يثير الاعتداء على مؤسسات الدولة، ولا سيما القصر العدلي في الحسكة، نقاشاً واسعاً حول معنى المواطنة وحدود حرية التعبير والعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فما جرى من اقتحام لمبنى رسمي وتحطيم لافتاته والعبث بمحتوياته تحت شعارات ذات طابع تحريضي أو انفصالي، لا يمكن اعتباره مجرد تصرفات عابرة أو أعمال فوضى محدودة، بل يمثل اعتداءً مباشراً على هيبة مؤسسة قضائية يفترض أن تكون رمزاً للعدالة وسيادة القانون.
فالقصر العدلي ليس مجرد مبنى إداري، بل مرفق عام يرتبط بحقوق الناس وأمنهم القانوني، وأي اعتداء عليه يُعد مساساً بمبدأ العدالة نفسه وبسلطة القانون. كما أن تصوير هذه الأفعال ونشرها بقصد التحريض أو الاستعراض يضاعف من خطورتها، لما يحمله ذلك من رسائل تهدد السلم الأهلي وتضعف الثقة بالمؤسسات القضائية والعامة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المتابعين أن احترام مؤسسات الدولة يجب أن يكون معياراً أساسياً في أي إجراءات تتعلق بالجنسية أو تثبيتها، أسوة بما تعتمده دول عديدة من اختبارات ومقابلات تتعلق باحترام الدستور والنظام العام والقوانين الأساسية. ويطرح هؤلاء فكرة إخضاع من يثبت تورطه في أعمال تخريب أو تحريض ضد المؤسسات العامة لتدقيق قانوني وإداري أشد، خصوصاً عند النظر في ملفات الجنسية أو الحقوق المدنية المرتبطة بالولاء الدستوري واحترام القانون.
وفي الحالة السورية، ومع تصاعد حالة الانقسام والاحتقان، يطالب البعض بأن تتم إجراءات مقابلات الجنسية ضمن المؤسسات المركزية المختصة، وأن تتضمن أسئلة تتعلق بمعرفة القوانين واحترام مؤسسات الدولة والالتزام بالسلم الأهلي، إضافة إلى توقيع تعهد قانوني بعدم التحريض على العنف أو الاعتداء على الممتلكات العامة.
ومع ذلك، يؤكد أصحاب هذا الطرح أن أي إجراءات تتعلق بالجنسية أو سحبها يجب أن تبقى ضمن إطار القضاء والقانون والدستور، لا عبر القرارات المزاجية أو العقوبات الجماعية، حفاظاً على مبدأ العدالة وسيادة القانون. فالقوانين الجزائية كفيلة بمحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء أو التحريض أو التخريب، سواء عبر التنفيذ المباشر أو المساهمة في التحشيد والدعوة، استناداً إلى الأدلة القانونية المتوافرة من تسجيلات وشهادات وقرائن.
وفي المقابل، يبقى من الضروري التمييز بين حرية التعبير المشروعة وبين الاعتداء على المؤسسات العامة. فالاختلاف مع سياسات الحكومة أو انتقاد أدائها حق طبيعي ومكفول، لكنه لا يبرر الإساءة إلى مؤسسات الدولة أو تقويض دور القضاء أو التحريض على العنف والفوضى. كما تبرز الحاجة إلى ضبط الخطاب العام ومنع استغلال الانقسامات القومية أو الطائفية أو المناطقية لإثارة الكراهية والعزل المجتمعي، لأن حماية التنوع لا تتحقق عبر التخوين والتحريض، بل عبر ترسيخ قيم المواطنة المتساوية ضمن عقد اجتماعي وسياسي واضح وصريح، يقوم على احترام القانون والمؤسسات العامة، ويضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
اعترافات أمجد يوسف: هل يُراد اختزال مجزرة التضامن في “فاعل منفرد”؟
بين التسويات الغامضة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب: قضية عصام البويضاني
الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية متناقضة