.

س: كيف تحدد مفهومك للسلطة؟

ج: السلطة في العالم العربي غالباً ما تفتقر إلى معناها الحقيقي، فهي ليست تعبيراً عن مجتمع من الأفراد الأحرار، بل هي سلطة تسلطية.

في غياب المجتمع المدني، لا يمكن الحديث عن دولة بالمعنى الحقيقي، بل عن سلطة جزئية تمارس الهيمنة باسم العموم، لكنها تخدم مصالح ضيقة.

س: هل المثقف العربي تابع للغرب؟

ج: إلى حد كبير، نعم. نحن غالباً نرى أنفسنا إما بعيون غربية مباشرة أو بعيون رافضة للغرب، وفي الحالتين نبقى داخل مرجعية الغرب.

نحن لم ننجح بعد في بناء رؤية مستقلة للذات، ونظل نعرّف أنفسنا من خلال الآخر، سواء بالمحاكاة أو بالرفض.

س: هل فشل الأحزاب مرتبط بغياب المشروع السياسي؟

ج: نعم، إلى حد كبير. الأحزاب العربية انشغلت بالسياسة الضيقة، ولم تربط مشروعها السياسي بمشروع ثقافي أو اجتماعي أو تاريخي أوسع.

وهكذا تحولت السياسة إلى أداة صراع محدود، لا إلى أداة لتحرير الإنسان والمجتمع.

س: هل هناك إمكانية لمشروع سياسي جديد؟

ج: نعم، لكن بشرط وجود جهد ثقافي عميق يسبق السياسي، ويعيد تعريف شروط التقدم والتحرر في ضوء الواقع والتاريخ والبعد العالمي.

س: كيف تلخص أزمة حقوق الإنسان في العالم العربي؟

ج: نحن لا نملك أساساً مفهوماً للإنسان كذات حرة. لذلك، لا يمكن الحديث عن حقوق إنسان بالمعنى الحقيقي.

ما يوجد هو حقوق جزئية ومقيدة، وليست حقوقاً عامة ومؤسسة على فكرة المواطنة والحرية.

س: هل لديك كلمة أخيرة؟

ج: المطلوب هو عقل حديث، لا عقل الآخر فينا. علينا أن ننتج وعياً ينطلق من واقعنا، لا من استنساخ الغرب أو رفضه.

العالم يتغير بسرعة، ومن لا يواكبه سيبقى خارج التاريخ. وفرصتنا ليست في الانغلاق، بل في الانفتاح النقدي وإعادة بناء الذات.

■ استنتاج: إعادة تعريف التغيير السياسي

تقوم هذه الأطروحة على فكرة مركزية مفادها أن الأزمة السياسية في العالم العربي ليست محصورة في السلطة بوصفها رأس النظام، بل في البنية التي تنتجها وتعيد إنتاجها باستمرار، بصرف النظر عن الأشخاص أو الشعارات.

وانطلاقاً من هذا التصور، فإن أي تغيير سياسي يقتصر على استبدال النخب أو إسقاط الرموز يبقى تغييراً سطحياً لا يمس جوهر المشكلة، لأن البنية القائمة قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة حتى مع تبدّل الوجوه.

ومن هنا، فإن الانتقال الحقيقي نحو دولة حديثة لا يتحقق إلا بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة، وفصل السلطة عن أدوات السيطرة، وبناء المجال السياسي على أسس التعددية والقانون لا الولاء.

 

  • أحمد سليمان 
  • مصدر الحوار: مجلد «جدل الآن».

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب