تضج الأوساط السياسية والحقوقية بقضية عصام البويضاني وطريقة الإفراج عنه بعد عام من التوقيف الغامض في الإمارات العربية المتحدة. لا يأتي هذا الحدث بوصفه واقعة منفصلة، بل كجزء من مشهد سوري مأزوم تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات الأمنية، وتُدار فيه الملفات الحساسة بعيدًا عن أي إطار قانوني شفاف. فالرجل، الذي برز كقائد عسكري في واحدة من أبرز فصائل المعارضة المسلحة، يجد نفسه اليوم في قلب جدل يتجاوز شخصه إلى أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود التسويات الممكنة، ومعنى العدالة في سياق لم تتبلور فيه بعد معايير المحاسبة. إن الإفراج عنه من دون محاكمة، بعد احتجاز طويل بلا توضيح رسمي، يعيد طرح معضلة أكثر تحديدًا: هل نحن أمام تكريس لنمط الإفلات من المساءلة في ملفات حساسة، أم أمام واقع انتقالي مرتبك لم تتشكل فيه بعد أدوات العدالة؟ وبين تضارب الروايات، يبقى الغياب الكامل للحقيقة الرسمية هو الثابت الوحيد.
تداخل السياسي، والاقتصادي، والحقوقي:
لفهم دلالات هذه القضية، لا بد من تفكيكها ضمن ثلاثة مستويات متداخلة: السياسي، والاقتصادي، والحقوقي.
على المستوى السياسي، يعكس مسار الاعتقال والإفراج نمطًا متكررًا في إدارة الملفات السورية الحساسة، حيث تُتخذ القرارات خارج الأطر القضائية الواضحة. فغياب التهمة، وعدم وجود محاكمة، ثم الإفراج المفاجئ، كلها مؤشرات على أن الملف لم يُدار وفق معايير قانونية بحتة، بل ضمن حسابات سياسية أو أمنية. هذه الآلية تضعف أي ادعاء بوجود تحول حقيقي نحو سيادة القانون، وتكرّس منطق “الاستثناء” بدل القاعدة.
أما على المستوى الاقتصادي، فتطفو تساؤلات حول طبيعة الأنشطة المالية المرتبطة بالبويضاني وشبكة علاقاته، خصوصًا في تركيا. ورغم أن انتقال قيادات سابقة في الفصائل المسلحة إلى العمل الاقتصادي ليس استثناءً في السياق السوري، فإن غياب الشفافية حول مصادر التمويل يثير إشكاليات أخلاقية وسياسية. فجزء من الأموال التي تدفقت خلال سنوات الحرب كان ذا طبيعة خارجية ولم يخضع لرقابة مؤسسية، ما يفتح الباب أمام احتمالات إعادة تدويرها في استثمارات خاصة دون إمكانية تحقق مستقلة.
خلفية التوقيف: بين مذكرات النظام السابق وإشكالية الإنتربول:
تشير روايات متقاطعة، بعضها منسوب إلى مسؤولين سابقين في نظام بشار الأسد المخلوع، إلى أن توقيف عصام البويضاني قد يكون مرتبطًا بمذكرات صادرة خلال تلك المرحلة، وربما بتعميمات عبر قنوات الإنتربول، استندت إلى تهم نمطية وواسعة مثل “الإرهاب” و“تهديد أمن الدولة”، وهي توصيفات استُخدمت على نطاق واسع بحق معارضي السلطة آنذاك.
غير أن التعامل مع هذه المعطيات يتطلب قدرًا من الحذر، إذ لا ترقى هذه الروايات إلى مستوى التأكيد الرسمي الموثق. كما أن النشرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول لا تُعد أوامر توقيف ملزمة بحد ذاتها، بل تترك للدول هامش تقدير في التنفيذ وفق قوانينها الوطنية. كذلك تلتزم المنظمة — من حيث المبدأ — بعدم الانخراط في القضايا ذات الطابع السياسي، وإن كانت هذه القاعدة تُختبر عمليًا في حالات معقدة.
والأهم من ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تثبت أن توقيف البويضاني استند فعليًا إلى نشرة حمراء محددة، كما لا تتوافر معطيات موثقة حول سحبها أو إلغائها. وهو ما يجعل تفسير الاعتقال والإفراج باعتبارات قانونية بحتة تفسيرًا غير كافٍ، ويفتح الباب أمام ترجيح وجود عوامل سياسية أو دبلوماسية لعبت دورًا حاسمًا في مسار القضية.
مصير نشطاء مركز توثيق الانتهاكات:
يبقى البعد الحقوقي هو الأكثر حساسية، خاصة فيما يتعلق بقضية اختفاء نشطاء مركز توثيق الانتهاكات في دوما نهاية عام 2013. الأسماء هنا ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جوهر القضية: رزان زيتونة، وائل حمادة، سميرة الخليل، وناظم الحمادي. هؤلاء الأربعة كانوا يمثلون صوتًا مدنيًا مستقلًا في سياق متجه نحو العسكرة، وقد اختفوا في منطقة كانت خاضعة لسيطرة جهة واحدة تمتلك نفوذًا أمنيًا فعليًا.
حتى اليوم، لم يُكشف مصيرهم، ولم يُفتح تحقيق قضائي شفاف يحدد المسؤوليات. ورغم غياب حكم قضائي نهائي، فإن السياق الميداني آنذاك يجعل من الصعب فصل القضية عن مسؤولية السلطة القائمة في تلك المنطقة، على الأقل سياسيًا وأخلاقيًا. إن استمرار الغموض لا يمس فقط بحق الضحايا وذويهم في الحقيقة، بل يضعف أي تصور لعدالة انتقالية ذات مصداقية. بل تحولت هذه القضية إلى معيار غير معلن لقياس جدية أي خطاب حقوقي في سوريا: هل يمكن تجاوزها ضمن تسويات سياسية، أم أنها تمثل اختبارًا لا يمكن القفز فوقه؟
أسئلة مشروعة يطرحها السوريون :
في هذا السياق، تبرز أسئلة حادة يطرحها السوريون: هل يمكن القبول بتسويات سياسية تتجاوز ملفات خطيرة دون محاسبة؟ وهل يمكن أن تتحول أموال الحرب إلى أدوات نفوذ اقتصادي دون رقابة؟ وهل الإفراج عن شخصيات مثيرة للجدل يتم ضمن تفاهمات غير معلنة تتقاطع فيها السياسة مع المال؟ والأهم، هل يمكن بناء نظام سياسي جديد دون مواجهة إرث الانتهاكات بشكل مباشر؟
ما يظهر حتى الآن هو أن المقاربة السائدة تميل إلى إدارة التناقضات بدل حلها. فبدل فتح ملفات العدالة الانتقالية بشكل شفاف، يتم اللجوء إلى تسويات جزئية تُبقي القضايا الجوهرية معلقة. هذه المقاربة قد توفر استقرارًا مؤقتًا، لكنها تحمل خطر إعادة إنتاج الأزمة نفسها. كما أن الحديث عن إمكانية دمج شخصيات كهذه في هياكل سياسية مستقبلية، دون معايير واضحة للمساءلة، يعكس خللًا عميقًا في تصور المرحلة القادمة.
العدالة المؤجلة ليست حيادًا بل انحياز:
إن قضية عصام البويضاني ليست مجرد ملف فردي، بل مرآة تعكس مأزق العدالة في سوريا. فالتسويات، مهما بدت ضرورية، لا يمكن أن تكون بديلًا عن المحاسبة. وتجاهل الأسئلة الصعبة لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. العدالة ليست مسألة هامشية، بل شرطًا للاستقرار. وأي مسار سياسي لا يضعها في مركزه، سيبقى هشًا، وقابلًا لإعادة إنتاج نفس الأزمات، بأسماء وأشكال مختلفة.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2026/04/24/التسويات-الغامضة-عصام-البويضاني/

المزيد من المواضيع
الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية متناقضة
هل تتحول المصالحة إلى محاكمة مجتمعية؟ (بين ضرورات العدالة وحدود الانفجار الاجتماعي في سوريا)
حين يختل ميزان العالم… يولد اقتصاد الموت: