26 أبريل, 2026

اعترافات أمجد يوسف: هل يُراد اختزال مجزرة التضامن في “فاعل منفرد”؟

ما الذي يُراد تصديقه هنا؟ أن ضابطًا متوسط الرتبة، هو أمجد يوسف، قرر بمفرده أن يجمع عشرات المدنيين، ينقلهم إلى موقع محدد، يُعدمهم بدم بارد، يدفنهم في حفرة مجهزة مسبقًا، ثم يحرق الجثث بإطارات لإخفاء الأدلة… دون أي أمر، أو توجيه، أو حتى علم من جهة أعلى؟ هذه الرواية لا تبدو ضعيفة فقط، بل تصطدم مباشرة مع المنطق، ومع ما هو موثق عن طبيعة عمل الأجهزة الأمنية في سوريا.

الجريمة كفعل منظم لا كتصرف فردي:

التحقيق الذي نشره New Lines Institute، بمشاركة الباحث أُنس الشحود، لا يصف حادثة معزولة، بل يكشف نمطًا واضحًا من القتل المنهجي. فالمجزرة، كما وثّقتها الأدلة، تمت عبر نقل منظم للضحايا، وإعدام متسلسل، داخل موقع مُعد مسبقًا، مع استخدام وسائل مدروسة للتخلص من الجثث وإخفاء آثار الجريمة.

هذه ليست تفاصيل عشوائية يمكن نسبها لقرار فردي لحظي، بل تعكس وجود تخطيط، وتنسيق، وإدارة عملية كاملة.

اعتراف يختزل الجريمة… ويُغفل بنيتها:

في اعترافاته، ينفي أمجد يوسف تلقي أوامر، ويصرّ على أنه تصرّف بقرار شخصي. لكن هذا الادعاء تحديدًا هو الأكثر إثارة للريبة.

(يقول إن شخصًا آخر كان معه يُدعى نجيب الحلبي، وهو مسؤول في “الدفاع الوطني”، وإن أحد عناصره قام بالتصوير دون أن يتذكر اسمه. ويضيف أنهم جلبوا نحو 40 شخصًا على أساس أنهم “إرهابيون أو ممولون”، ووضعوهم في حفرة حُفرت بواسطة تركس، ثم كان يطلق النار عليهم كما ظهر في الفيديو. أحيانًا كان يعصب أعينهم ويطلق النار قبل رميهم، وأحيانًا بعد رميهم في الحفرة. كما يذكر أنهم وضعوا إطارات (دواليب) تحت الجثث وفوقها ثم أشعلوا النار لإخفاء الروائح. ويؤكد أنه قام بكل ذلك “بقراره الشخصي”، دون تلقي أوامر من أي جهة عسكرية أو رتبة أعلى.)

في الجرائم الكبرى، يسعى المتهمون عادة إلى تخفيف مسؤوليتهم عبر الإشارة إلى أوامر عليا. هنا يحدث العكس تمامًا: المتهم يتحمّل كل شيء، ويُعفي من فوقه. وهذا لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على أن الرواية المطروحة منقوصة، أو أنها تتجنب عمداً كشف مستويات أعلى من المسؤولية.

تسريبات تضعف رواية الاعتراف:

في موازاة الاعترافات المصورة، ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي دردشات مسرّبة نُسبت إلى حساب أمجد يوسف قبل اعتقاله، وهي – في حال صحتها – تثير تناقضًا واضحًا مع الرواية التي قدمها لاحقًا.

(يظهر في إحدى هذه الدردشات حديث منسوب إليه يتضمن إشارات مباشرة إلى شخص يُدعى “فادي صقر”، بوصفه “حرّ طليق” رغم اتهامه بارتكاب عمليات قتل سابقة. كما ينفي في السياق نفسه استهداف نساء أو أطفال، مدعيًا أنه لم يشاهد سوى “رجال يحملون السلاح بلباس مدني”، في محاولة لتبرير عمليات القتل. ويضيف أن اتصالًا وصله قبل فترة من الشخص ذاته، تضمن عرض “تسوية” مع وعود بمنصب وحماية، مؤكدًا أن “لا أحد سيجرؤ على التعرض له”. كما تحمل هذه الدردشة نبرة تهديد وتصعيد تتحدث عن “فتح جبهات” واستمرار الصراع، بما يعكس خطابًا مختلفًا تمامًا عن صيغة الاعتراف الفردي اللاحقة.)

ويكتسب اسم “فادي صقر” هنا أهمية إضافية في سياق هذه الإشارات، إذ تشير تقارير صحفية وتحقيقات استقصائية إلى أنه قيادي سابق في تشكيلات “قوات الدفاع الوطني” التي نشأت كقوة رديفة للنظام السوري خلال الحرب، وبرز اسمه في سياق عمليات أمنية وعسكرية في مناطق جنوب دمشق. ويرتبط اسمه في هذه التقارير بسلسلة من الانتهاكات المزعومة، شملت اعتقالات تعسفية وإعدامات ميدانية، كما ورد ضمن سياق التحقيقات المتعلقة بمجزرة حي التضامن بعد كشف التسجيلات المصورة. وتضيف مصادر إعلامية أن اسمه عاد إلى الواجهة لاحقًا مع تداول معلومات عن خضوعه لتسوية أمنية ضمن ترتيبات ما بعد الصراع، وهو ما أثار جدلًا حقوقيًا حول ملف الإفلات من المساءلة.

ورغم أن هذه التسريبات لم تخضع للتحقق المستقل حتى الآن، فإنها – إذا ثبتت صحتها – تشكل عنصرًا إضافيًا يقوّض رواية “الفاعل المنفرد”، وتفتح الباب أمام احتمال وجود شبكة أوسع من المتورطين، أو على الأقل بيئة توفر الحماية والتغطية.

اسئلة لا يمكن تجاوزها

تفاصيل التنفيذ وحدها تفرض تساؤلات لا يمكن تجاهلها. فحفر حفرة باستخدام آليات ثقيلة، ونقل عشرات المعتقلين، وتنفيذ إعدامات جماعية، ثم التخلص من الجثث بطريقة منهجية – كل ذلك لا يحدث في فراغ.

السؤال هنا ليس من أطلق النار فقط، بل من قرر، ومن خطّط، ومن سمح. لأن هذه المراحل تمثل سلسلة مترابطة لا يمكن اختزالها في شخص واحد دون تفكيك منطق الجريمة بالكامل.

ما تقوله التقارير الدولية:

تقارير منظمة العفو الدولية توثق أن الإعدامات الجماعية في سوريا كانت تتم ضمن سياسات معتمدة وعلى مستويات عليا، كما تؤكد هيومن رايتس ووتش أن الانتهاكات الجسيمة لم تكن أفعالًا فردية، بل جزءًا من نمط ممنهج داخل مؤسسات الدولة.

هذا السياق يجعل من الصعب قبول رواية “الفاعل المنفرد”، ليس كتحليل سياسي فقط، بل كتناقض مباشر مع ما هو موثق دوليًا.

بين الاعتقال والتصفية: الحلقة الأخطر

المجزرة لم تستهدف أشخاصًا مجهولين في الشارع، بل معتقلين تم جلبهم مسبقًا. وبحسب ما هو معروف عن آلية عمل الأجهزة الأمنية، فإن الاعتقال يمر عبر تسلسل واضح وينتهي بالتحقيق داخل الأفرع.

لكن في هذه الحالة، تم تجاوز هذا المسار بالكامل، وتمت التصفية مباشرة. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: من الذي قرر أن هؤلاء الأشخاص لا يحتاجون إلى تحقيق أصلًا؟ لأن هذا القرار، بحد ذاته، لا يمكن أن يكون فرديًا.

الحقيقة لم تكتمل بعد:

التقارير الحديثة الصادرة عن Reuters وThe Guardian تشير إلى أن المجزرة شارك فيها أكثر من طرف، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة، مع وجود مخاوف حقيقية من عدم كشف جميع المتورطين.

وهذا يعني أن ما تم كشفه حتى الآن لا يمثل الصورة الكاملة، بل جزءًا منها فقط.

قضية مفتوحة وتحتاج إلى مزيد من التحقيقات:

المشكلة ليست في أن أمجد يوسف اعترف، بل في أن هذا الاعتراف، بصيغته الحالية، يفصل الجريمة عن بنيتها الحقيقية.

لأن السؤال الأساسي لا يتعلق بالمنفذ، بل بصاحب القرار. وحتى يتم كشف هذا المستوى من المسؤولية، ستبقى مجزرة التضامن قضية مفتوحة – ليس لأن الفاعل مجهول، بل لأن من يقف خلفه لم يُكشف بعد.

احمد سليمان
المصدر نشطاء الرأي
www.opl-now.org

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب