أحياناً تكشف كلمة واحدة في تصريح سياسي ما تحاول البيانات الرسمية إخفاءه. حين يقول مظلوم عبدي إنه لا يفضل استخدام كلمة «حل» عند الحديث عن قواته، وإن القوات ستغيّر أسماءها وهيكليتها وتعمل ضمن المؤسسة العسكرية السورية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل انتهت «قسد»؟ بل: ماذا بقي منها بعد تغيير الاسم؟
هذه ليست مسألة لغوية. الاسم يمكن تغييره خلال ساعات، أما البنية العسكرية فلا تختفي بمجرد تغيير الشعار.
عبدي يقول بوضوح إن القوات ستعيد تشكيل نفسها في ألوية تتمركز في ديريك والقامشلي والحسكة وكوباني، يقودها ضباط أكراد ويخدم فيها أبناء المناطق نفسها، مع تفاهم مبدئي على تشكيل لواء يضم مقاتلين من عفرين.
●هنا تحديداً تبدأ المشكلة.
إذا كانت مليشيا «قسد» ستحتفظ بجسمها العسكري، وبجزء كبير من قياداتها، وببنيتها البشرية، ثم تعيد توزيع هذه القوة في ألوية جديدة وتحمل أسماء جديدة، فهل نحن أمام حل لقوة عسكرية مستقلة ودمج حقيقي في الجيش السوري، أم أمام إعادة تموضع لقوة قائمة داخل هيكل الدولة؟
الفرق بين الأمرين ليس شكلياً.
الدمج الحقيقي يعني أن الفرد قبل أن يكون عضواً سابقاً في «قسد» يصبح جندياً في الجيش السوري؛ يخضع لقانون عسكري واحد، وتسلسل قيادي واحد، وقرار مركزي واحد، وتكون الدولة وحدها صاحبة القرار في تعيين القادة ونقل الوحدات وانتشارها وتسليحها واستخدامها ومحاسبتها.
أما إذا دخلت القوة إلى الجيش وهي محتفظة بتركيبتها القيادية والمناطقية وهويتها العسكرية الخاصة، فإن تغيير الاسم لا يكفي لإثبات انتهاء بنيتها السابقة.
وهنا لا بد من طرح السؤال الأكثر حساسية: من يملك القرار في هذه الألوية؟
هل تستطيع وزارة الدفاع السورية نقل لواء من القامشلي إلى درعا، أو من كوباني إلى دير الزور، أو تغيير قائده دون موافقة القيادة المحلية؟ هل يخضع عناصره للتجنيد العسكري الوطني نفسه؟ هل تكون رواتبهم وتسليحهم وعملياتهم وقراراتهم العسكرية جزءاً من منظومة الدولة وحدها؟ وهل يمكن محاسبة القادة والأفراد أمام مؤسسات الدولة من دون وجود قناة موازية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذا دمج، حتى لو احتفظت بعض الوحدات بخصوصية مناطقية أو ثقافية.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإننا نحتاج إلى اسم أكثر دقة من «الدمج».
●المشكلة ليست في أن يكون القائد كردياً
من الخطأ تحويل النقاش إلى اعتراض على كون القادة أكراداً. الدولة السورية الجديدة لا ينبغي أن تُبنى على معيار عرقي، ولا ينبغي أن يكون الانتماء الكردي عائقاً أمام تولي أي منصب عسكري أو مدني.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الإثنية أو المناطقية إلى أساس لتشكيل وحدات عسكرية دائمة، ثم يجري تقديم ذلك باعتباره تمثيلاً طبيعياً لمنطقة بأكملها.
فديريك والقامشلي والحسكة وكوباني ليست كيانات إثنية مغلقة، ولا يمكن اختزال سكانها في هوية واحدة.
هذه مناطق يعيش فيها أكراد وعرب وسريان وآشوريون وأرمن ومكونات أخرى، وتتفاوت تركيبتها السكانية من منطقة إلى أخرى. ولذلك فإن إطلاق توصيف «المناطق الكردية» عليها وكأنها ملكية سياسية أو عسكرية لمكون واحد يخلق مشكلة تتجاوز قسد نفسها.
●السؤال هنا ليس من يقود اللواء، بل من يمثّل هذا اللواء؟
هل يمثل أبناء المنطقة بكل مكوناتها، أم يمثل قوة سياسية وعسكرية واحدة استطاعت فرض نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للمنطقة؟
هذه نقطة لا يجوز تجاوزها إذا كان الهدف بناء دولة مواطنة.
فكما لا يجوز أن يقال إن منطقة ما «عربية» بما يبرر احتكار العرب لمؤسساتها، لا يجوز أيضاً أن يقال إنها «كردية» بما يبرر احتكار قوة كردية للقرار العسكري فيها.
●من «قسد» إلى ألوية محلية
اللافت أن الاتفاقات المعلنة منذ بداية العام تحدثت بالفعل عن إدخال تشكيلات عسكرية كاملة ضمن بنية الجيش، وليس مجرد دمج أفراد بصورة فردية. وقد أشارت تقارير إلى صيغة تتضمن ثلاثة ألوية من «قسد» ولواء من كوباني داخل بنية الجيش السوري.
وهذا يعني أن الخلاف ليس حول ما إذا كان هناك انتقال إلى المؤسسة العسكرية السورية؛ بل حول طبيعة هذا الانتقال وحدود استقلال الوحدات بعد الانتقال.
●وهنا تكمن خطورة التصريح الأخير لعبدي.
فعندما يقول إن «قسد» لن تُحل، وإنما ستغير أسماءها وهيكليتها، فهو عملياً يقدم تصوراً مختلفاً عن مفهوم التفكيك التقليدي للقوات المسلحة غير التابعة للدولة.
قد يكون هذا الترتيب ضرورياً لتجنب حرب جديدة، وقد يكون جزءاً من تسوية سياسية واقعية، لكن الواقعية السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لغموض مؤسسي طويل الأمد.
الدولة لا تصبح موحدة لأن الفصائل ارتدت الزي الرسمي للدولة.
الدولة تصبح موحدة عندما يصبح السلاح خاضعاً حصراً للقانون والمؤسسة والقرار الوطني.
●وماذا عن السكان؟
هنا تبرز قضية أكثر خطورة من مصير «قسد» نفسها.
إذا جرى تكريس فكرة أن كل منطقة لها «قوتها» الخاصة، وأن أبناءها هم الذين يشكلون وحداتها العسكرية، فإننا نكون أمام نموذج قد يبدو للوهلة الأولى لامركزياً، لكنه قد يتحول عملياً إلى تثبيت مناطق نفوذ عسكرية على أساس هوياتي.
وهذا خطر على الأكراد قبل غيرهم.
فالحقوق الكردية المشروعة لا تحتاج إلى جيش كردي خاص كي تكون مشروعة. والاعتراف باللغة والثقافة والهوية والمواطنة المتساوية لا يحتاج إلى احتكار منطقة جغرافية باسم مكون.
على العكس، أفضل ضمان للحقوق الكردية هو دستور يحميها، ومؤسسات دولة مستقلة، وقضاء قادر على حمايتها، وإدارة محلية منتخبة، ومساواة كاملة في الحقوق والواجبات.
أما تحويل الحقوق إلى ترتيبات عسكرية مناطقية، فقد ينتج حماية مؤقتة لكنه يزرع في الوقت نفسه بذور نزاعات مستقبلية حول الأرض والسلطة والتمثيل.
من سلطة أمر واقع إلى مؤسسة دولة؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه تحت ضغط التسويات السياسية:
هل انتهت سلطة الأمر الواقع، أم جرى نقلها إلى داخل مؤسسات الدولة؟
إذا دخلت عناصر «قسد» إلى الجيش السوري كأفراد، وأصبح ولاؤها للمؤسسة العسكرية، وأصبحت قيادتها جزءاً من التسلسل القيادي الوطني، وانتهى القرار العسكري الموازي، فهذه عملية دمج حقيقية يمكن الدفاع عنها.
أما إذا انتقلت البنية العسكرية نفسها، مع قياداتها وخصوصيتها المناطقية وآليات نفوذها، إلى داخل المؤسسة العسكرية مع تغيير الاسم فقط، فإن المصطلح الأدق يصبح: إعادة تموضع داخل الدولة، لا اندماجاً كاملاً فيها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق فاشل. لكنه يعني أن نجاحه لا يمكن قياسه بعدد الألوية أو بتغيير الأسماء، بل بمدى انتقال السيادة الفعلية على السلاح والقرار العسكري إلى الدولة.
●هل يمكن بناء دولة موحدة بخرائط عسكرية
الأخطر في هذه الصيغة أن يتحول الأمر الواقع العسكري إلى حقيقة سياسية دائمة.
فمن غير المقبول أن يُقال للسوريين إن عهد الميليشيات انتهى، ثم يجدوا أنفسهم أمام تشكيلات عسكرية جديدة تحمل أسماء الدولة لكنها تحتفظ بمنطق المناطق والنفوذ والتمثيل الأحادي.
وفي المقابل، من غير المقبول أيضاً استخدام رفض الميليشيات ذريعة لإنكار الحقوق الكردية أو العربية أو السريانية أو أي حقوق ثقافية وسياسية مشروعة.
●المعادلة الصحيحة ليست: إما حقوق الأكراد أو وحدة الدولة.
المعادلة الصحيحة هي: حقوق كاملة لكل المواطنين، ودولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وقرار عسكري واحد.
لذلك فإن السؤال عن تصريح مظلوم عبدي يجب ألا يكون سؤالاً قومياً ولا خصومة مع الأكراد، بل سؤالاً مؤسسياً: ماذا يعني أن تختفي «قسد» من الاسم بينما يستمر معظم جسمها العسكري في ألوية جديدة؟
إذا كانت الدولة هي التي تملك القرار، فهو دمج.
أما إذا كان تغيير الاسم هو التغيير الأكبر، بينما تستمر البنية العسكرية والقيادة والنفوذ المحلي، فنحن أمام إعادة تموضع.
وفي سوريا التي خرجت من عقود طويلة من حكم الأجهزة والميليشيات وسلطات الأمر الواقع، لا يكفي أن تتغير الأسماء. المطلوب أن تتغير قاعدة السلطة نفسها: منطق القوة يجب أن يخضع لمنطق الدولة، لا أن تدخل الدولة في تسوية تجعلها مجرد مظلة جديدة لقوى قائمة.
فالسلاح الذي يدخل مؤسسة الدولة ولا يخضع بالكامل لقرارها لا يصبح سلاح الدولة بمجرد ارتداء زيها. والسلطة التي تُبنى على أساس الانتماء المناطقي لا تصبح وطنية بمجرد تغيير عنوانها.
سوريا لا تحتاج إلى إعادة تسمية خرائط النفوذ؛ تحتاج إلى إنهاء منطق النفوذ نفسه.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
بين شرعية مجلس الشعب ومساءلة السلطة: من يمثل السوريين؟
الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب
محمد غميرة.. ضحية التعذيب في سوريا الجديدة دماؤه تفتح ملف محاسبة الأجهزة الأمنية وإيقاف آلة التعذيب