29 مايو, 2026

الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه أنقرة

كيف غرقت القرى بصورة مفاجئة رغم أن تركيا تدير عمليًا حركة المياه منذ الثمانينات عبر منظومات تخزين وتصريف متطورة لم تُعرف سابقًا بأنها تسببت بكوارث مشابهة؟


ليست الكارثة دائمًا نتيجة الطبيعة وحدها. أحيانًا تكون نتيجة تراكم طويل من السيطرة والتحكم وإدارة الموارد بمنطق القوة لا بمنطق الشراكة.
وفي الشرق الأوسط، لم تكن المياه يومًا مجرد مورد طبيعي عابر، بل تحولت منذ عقود إلى عنصر نفوذ سياسي واقتصادي وأمني، تستخدمه الدول ضمن حسابات المصالح والصراعات الإقليمية.
ومع الفيضانات الأخيرة التي ضربت القرى السورية المتاخمة لنهر الفرات، عادت أسئلة قديمة إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة: كيف يمكن لنهر يخضع منذ عقود لمنظومة ضخ وتنظيم دقيقة عبر شبكة سدود تركية عملاقة أن يتحول فجأة إلى مصدر كارثة بهذا الحجم؟ وكيف غرقت عشرات القرى بصورة مفاجئة رغم أن تركيا تدير عمليًا حركة المياه منذ الثمانينات عبر منظومات تخزين وتصريف متطورة لم تُعرف سابقًا بأنها تسببت بكوارث مشابهة؟
السؤال هنا لا ينطلق من خيال سياسي أو روايات شعبوية، بل من وقائع معروفة. فمنذ عقود تبني تركيا سدودًا ضخمة على نهري الفرات ودجلة، وتتحكم بمنابع المياه القادمة إلى سوريا والعراق، ضمن مشروع استراتيجي ضخم منحها قدرة شبه كاملة على تنظيم التدفقات المائية وفق احتياجاتها الاقتصادية والزراعية والكهربائية.
ولذلك فإن ما حدث مؤخرًا لا يبدو بالنسبة لكثيرين مجرد حادث تقني عابر، بل تطور يفرض تساؤلات سياسية وإنسانية حقيقية، خاصة بعدما تحولت المياه خلال ساعات إلى كارثة أودت بحياة مدنيين وأغرقت قرى ومناطق زراعية كاملة في بيئة أصلًا تعاني هشاشة اقتصادية وخدمية هائلة.

●من جبال آرارات تبدأ السيطرة:
تبدأ قصة الفرات من المرتفعات التركية الشرقية، ولا سيما المناطق المحيطة بجبال آرارات، حيث تتشكل الروافد الأساسية للنهر قبل أن تعبر إلى سوريا ثم العراق.
هذه الجغرافيا منحت تركيا أفضلية استراتيجية استثنائية، لأنها تتحكم بدولة المنبع، بينما تبقى سوريا والعراق في موقع التلقي والتأثر.
فالفرات يتكون أساسًا من التقاء نهري مراد صو وقره صو داخل الأراضي التركية، ما يجعل أنقرة صاحبة اليد العليا في إدارة المورد المائي الأهم بالنسبة لملايين السكان في دول المصب.
ومنذ سنوات طويلة، لم تنظر تركيا إلى هذه الأفضلية باعتبارها مسؤولية مشتركة تجاه المنطقة، بل تعاملت معها بوصفها عنصرًا من عناصر السيادة والنفوذ السياسي. ولهذا رفضت مرارًا توصيف الفرات كنهر دولي، وفضّلت استخدام تعبير “المياه العابرة للحدود”، وهو توصيف يمنحها مساحة أوسع للتحكم القانوني والسياسي بالتدفقات المائية.

●اتفاقية الضخ… تفاهم هش
في عام 1987 وقّعت سوريا وتركيا اتفاقية مؤقتة تعهدت فيها أنقرة بتمرير حد أدنى من مياه الفرات إلى سوريا يُقدّر بنحو 500 متر مكعب في الثانية.
وفيما بعد جرى تقاسم جزء من هذه الحصة مع العراق ضمن تفاهمات ثنائية.
لكن الاتفاقية لم تُنهِ المشكلة فعليًا، بل بقيت أقرب إلى تفاهم سياسي هش، لأن الخلاف الأساسي ظل قائمًا حول مفهوم الحقوق المائية وآليات التحكم والتوزيع.
وعلى امتداد العقود الماضية، اشتكت دمشق أكثر من مرة من انخفاض كميات المياه الواردة، خصوصًا خلال فترات ملء السدود التركية أو عند حدوث أزمات سياسية بين البلدين. كما ظهرت اتهامات متكررة لأنقرة باستخدام المياه كورقة ضغط مرتبطة بالملفات الأمنية والحدودية والإقليمية.
ولم تبقِ هذه الخلافات في الإطار النظري، بل انعكست مباشرة على الزراعة السورية، وعلى منسوب بحيرة الأسد، وعلى إنتاج الكهرباء، وعلى الأمن الغذائي لمناطق واسعة شرق البلاد.

●إمبراطورية السدود:
منذ الثمانينات أطلقت تركيا مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف باسم “GAP”، وهو أحد أكبر المشاريع المائية في العالم، ويشمل بناء عشرات السدود ومحطات الطاقة الكهرومائية على نهري الفرات ودجلة.
ومن أبرز هذه السدود:

1.سد أتاتورك
2.سد كيبان
3.سد قره قايا
4.سد إليسو
5.سد بيراجيك
6.سد كركميش

هذه السدود لم تكن مجرد منشآت تنموية، بل أعادت رسم ميزان القوة المائية في المنطقة بالكامل.
فمع كل سد جديد ازدادت قدرة أنقرة على التحكم بالتدفقات، سواء عبر التخزين أو توقيت الضخ أو إعادة توزيع المياه بما يخدم مشاريعها الزراعية والاقتصادية.
وفي المقابل أصبحت سوريا أكثر هشاشة أمام أي تغيير مفاجئ في منسوب المياه، سواء كان سببه الجفاف أو القرارات السياسية أو الإدارة التقنية للسدود.
ورغم كل الخلافات السابقة، كان يُطرح دائمًا أن منظومة السدود التركية قائمة أساسًا على التنظيم ومنع الفيضانات. وهنا تحديدًا يظهر السؤال الأخطر: إذا كانت هذه السدود تتحكم بدقة بحركة المياه منذ عقود، فكيف حدثت الفيضانات المفاجئة بهذا الشكل الكارثي؟

●حقوق الدول المتشاطئة
تبدأ واحدة من أخطر الإشكاليات في ملف الفرات من الخلاف القانوني حول طبيعة النهر نفسه. فبينما تعتبر سوريا والعراق أن الفرات نهر دولي يخضع لقواعد التقاسم العادل والالتزامات المشتركة بين الدول المتشاطئة، تصرّ تركيا منذ عقود على وصفه بأنه “مياه عابرة للحدود” لا “نهرًا دوليًا” بالمعنى القانوني الكامل.
هذا الخلاف لم يبقِ قانونيًا فقط، بل تحول إلى أداة فعلية للتحكم بالمياه. فأنقرة تعتبر أن لها حق السيادة الواسع على الموارد المائية التي تنبع من أراضيها، وبالتالي ترى أن إدارة التخزين والتصريف شأن سيادي يرتبط بمصالحها الاقتصادية والزراعية والكهربائية.
وتزداد حساسية هذا الجدل إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن الروافد الأساسية للفرات تنحدر من المرتفعات الشرقية في تركيا قرب منطقة جبال آرارات والهضبة الأرمنية، قبل أن تعبر إلى سوريا ثم العراق. وهذا الواقع الجغرافي منح أنقرة قدرة استراتيجية هائلة على التحكم بإيقاع المياه عبر شبكة السدود العملاقة التي بنتها منذ الثمانينات ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول.
ولهذا تحديدًا تبدو الفيضانات الأخيرة مثار تساؤلات واسعة. فالروايات التركية المعتادة تتحدث غالبًا عن الأمطار الغزيرة أو الحاجة التقنية لتصريف الضغط عن السدود، لكن النقطة الأكثر حساسية أن هذه السدود أُنشئت أساسًا لتنظيم التدفقات ومنع الفيضانات، لا للتسبب بها.
ومن هنا يظهر السؤال الذي يصعب تجاهله: كيف حدث هذا الضخ المفاجئ الذي أدى إلى غرق قرى ومناطق واسعة في الجانب السوري، رغم وجود واحدة من أكثر منظومات التحكم المائي تطورًا في المنطقة؟
السؤال هنا لا يعني توجيه اتهام قانوني مباشر بوجود تعمد مثبت، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى تحقيقات فنية مستقلة وشفافة، لكنه في المقابل يضع المسؤولية السياسية والأخلاقية على الجهة التي تمتلك السيطرة الكاملة على حركة المياه.
كما أن غياب المعلومات التفصيلية يزيد من مساحة الشكوك، خاصة مع عدم وضوح حجم التصريف الحقيقي، وتوقيت زيادة التدفقات، وطبيعة التحذيرات المسبقة، وآليات التنسيق مع المناطق السورية المتضررة.
ولهذا لا تبدو القضية بالنسبة لكثيرين مجرد حادث تقني أو مناخي معزول، بل جزءًا من ملف إقليمي بالغ الحساسية، تتحول فيه المياه تدريجيًا من مورد طبيعي مشترك إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي تتحكم بمصير ملايين البشر في دول المصب.

●الكارثة التي تفرض الأسئلة:
ما حدث مؤخرًا لا يمكن عزله عن واقع أن تركيا هي الجهة التي تدير عمليًا إيقاع الفرات. ولذلك فإن أي ضخ مفاجئ أو ارتفاع غير اعتيادي في منسوب المياه يفرض تلقائيًا مسؤولية سياسية وتقنية على الجهة التي تتحكم بالمنابع والسدود.
ومن حق الرأي العام أن يسأل:
هل جرى رفع كميات التصريف بصورة مفاجئة؟
هل كانت هناك تحذيرات مسبقة كافية؟
هل تم التنسيق مع الجهات المحلية في المناطق السورية المتضررة؟
ولماذا تحولت المياه خلال وقت قصير إلى موجة أغرقت القرى والمزارع وأوقعت ضحايا؟
هذه ليست أسئلة تحريضية، بل استفسارات طبيعية في كارثة إنسانية بهذا الحجم، خصوصًا أن المنطقة تخضع أصلًا لمنظومة مائية شديدة التنظيم والدقة.
كما أن حساسية الملف تزداد لأن المياه في الشرق الأوسط لم تعد مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى عنصر نفوذ سياسي واقتصادي. ولهذا لا تبدو الشكوك الحالية منفصلة عن تاريخ طويل من التوترات حول ملف الفرات.

●ذاكرة سورية مثقلة بالعطش:
بالنسبة للسوريين، لا يمثل الفرات مجرد نهر عابر، بل شريان حياة اقتصادي واجتماعي وتاريخي.
وعلى ضفافه نشأت مدن وقرى ومجتمعات تعتمد عليه في الزراعة والطاقة والصيد والحياة اليومية.
ولهذا فإن أي تغير مفاجئ في منسوب المياه يتحول مباشرة إلى أزمة معيشية وإنسانية.
وعلى مدار السنوات الماضية، واجهت سوريا مشكلات متكررة مرتبطة بانخفاض الوارد المائي، وتراجع مستوى بحيرة الأسد، وضعف إنتاج الكهرباء، إضافة إلى خسائر زراعية واسعة في مناطق الجزيرة والرقة ودير الزور.
ثم جاءت الحرب السورية لتضاعف حجم الكارثة، بعدما تعرضت البنية التحتية للتدمير، وأصبحت قدرة المؤسسات المحلية على إدارة الأزمات والكوارث محدودة للغاية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن أي فيضان مفاجئ لا يبقى مجرد حادث طبيعي، بل يتحول إلى مأساة مضاعفة تصيب مناطق أصلًا تعيش تحت ضغط اقتصادي وخدمي خانق.

●من يتحكم بالمياه يتحكم بالقرار:
المشكلة الحقيقية لا تتعلق فقط بحادثة الفيضانات الأخيرة، بل بطبيعة العلاقة غير المتوازنة التي فرضها ملف المياه خلال العقود الماضية.
فعندما تمتلك دولة واحدة القدرة شبه الكاملة على التحكم بمنابع نهر حيوي لدول أخرى، فإن المياه تتحول تلقائيًا إلى أداة نفوذ سياسي.
ومن هنا تبدو المخاوف الحالية مرتبطة أيضًا بما هو أبعد من الكارثة نفسها. فهناك تساؤلات تتعلق بإمكانية استخدام الأزمات المائية لإعادة تشكيل النفوذ داخل ملف السدود السورية، أو فرض أدوار تقنية وإشرافية مرتبطة بإدارة الموارد المائية مستقبلًا عبر خبراء أو شركات ذات صلة بالجانب التركي.
قد لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود ترتيبات من هذا النوع، لكن مجرد طرح هذه الأسئلة يعكس حجم انعدام الثقة الذي تراكم عبر سنوات طويلة من التوترات حول الفرات.
والأهم أن تركيا، بحكم سيطرتها التقنية والتنظيمية الكاملة على تدفق المياه، لا تستطيع التنصل من مسؤولية تفسير ما حدث للرأي العام، خاصة أن منظومة السدود التي تديرها لم تُبنَ فقط لتخزين المياه، بل أيضًا لمنع الكوارث وتنظيم الضخ بصورة دقيقة.

●عندما تصبح الأنهار أوراق ضغط:
الفيضانات الأخيرة ليست مجرد حادث عابر، بل إنذار جديد بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة أكثر حساسية في الصراع على الموارد.
فالمياه باتت اليوم جزءًا من معادلات النفوذ الإقليمي، وربما أخطر من كثير من الملفات العسكرية والسياسية التقليدية.
ولا أحد يستطيع قانونيًا الجزم بأن ما حدث كان “مدبرًا” دون تحقيقات فنية مستقلة وشفافة، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل حقيقة أساسية: الجهة التي تتحكم بالسدود والمنابع والتصريف تتحمل بطبيعة الحال المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أي ضخ مفاجئ وغريب يؤدي إلى كارثة إنسانية بهذا الحجم.
ولهذا فإن ما ينتظره السوريون اليوم ليس بيانات عامة أو تبريرات تقنية مبهمة، بل توضيحات شفافة حول أسباب الكارثة، وآليات الضخ التي سبقتها، وحقيقة ما جرى خلف بوابات السدود.
لأن الشعوب التي عاشت سنوات طويلة تحت ضغط العطش والتحكم بالمياه، لن تنظر إلى الفيضانات باعتبارها مجرد حادث طبيعي بريء، بل كحدث سياسي بامتياز، خاصة عندما تتحول الأنهار إلى أدوات نفوذ، وتصبح المياه نفسها جزءًا من لعبة القوة في المنطقة.

أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي

opl-now.org

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب