12 يونيو, 2026

تحالف دولي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان… لا توريط سوريا في حرب منفردة

ليس مقبولاً أن تتحمل سوريا وحدها أعباء مواجهة مشروع إقليمي تقوده إيران

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة قد تكون الأكثر أهمية منذ عقود. فالحروب والصراعات التي أعادت رسم خرائط النفوذ خلال السنوات الماضية دفعت العديد من الدول إلى مراجعة حساباتها الأمنية والاستراتيجية، فيما تتسارع الجهود الإقليمية والدولية لبناء توازنات جديدة تختلف عن تلك التي سادت المنطقة منذ مطلع الألفية الحالية.

وفي قلب هذه التحولات يبرز الملف اللبناني بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فلبنان لا يواجه فقط أزمات اقتصادية وسياسية داخلية متراكمة، بل يقف أيضاً عند تقاطع صراعات إقليمية تتجاوز حدوده الجغرافية. ويأتي سلاح حزب الله ودوره الإقليمي في صدارة هذه الملفات، باعتباره أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المشرق العربي خلال العقود الماضية.

وخلال الأيام الأخيرة تصاعدت النقاشات حول مستقبل هذا الواقع، وحول إمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون عنوانها إنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية وتقليص النفوذ العسكري الإيراني داخل لبنان. ومع اتساع هذه النقاشات برزت دعوات تدعو إلى دور سوري مباشر في مواجهة حزب الله، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي السوري وبالدور الذي لعبه الحزب خلال سنوات الحرب السورية.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى خطورة حزب الله على سوريا أو لبنان، بل بطبيعة المقاربة المطلوبة لمعالجة هذا الملف. فهل من المنطقي أن تتحمل سوريا وحدها أعباء مواجهة مشروع إقليمي يرتبط بإيران وشبكة واسعة من الحلفاء والامتدادات؟ أم أن التحدي المطروح يتطلب إطاراً دولياً وإقليمياً أوسع، يشبه من حيث المبدأ التحالفات التي تشكلت سابقاً لمواجهة التهديدات العابرة للحدود؟

تزداد أهمية هذا السؤال في اللحظة الراهنة تحديداً، لأن سوريا تقف أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث. فبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام، باتت الأولوية الوطنية تتمثل في ترسيخ الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة ملايين السوريين إلى حياتهم الطبيعية. كما أن أي سلطة تسعى إلى بناء دولة مستقرة وقادرة لا يمكنها تجاهل حقيقة أن النجاح في مرحلة ما بعد الحرب يقاس بقدرتها على تثبيت السلم الأهلي واستعادة وظائف الدولة، لا بفتح جبهات جديدة قد تستنزف البلاد سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

●من دعم الأسد إلى تهديد الاستقرار الإقليمي:

يصعب فصل النقاش الحالي عن الدور الذي لعبه حزب الله في سوريا خلال السنوات الماضية. فقد كان الحزب أحد أبرز القوى العسكرية التي تدخلت إلى جانب نظام بشار الأسد، وشارك في معارك مفصلية على الأراضي السورية، كما ارتبط اسمه بالمجازر والانتهاكات الواسعة التي شهدتها مناطق سورية مختلفة خلال سنوات الحرب، وأسهم بصورة مباشرة في ترجيح موازين القوى لصالح النظام السابق في مراحل عديدة من الصراع.

وبالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، لا يُنظر إلى هذا الدور باعتباره مجرد موقف سياسي أو تحالف عسكري عابر، بل باعتباره جزءاً من المأساة التي عاشتها البلاد، ومن الصراع الذي دفع السوريون أثمانه الباهظة على مدى أكثر من عقد من الزمن.

كما أن المخاوف السورية لا تقتصر على ذاكرة الحرب وما خلفته من جراح عميقة، بل تمتد إلى التحديات الأمنية الراهنة المرتبطة بالحدود السورية اللبنانية. فسنوات الصراع الطويلة أفرزت شبكات تهريب معقدة ومسارات عبور غير شرعية استُخدمت لنقل السلاح والمقاتلين والبضائع غير المشروعة، ما جعل أمن الحدود أحد الملفات الحساسة بالنسبة للدولة السورية.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بحجم هذه التهديدات لا يقود بالضرورة إلى استنتاج مفاده أن سوريا يجب أن تخوض وحدها مواجهة مفتوحة مع حزب الله أو مع النفوذ الإيراني في لبنان، لأن معالجة تحدٍ بهذا الحجم تتجاوز قدرات دولة واحدة وتتطلب مقاربة إقليمية ودولية أوسع.

●خطأ زجّ سوريا وحدها في مسؤولية المواجهة:

تكمن المشكلة الأساسية في أن الملف المطروح لا يتعلق بتنظيم محلي معزول، بل بمكون رئيسي ضمن شبكة نفوذ إقليمية مرتبطة مباشرة بإيران.

وخلال العقود الماضية، لم تتمكن قوى إقليمية ودولية كبرى من إنهاء هذا النفوذ بصورة منفردة، رغم امتلاكها قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة. ولذلك يبدو من غير الواقعي افتراض أن سوريا، الخارجة من حرب مدمرة وما تزال تواجه تحديات داخلية ضخمة، قادرة على تحمل أعباء مواجهة بهذا الحجم بمفردها.

بل إن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في استنزاف سوريا مجدداً وإدخالها في صراع طويل الأمد، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى توجيه مواردها نحو إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار.

●دروس الحرب على داعش:

عندما تمدد تنظيم داعش في سوريا والعراق عام 2014، لم تُترك الدول المتضررة لتواجه التهديد منفردة. فقد تشكل تحالف دولي واسع شاركت فيه عشرات الدول، وتكاملت فيه الأدوار العسكرية والأمنية والسياسية والاستخباراتية.

ورغم الاختلاف الواضح بين طبيعة داعش وطبيعة النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن الدرس الاستراتيجي يبقى واحداً: التهديدات العابرة للحدود لا تُعالج عبر دولة واحدة، بل من خلال تحالفات واسعة تتقاسم المسؤوليات والأعباء والنتائج.

ومن هنا، فإن أي مشروع جدي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان أو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية يجب أن يُنظر إليه باعتباره مسؤولية جماعية، لا مهمة سورية منفردة.

●نحو إطار إقليمي جديد:

إذا كان المجتمع الدولي يرى أن استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة اللبنانية يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي، فإن المنطق يقتضي إنشاء إطار دولي وإقليمي واسع يضم الدولة اللبنانية والدول العربية المعنية والقوى الدولية المؤثرة.

كما أن أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد لن تكون قابلة للحياة إذا تجاهلت الأطراف المتأثرة مباشرة بالوضع الأمني القائم، بما في ذلك لبنان وسوريا وإسرائيل.

ولا يعني ذلك بالضرورة بناء تحالفات سياسية دائمة أو تجاوز الخلافات التاريخية العميقة، بل الاعتراف بأن الأمن الإقليمي أصبح مترابطاً إلى درجة تجعل من الصعب معالجة أي أزمة كبرى بمعزل عن الأطراف المعنية بها.

وقد يشكل التعاون في مواجهة مصادر التهديد المشتركة فرصة لفتح مرحلة جديدة من العلاقات الطبيعية بين دول الجوار، تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتخلي عن سياسات الحروب بالوكالة التي استنزفت شعوب المنطقة لعقود طويلة.

●حماية سوريا لا تكون بحرب جديدة بل بترسيخ السلام:

من حق سوريا أن تدافع عن حدودها، وأن تمنع تهريب السلاح والمقاتلين، وأن تتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنها القومي ومؤسساتها واستقرارها الداخلي.

لكن من حق السوريين أيضاً ألا يجدوا أنفسهم مجدداً في قلب حرب جديدة تُفرض عليهم تحت عناوين مختلفة.

إن التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم ليس كيفية خوض حرب جديدة، بل كيفية تجنبها مع الحفاظ على أمنها الوطني. أما إذا كان المجتمع الدولي مصمماً على معالجة ملف النفوذ العسكري الإيراني في لبنان، فإن هذه المهمة يجب أن تكون مسؤولية جماعية ضمن تحالف دولي وإقليمي واضح الأهداف والالتزامات، لا مغامرة تُترك سوريا وحدها لتحمل تكاليفها ونتائجها.

فالدول تُبنى بالاستقرار، لا بالحروب الدائمة، والسلام الدائم لا يتحقق عبر نقل الصراع من ساحة إلى أخرى، بل عبر بناء منظومة إقليمية جديدة تقوم على سيادة الدول واحتكارها للسلاح ومنع تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي

المنشورات

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب