حين تقول ناشطة سياسية سورية، خلال بث مباشر، إنها «مكلفة من الحكومة السورية بإدارة الجالية السورية في ألمانيا على المنصات الرقمية»، ثم تتحدث عن امتلاك معلومات وعناوين وأرقام أشخاص، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلاف سياسي على وسائل التواصل الاجتماعي، ويفتح بابًا لأسئلة تتعلق بطبيعة هذا التكليف وحدوده.
ميسون بيرقدار ناشطة سورية معروفة منذ سنوات الثورة، وكان لها حضورها ومواقفها الخاصة خلال تلك المرحلة. ومن حقها، مثل أي مواطن، أن تغير موقفها السياسي أو أن تؤيد الحكومة السورية الجديدة أو تنتقد خصومها.
لكن عندما يترافق الموقف السياسي مع إعلان عن تكليف رسمي من حكومة سورية بمهمة تتعلق بالجالية السورية في ألمانيا، فإن من المشروع طرح أسئلة حول طبيعة هذه المهمة: هل هي مهمة إعلامية وتواصلية فقط؟ أم تتضمن متابعة أشخاص ومعلومات عنهم؟ وهل الحديث عن «المراقبة» يتعلق بالمعارضين السياسيين عمومًا، أم بأشخاص من بقايا النظام الأسدي السابق؟
هذه التفرقة أساسية قبل إصدار أي حكم.
● التصريح موجود، لكن ماذا كان المقصود؟
بحسب البث المباشر المتداول، أعلنت ميسون بيرقدار بالفعل عن تكليفها من الحكومة السورية، وتحدثت عن معلومات موجودة لدى السفارة، وعن عناوين وأرقام قالت إنها تحت تصرفها.
وعليه، لم تعد المسألة تتعلق بمنشور مجهول المصدر نبحث عن صحة نسبته إليها، وإنما بتصريح صدر عنها في بث مباشر.
لكن يبقى السؤال الأهم متعلقًا بسياق التصريح ومقصوده.
فإذا كانت تقصد بالتهديد أو المتابعة أشخاصًا من بقايا النظام الأسدي السابق، أو من يُشتبه بارتكابهم جرائم أو بالمشاركة في أعمال قمع وعنف، فإن ذلك يختلف جذريًا عن استهداف المعارضين السياسيين لمجرد معارضتهم للحكومة السورية.
ومن غير المنهجي وضع الفئتين في خانة واحدة.
● المعارض السياسي ليس هو «فلول الأسد»
السوري الذي يعارض الحكومة السورية الجديدة ويمارس نشاطه السياسي بصورة سلمية لا يرتكب جريمة لمجرد معارضته.
وفي المقابل، فإن الشخص الذي يُشتبه بارتكابه جرائم خلال عهد النظام السابق لا يصبح معارضًا سياسيًا لمجرد أنه يرفع هذا الوصف عن نفسه.
إذا كانت هناك أدلة على ارتكاب جرائم، فالمطلوب هو التحقيق والمساءلة.
وإذا كانت هناك معلومات جدية عن شخص يشكل خطرًا أمنيًا، فهذه المعلومات ينبغي أن تصل إلى الجهات المختصة.
لكن المعيار في الحالتين يجب أن يكون الفعل والأدلة والقانون، لا التصنيف السياسي وحده.
● من يملك صلاحية المراقبة داخل ألمانيا؟
هنا تقع المسألة الأساسية.
إذا كان المقصود مراقبة أشخاص موجودين في ألمانيا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بموقف الحكومة السورية أو بموقف ميسون بيرقدار، وإنما بطبيعة الاختصاص داخل الأراضي الألمانية.
ألمانيا دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها الأمنية والقضائية المختصة. والجنسية الألمانية تمنح صاحبها حقوقًا سياسية ومدنية، لكنها لا تمنحه صلاحيات أمنية على الآخرين.
وبالمثل، فإن تكليفًا صادرًا عن حكومة أجنبية لا يتحول تلقائيًا إلى صلاحية قانونية داخل ألمانيا.
ومن حق ميسون بيرقدار، بصفتها مواطنة ألمانية، أن تؤيد الحكومة السورية وأن تنتقد معارضيها وأن تمارس نشاطًا سياسيًا وإعلاميًا، ما دام ذلك ضمن القانون.
لكن النشاط السياسي شيء، وممارسة وظيفة أمنية أو جمع معلومات عن أشخاص ومراقبتهم شيء آخر.
● إذا كان المقصود بقايا النظام السابق، فالمسألة لا تصبح أبسط
من الخطأ أن يؤدي رفض مراقبة المعارضين السياسيين إلى حماية أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم.
فإذا كان هناك سوريون في ألمانيا ارتبطوا بأجهزة النظام السابق، أو توجد بحقهم شبهات جدية تتعلق بجرائم أو أعمال عنف أو نشاطات أمنية غير مشروعة، فإن التعامل مع هذه الحالات مشروع من حيث المبدأ، بل قد يكون ضروريًا عندما تتوافر أدلة جدية.
لكن الجهة التي تتحقق من ذلك ليست ناشطًا سياسيًا، ولا جهة سورية غير واضحة الصفة داخل ألمانيا.
إذا كانت هناك معلومات عن جريمة، فالمسار الطبيعي هو إبلاغ السلطات الألمانية المختصة، وهي التي تملك أدوات التحقيق والتحقق واتخاذ الإجراءات القانونية.
وهذا لا يعني حماية «فلول الأسد»، بل يعني أن ملاحقة الجرائم يجب أن تتم عبر القانون، لا عبر آليات سياسية موازية.
● ماذا تعني عبارة «معلوماتكم بالسفارة»؟
الجزء الأكثر حساسية في التصريح هو الحديث عن المعلومات والعناوين والأرقام.
هنا يجب التمييز بين أمرين.
إذا كانت المقصودة معلومات عامة أو بيانات متاحة بصورة قانونية، فهذه مسألة.
أما إذا كان الحديث عن بيانات شخصية حصلت عليها جهة ما بحكم موقعها أو علاقتها بمؤسسة رسمية، ثم تُستخدم لمتابعة أشخاص أو الضغط عليهم بسبب مواقفهم السياسية، فهذه مسألة مختلفة تمامًا.
ولا يمكن من العبارة وحدها إثبات وجود مخالفة قانونية، لكن من حق الجمهور أن يسأل: ما طبيعة هذه المعلومات؟ من أين جاءت؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ ولأي غرض تستخدم؟
هذه ليست أسئلة شخصية موجهة إلى ميسون بيرقدار وحدها، بل أسئلة يجب طرحها على أي جهة تدعي امتلاك بيانات شخصية عن مواطنين أو مقيمين في ألمانيا.
● هل نحن أمام تمثيل إعلامي أم وظيفة أمنية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر وضوحًا في القضية.
إدارة منصات رقمية والتواصل مع السوريين في ألمانيا يمكن أن تكون مهمة سياسية أو إعلامية.
أما مراقبة الأشخاص، وجمع معلومات عنهم، وتصنيفهم بحسب مواقفهم السياسية، فهذه وظيفة مختلفة تمامًا.
وحتى لو كان الهدف هو ملاحقة أشخاص مرتبطين بالنظام السابق، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى وجود إطار قانوني واضح.
فالفرق كبير بين أن تقول: «لدينا معلومات عن شخص ونريد إيصالها إلى السلطات المختصة»، وبين أن تقول: «لدينا عناوينه وأرقامه ونقوم بمتابعته».
الأول يمكن أن يكون تعاونًا مشروعًا مع السلطات.
أما الثاني فيحتاج إلى معرفة من يملك الصلاحية القانونية للقيام به.
● المعيار نفسه يجب أن ينطبق على الجميع
المشكلة هنا ليست في الدفاع عن المعارضين، ولا في حماية أشخاص من النظام السابق.
المشكلة في أن يتحول الخلاف السياسي إلى معيار لتحديد من يستحق المراقبة ومن يستحق الحماية.
من حق ميسون بيرقدار أن تؤيد الحكومة السورية.
ومن حق السوري في ألمانيا أن يعارضها.
ومن حق الدولة الألمانية أن تحقق في الجرائم التي تقع ضمن اختصاصها.
ومن حق ضحايا النظام السابق أن يروا المسؤولين عن الجرائم يخضعون للمحاسبة.
لكن لا ينبغي أن تختلط هذه الحقوق والاختصاصات ببعضها.
المعارضة ليست جريمة، والاشتباه بارتكاب جريمة ليس موقفًا سياسيًا، والملاحقة الأمنية ليست وظيفة ناشط سياسي.
● لا يتعلق الأمر بتاريخ ميسون بيرقدار
من الإنصاف أيضًا ألا يتحول هذا النقاش إلى محاكمة شخصية لميسون بيرقدار.
تاريخها في الثورة السورية معروف، وتغييرها لمواقفها السياسية لا يلغي حقها في المشاركة السياسية، كما أن مواقفها الحالية لا ينبغي أن تكون سببًا للتشهير بها أو إطلاق أوصاف أمنية عليها دون دليل.
وفي المقابل، فإن تاريخها السابق لا يمنع مساءلة التصريحات التي تصدر عنها اليوم.
المطلوب ببساطة هو معرفة طبيعة الدور الذي أعلنت عنه: هل هو دور إعلامي وتواصلي؟ وهل يوجد تكليف رسمي واضح؟ وما حدود هذا التكليف؟ وهل يتضمن فعلًا جمع معلومات أو متابعة أشخاص؟
وإذا كان المقصود أشخاصًا من بقايا النظام السابق، فالسؤال يصبح أكثر تحديدًا: هل يتم التعامل مع هذه المعلومات عبر السلطات الألمانية المختصة، أم عبر آلية موازية؟
● السؤال الأكبر: كيف تتعامل سوريا الجديدة مع مواطنيها في الخارج؟
القضية في جوهرها أكبر من ميسون بيرقدار.
إذا كانت الحكومة السورية الجديدة تريد بناء علاقة طبيعية مع السوريين في أوروبا، فإن الطريق الأفضل هو المؤسسات الرسمية، والقنوات الدبلوماسية، والشفافية في تحديد مهام الأشخاص الذين يعملون باسمها.
أما السوريون في ألمانيا، فهم ليسوا جالية تحت وصاية سياسية واحدة.
بينهم مؤيدون للحكومة السورية، ومعارضون لها، ومستقلون، وأشخاص لا يريدون الدخول في السياسة أصلًا. وبينهم أيضًا من قد تكون له صلات بالنظام السابق، وربما من ارتكب جرائم تستحق التحقيق والمحاسبة.
لكن التعامل مع كل هذه الحالات يجب أن يخضع لمعيار واحد: القانون والأدلة، لا الولاء السياسي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق الإجابة ليس فقط: هل ميسون بيرقدار مكلّفة بمراقبة المعارضين؟
بل أيضًا: ما طبيعة التكليف الذي أعلنت عنه؟ ومن منحها إياه؟ وما حدوده؟ وهل هو تكليف إعلامي وتواصلي، أم يتضمن دورًا في جمع المعلومات ومتابعة الأشخاص؟
لأن الدولة الجديدة لا تثبت اختلافها عن الماضي بمجرد تغيير الأشخاص في السلطة، وإنما عندما تتوقف عن التعامل مع المواطنين بمنطق القوائم والولاءات والرقابة.
وفي ألمانيا تحديدًا، لا ينبغي أن تكون هناك سلطة موازية لمراقبة السوريين؛ فمن لديه معلومات عن جريمة يقدمها إلى الجهات المختصة، ومن لديه موقف سياسي يمارسه بحرية، وبين الأمرين يجب أن يبقى القانون هو الفاصل.

المزيد من المواضيع
من المليشيا إلى الدولة: هل يجري إعادة توزيع الأدوار الكردية في المنطقة؟
محمد الماغوط: بعد عشرين عامًا سأرميك بقصائد عتب
بصدد إحياء الثقافة السياسية: أحزاب لا محازبات، ومجتمع مدني لا مكوّنات