لعبت المنتديات في مرحلة سابقة من تاريخ سوريا دورًا يتجاوز كونها مساحة للنقاش الثقافي أو الاجتماعي، إذ تحولت إلى متنفس محدود داخل بيئة كانت تتشدد فيها القبضة الأمنية، وتتشكل على هامشها محاولات مدنية متفرقة لفتح فضاء عام أكثر اتساعًا، خصوصًا في دمشق وحلب وعدد من المحافظات. ورغم محدودية أثرها البنيوي، فإنها أسست لفكرة أساسية: أن المجتمع قادر، ولو جزئيًا، على إنتاج نقاش عام خارج الأطر الصلبة للسلطة.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين، تبدّل المشهد بصورة عميقة. أنظمة سقطت، ورؤساء غادروا، وأخرى انهارت، فيما برزت كيانات سياسية جديدة ما تزال في طور التشكّل والتجريب، لكنها أكثر تشظيًا وتعقيدًا، وأحيانًا أشد هشاشة وغرابة من سابقاتها. هذا التحول لم يقتصر على البنى الداخلية للدول، بل طال طبيعة الفعل السياسي ذاته، الذي أصبح أكثر ارتباطًا بشبكات النفوذ والمصالح العابرة للحدود.
وفي السياق الإقليمي والدولي، لم تعد القوى الكبرى تتحرك فقط عبر أدواتها التقليدية من دبلوماسية وعلاقات رسمية، بل بات حضورها يتجسد في منظومات نفوذ مركّبة، تتداخل فيها المصالح السياسية بالاقتصادية والأمنية، وتتشابك مع شبكات مالية غير شفافة، تغذي الصراعات وتستفيد من استمرارها. وضمن هذا الواقع، تنشأ فواعل محلية تعمل كواجهات سياسية أو اقتصادية، تستمد قوتها من الدعم الخارجي ومن اقتصاد الحرب، بما في ذلك رؤوس أموال متداولة في بيئات غير شفافة، تتقاطع أحيانًا مع أنشطة الجريمة المنظمة أو اقتصاديات الظل. هذه البنى لا تكتفي بإعادة إنتاج النفوذ، بل تساهم في إعادة تشكيل المجتمعات وفق خطوط انقسام طائفية أو إثنية أو مناطقية، ما يضعف فكرة الدولة الجامعة ويعمّق هشاشة العقد الاجتماعي.
أمام هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحنين إلى أشكال سابقة من العمل العام: هل يمكن لإحياء تجربة المنتديات، في زمن الاصطفافات الحادة والموجّهة، أن يشكل مدخلًا حقيقيًا لإعادة بناء الفضاء العام وتصحيح المسار السياسي؟ أم أن المرحلة تتطلب انتقالًا أعمق نحو أطر تنظيمية أكثر فاعلية، كالأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، القادرة على التمثيل والتأثير وصياغة بدائل واضحة، بدل الاكتفاء بالنقاش المفتوح غير المُلزم؟
إن المسألة في جوهرها ليست مقارنة بين أدوات تنظيمية مختلفة، بل هي سؤال عن طبيعة الفعل المدني ذاته: هل يظل في حدود إنتاج الوعي وتوسيع النقاش العام، أم ينتقل إلى مستوى التنظيم والقدرة على الفعل والتغيير داخل بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها السلطة المحلية مع شبكات النفوذ الإقليمي والدولي، وتتآكل فيها الحدود بين السياسة والاقتصاد والأمن؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
https://opl-now.org/

المزيد من المواضيع
تحالف دولي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان… لا توريط سوريا في حرب منفردة
ترخيص المظاهرات في سوريا: أين تنتهي مسؤولية المنظمين؟
قانون وكرامة أم تخوين ووصاية؟ مطالب مدنية… وردود رافضة