أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية ليس أن نختلف حول صلاحيات مؤسسة دستورية، وإنما أن نتعامل مع مؤسسات مؤقتة وكأنها وصلت إلى مرحلة الاكتمال، أو أن نستخدم هشاشة بعضها ذريعة لترك مؤسسات أخرى تعمل بسلطات واسعة من دون رقابة كافية.
ومن هنا، فإن الجدل الدائر في سوريا حول صلاحيات مجلس الشعب الانتقالي، وحول حقه في حجب الثقة عن الوزراء أو المشاركة في صياغة دستور دائم، يحتاج إلى قراءة أبعد من السؤال القانوني المباشر.
المسألة ليست فقط: ماذا يسمح الإعلان الدستوري للمجلس أن يفعل؟
بل أيضاً: كيف تشكل المجلس؟ ومن الذي شارك في اختيار أعضائه؟ ومن الذي غاب عن العملية؟ وما مقدار الشرعية الشعبية التي يمتلكها؟ وكيف يمكن بناء رقابة حقيقية على السلطة التنفيذية في مرحلة لم تستقر فيها بعد قواعد اللعبة الديمقراطية؟
- لا يجوز تجميل طريقة تشكيل المجلس
من الصعب التعامل مع مجلس الشعب الحالي باعتباره برلماناً منتخباً بالمعنى الديمقراطي الكامل.
فآلية تشكيله قامت على انتخاب ثلثي الأعضاء من خلال هيئات ناخبة، في حين عيّن رئيس الجمهورية الثلث الآخر. كما أن حق الترشح لم يكن مفتوحاً أمام جميع المواطنين بصورة مباشرة، بل ارتبط بعضوية الهيئات الناخبة التي جرى تشكيلها وفق آلية انتقالية محددة.
وفي الانتخابات غير المباشرة التي جرت لاختيار الجزء المنتخب من المجلس، شارك نحو 6 آلاف ناخب من أعضاء الهيئات الانتخابية، وفق ما أوردته وكالة رويترز، بينما أشارت مصادر أخرى إلى نحو 7 آلاف عضو مؤهل للتصويت. وفي كل الأحوال، نحن لا نتحدث عن اقتراع شعبي عام يشارك فيه المواطنون مباشرة.
هذه ليست ملاحظة شكلية.
الانتخابات الديمقراطية لا تتعلق فقط بوجود صناديق اقتراع، وإنما أيضاً بمن يملك حق الترشح، ومن يختار الناخبين، وكيف تتشكل القوائم، وما مدى قدرة المواطنين على الاختيار الحر بين بدائل سياسية حقيقية.
لذلك، فإن وصف المجلس بأنه «منتخب» من دون شرح طبيعة هذه الآلية قد يعطي انطباعاً مضللاً عن مستوى التمثيل الشعبي الذي يمتلكه.
وفي المقابل، فإن القول إن المجلس بلا شرعية على الإطلاق ليس دقيقاً أيضاً. فهو مؤسسة انتقالية أنشئت وفق قواعد دستورية وقانونية مؤقتة، ويمتلك بالتالي شرعية قانونية انتقالية، لكنها ليست شرعية انتخابية شعبية مكتملة.
وهذا التمييز ضروري.
- لكن السؤال الأهم: من غاب عن الانتخابات؟
هنا تظهر إشكالية لا يجوز تجاوزها عند الحديث عن «التمثيل الشعبي».
كم يبلغ عدد السوريين اليوم؟ وكم منهم يعيش داخل سوريا، وكم منهم يعيش خارجها؟
الأرقام تختلف بحسب منهجية العد، خصوصاً بعد سنوات الحرب والنزوح والهجرة واللجوء. لكن المؤكد أن ملايين السوريين يعيشون خارج البلاد، وأن ملايين أخرى تعرضت للنزوح الداخلي.
وهؤلاء ليسوا رقماً هامشياً يمكن تجاهله عند الحديث عن شرعية سياسية يفترض أنها تمثل «الشعب السوري».
والسؤال يصبح أكثر مباشرة:
هل شارك هؤلاء جميعاً في اختيار مجلس الشعب؟
الجواب الواضح هو: لا.
فالانتخابات الحالية لم تكن اقتراعاً عاماً للسوريين في الداخل والخارج، وإنما عملية غير مباشرة عبر هيئات انتخابية، إضافة إلى 70 عضواً يعيّنهم رئيس الجمهورية. كما أن مناطق سورية معينة لم تشارك في الانتخابات في موعدها نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية القائمة آنذاك.
ولهذا لا يمكن ببساطة تحويل هذه العملية إلى تفويض شعبي عام ثم البناء عليه للقول إن المجلس يمثل جميع السوريين.
المسألة ليست انتقاصاً من الأشخاص الذين وصلوا إلى المجلس، وإنما نقد لآلية إنتاج التمثيل السياسي نفسها.
- السوريون في الخارج ليسوا مجرد ملف إنساني
هذه النقطة لها بعد سياسي أيضاً.
ملايين السوريين الذين غادروا البلاد منذ عام 2011 ليسوا مجرد لاجئين ينتظرون العودة.
بينهم معارضون سياسيون، وناشطون، وصحفيون، وأكاديميون، وأصحاب أعمال، وموظفون، وأشخاص بنوا حياتهم في بلدان أخرى.
وبالنسبة إلى شريحة من هؤلاء، فإن قرار العودة لا يتعلق فقط بالأمن المادي، وإنما أيضاً بالسجلات الأمنية والقضائية القديمة، ومذكرات الاعتقال والملفات التي خلفها النظام السابق.
حتى بعد سقوط النظام، بقيت الحاجة إلى تسوية هذه الملفات بصورة واضحة وشفافة.
وقد وثقت منظمات حقوقية حالات لعائدين تعرضوا للاحتجاز أو الانتهاكات أو الاختفاء، في حين خلص تقييم بريطاني في 2025 إلى أن معارضي النظام السابق لا يفترض أن يكونوا معرضين للخطر لمجرد كونهم معارضين سابقين، مع بقاء تقييم المخاطر متعلقاً بظروف كل حالة.
وهذا التباين نفسه يكشف حجم المشكلة: لا يكفي أن تعلن السلطة أن الماضي انتهى؛ المطلوب أن يشعر المواطن أن آثاره القانونية والأمنية انتهت فعلاً.
- ماذا عن مذكرات الاعتقال القديمة؟
حتى الآن، تبقى الحاجة إلى موقف رسمي شامل يوضح مصير الملفات الأمنية والقضائية التي تركها النظام السابق بحق النشطاء والمعارضين.
هل أُلغيت جميع مذكرات الاعتقال السياسية؟
هل أغلقت الملفات التي أنشئت بسبب النشاط المعارض السلمي؟
هل جرى تعميم قرارات واضحة على الأجهزة الأمنية والقضائية؟
هل يستطيع المواطن الذي عاش سنوات في الخارج أن يعود من دون أن يدخل في دوامة المراجعات الأمنية؟
هذه ليست أسئلة ثانوية.
فأي شخص يقرر العودة إلى بلده يحتاج إلى معرفة وضعه القانوني مسبقاً، لا أن يكتشف عند الحدود أو في أحد الفروع الأمنية أن هناك ملفاً قديماً ما زال قائماً.
وقد شهدت حالات عودة لسوريين خلال الفترة الانتقالية مراجعات وإجراءات لتسوية أوضاعهم، وتفاوتت التجارب بين الحالات. وهذا يستدعي آلية رسمية معلنة وموحدة بدلاً من ترك المواطنين أمام اجتهادات الأجهزة أو تفاوت الإجراءات من حالة إلى أخرى.
لأن الدولة التي تريد استعادة مواطنيها لا تستطيع أن تطلب منهم العودة بينما تبقي وضعهم القانوني غامضاً.
- عندما يخاف المواطن من العودة، تتضرر شرعية العملية السياسية
هنا تتصل مسألة السوريين في الخارج مباشرة بمسألة التمثيل السياسي.
إذا كان جزء كبير من السوريين يعيش خارج البلاد، وإذا كان بعضهم يمتنع عن العودة بسبب مخاوف قانونية أو أمنية أو سياسية، ثم تُبنى مؤسسات الدولة الجديدة من خلال آليات لا تتيح لهم المشاركة السياسية المباشرة، فإن السؤال عن التمثيل يصبح مشروعاً تماماً.
ليس المطلوب أن يشارك كل سوري موجود في العالم في كل عملية انتخابية، فهذا غير واقعي.
لكن المطلوب أن يكون هناك مبدأ سياسي واضح: السوري في الخارج مواطن، وليس مواطناً من درجة ثانية، وحقه السياسي لا يسقط لمجرد أنه اضطر إلى مغادرة بلده.
وعندما تتجه سوريا لاحقاً إلى انتخابات عامة حقيقية، سيكون من الضروري وضع آليات تسمح للسوريين في الخارج بالمشاركة، وفق قواعد انتخابية واضحة وشفافة.
- التعيين الرئاسي يضيف مشكلة أخرى
هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله.
رئيس الجمهورية لا يكتفي في النظام الانتقالي الحالي بتولي السلطة التنفيذية، بل يملك أيضاً حق تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب.
وهذا يعني أن السلطة التنفيذية تمتلك تأثيراً مباشراً في تكوين المؤسسة التي يفترض أن تؤدي وظيفة تشريعية ورقابية.
قد يكون لهذا الترتيب مبررات انتقالية تتعلق بالتمثيل أو بالكفاءة أو بالظروف الاستثنائية.
لكن التبرير الانتقالي لا يلغي السؤال الديمقراطي:
كيف نضمن ألا تتحول سلطة التعيين إلى وسيلة لإنتاج مجلس أكثر قرباً من السلطة التنفيذية؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً إذا كانت الحياة الحزبية لم تتشكل بعد بصورة طبيعية، ولا توجد انتخابات شعبية مباشرة، ولا توجد منافسة سياسية مكتملة.
فالمشكلة ليست في شخص من يُعيّن.
المشكلة في مبدأ تركيز أدوات إنتاج السلطة في يد مركز سياسي واحد خلال مرحلة يفترض أنها مرحلة تأسيس للتعددية.
- من هنا يصبح الحديث عن «الولاء» خطيراً
لقد خرج السوريون من تجربة طويلة كان فيها الولاء السياسي معياراً مؤثراً في الوصول إلى الوظيفة العامة والموقع الإداري والمؤسسة السياسية.
ولذلك فإن الدولة الجديدة لا تستطيع أن تبني شرعيتها على الأشخاص الموالين لها.
المعيار يجب أن يكون مختلفاً:
الكفاءة، والنزاهة، والاستقلالية، والخبرة، والتمثيل، والمساءلة.
وإلا فإننا قد نغير أسماء المؤسسات ونبقي الآلية نفسها التي أنتجت الفساد المؤسساتي في الماضي.
الدولة لا تحتاج إلى موظفين أو نواب «موالين».
تحتاج إلى مسؤولين موالين للدستور والقانون والمصلحة العامة.
وهناك فرق جوهري بين الاثنين.
- الفساد المؤسساتي لا يبدأ دائماً من سرقة المال
عندما نتحدث عن الفساد، لا ينبغي حصره في الرشوة واختلاس الأموال.
هناك فساد مؤسساتي ينتج من المحسوبية، وتضارب المصالح، والتعيين على أساس الولاء، وغياب الشفافية، واحتكار القرار، وضعف الرقابة.
وهذا النوع من الفساد قد يكون أخطر على الدولة الناشئة، لأنه لا يسرق المال فقط، بل يفسد آلية اتخاذ القرار نفسها.
وإذا ظهرت هذه الممارسات في القضايا المصيرية، فإنها ستنتج غضباً شعبياً ليس لأنها «ترند»، وإنما لأن الناس يشعرون بأن المؤسسات لا تستمع إليهم ولا تمثلهم.
وهنا يجب ألا نخلط بين الشعبوية وبين الغضب الشعبي المشروع.
ليس كل احتجاج على قرار حكومي شعبوية.
وليس كل نقد على وسائل التواصل مؤامرة.
أحياناً يكون الغضب الشعبي مؤشراً على خلل مؤسساتي حقيقي.
- الحريات والعدالة الانتقالية اختبار حقيقي
تزداد خطورة هذه المسألة عندما تتعلق بالقضايا المصيرية: الحريات الفردية والسياسية، حرية التعبير والتنظيم، استقلال القضاء، والمساءلة عن الانتهاكات.
وينطبق الأمر نفسه على العدالة الانتقالية.
لا يكفي إنشاء مؤسسات تحمل اسم «العدالة الانتقالية» إذا بقيت الملفات خاضعة للاعتبارات السياسية أو إذا جرى التعامل معها بصورة انتقائية.
لكن يجب أيضاً عدم إطلاق اتهام عام بأن العدالة الانتقالية «جرت تمييعها» من دون تحديد الوقائع التي تثبت ذلك.
المعيار هو ما يمكن قياسه:
هل توجد آليات مستقلة؟
هل تشمل المساءلة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بغض النظر عن مواقعهم الحالية أو السابقة؟
هل تطبق المسؤولية على الأفراد بناءً على الأدلة، لا على الانتماء الجماعي؟
هل يحصل الضحايا على الحقيقة والإنصاف والتعويض؟
هل يملك المتهمون حق الدفاع والمحاكمة العادلة؟
هذه هي الأسئلة التي تحدد إن كانت العدالة الانتقالية تسير نحو العدالة فعلاً أم تتحول إلى أداة سياسية.
- فأي انتخابات وأي مجلس وأي صلاحيات؟
من هنا، لا يكفي أن نقول إن مجلس الشعب الحالي لا ينبغي أن يكتب الدستور الدائم لأنه غير منتخب مباشرة.
ولا يكفي أيضاً أن نقول إن حجب الثقة عن الوزراء قد يؤدي إلى الشعبوية.
ينبغي أن نذهب إلى السؤال السابق على كل ذلك:
من يمثل هذا المجلس؟
إذا كان جزء كبير من السوريين خارج العملية الانتخابية، وإذا لم تكن هناك انتخابات شعبية مباشرة، وإذا كان ثلث المجلس معيناً من رأس السلطة التنفيذية، وإذا كانت الهيئات التي اختارت الثلثين قد تشكلت عبر آلية انتقالية لا تمنح المواطن العادي حق اختيار ممثله مباشرة، فإن الحديث عن «تفويض الشعب» يجب أن يكون أكثر تواضعاً ودقة.
وهذا لا يعني إسقاط المجلس أو إنكار شرعيته القانونية.
يعني فقط وضع شرعيته في حجمها الحقيقي.
شرعية انتقالية، لا تفويضاً شعبياً نهائياً.
- المطلوب ليس إسقاط المرحلة الانتقالية بل منع تحولها إلى قاعدة
سوريا تحتاج إلى فترة انتقالية.
لكن الفترة الانتقالية يجب أن تكون جسراً إلى الدولة الديمقراطية، لا بديلاً عنها.
وتحتاج هذه المرحلة إلى مجلس تشريعي، وحكومة، وقضاء، وأجهزة أمن، وإدارة عامة.
لكن كل هذه المؤسسات يجب أن تعمل تحت قاعدة واحدة:
كلما كانت الشرعية مؤقتة ومحدودة، وجب أن تكون السلطة أكثر حرصاً على الشفافية والمساءلة، لا أقل.
ولهذا فإن السؤال عن حجب الثقة ليس وحده السؤال المركزي.
السؤال الأكبر هو: كيف نضمن ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى نظام جديد من التعيينات والولاءات والاحتكارات السياسية؟
وكيف نضمن أن السوري الذي يعيش في دمشق أو حلب أو الحسكة أو اللاذقية، والسوري الذي يعيش في برلين أو إسطنبول أو باريس أو عمّان، سيصبحون جميعاً جزءاً من العملية السياسية عندما يحين موعد الانتخابات العامة؟
وكيف نضمن أن الناشط الذي غادر سوريا قبل سنوات بسبب ملاحقته سيعرف أن عودته لن تعيده إلى دوامة الملفات الأمنية القديمة؟
وكيف نضمن أن المعارضة السياسية لن تتحول من جريمة في عهد الأسد إلى عبء سياسي في عهد جديد؟
وكيف نضمن أن العدالة الانتقالية لن تكون انتقاماً، لكنها أيضاً لن تكون تسوية على حساب الضحايا؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت سوريا تبني دولة جديدة فعلاً.
لذلك، فإن القضية ليست أن نعطي مجلس الشعب كل الصلاحيات منذ اليوم الأول، ولا أن نحوله إلى مؤسسة شكلية.
القضية أن نعرف حجم الشرعية التي يمتلكها، وحجم السلطة التي تملكها الحكومة، وحجم الرقابة التي يجب أن تفصل بينهما، والمدة التي يفترض أن تستغرقها هذه المرحلة قبل أن يعود القرار إلى صاحبه الحقيقي: المواطن السوري عبر انتخابات عامة وحرة ومباشرة.
عندها فقط يصبح السؤال عن صلاحيات البرلمان سؤالاً طبيعياً.
أما قبل ذلك، فالسؤال الأكثر إلحاحاً يبقى:
فأي انتخابات وأي مجلس وأي صلاحيات، إذا كان السوريون أنفسهم لم يحصلوا بعد على حق اختيار من يمثلهم بصورة مباشرة؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب
محمد غميرة.. ضحية التعذيب في سوريا الجديدة دماؤه تفتح ملف محاسبة الأجهزة الأمنية وإيقاف آلة التعذيب
حكم الإعدام على «مثلث الجرائم»: بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب