2 سبتمبر, 2026

اتحادُ الكُتّاب يقحم نفسه في عمل «هيئة العدالة الانتقالية» 

ليس كلُّ ما يُطلَق عليه اسمُ «العدالة الانتقالية» يصبح بالضرورة جزءًا من مسار العدالة الانتقالية، وليس كلُّ مؤسسةٍ تستطيع أن تستعير هذا المصطلح لتمنح نفسها اختصاصًا جديدًا. فقد أعلن اتحاد الكُتّاب العرب في سوريا إحداث ما سمّاه «دائرة العدالة الانتقالية الثقافية»، مبرّرًا ذلك بتوثيق الذاكرة السورية، وحفظ حقوق الضحايا، وتعزيز السلم الأهلي، وتطوير مفاهيم العدالة والإنصاف.

وهنا تحديدًا يحقُّ لنا أن نسأل، وبصوتٍ واضح: ما علاقة اتحاد الكُتّاب، بوصفه مؤسسةً أدبيةً وثقافيةً، بإحداث جسمٍ يحمل عنوان «العدالة الانتقالية»، بينما توجد في الدولة هيئةٌ متخصصةٌ أُنشئت أصلًا لهذا المسار؟

الثقافة لها دور… لكن الثقافة ليست سلطةً حقوقية:

لا أحد يعترض على أن يكون للأدب والشعر والفكر دورٌ أساسيٌّ في حفظ الذاكرة، وتوثيق شهادات الضحايا، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز المواطنة والسلم الأهلي. بل إن هذا الدور ضروريٌّ ومهمٌّ في أيِّ تجربةٍ جادّة للعدالة الانتقالية.

لكن الفرق كبير بين أن يقول اتحاد الكُتّاب: «نحن مستعدون لتقديم خبرتنا الثقافية والأدبية لخدمة مسار العدالة الانتقالية»، وبين أن يقول: «نحن نُنشئ دائرةً للعدالة الانتقالية داخل اتحادنا». الأول تعاونٌ مؤسسيٌّ مشروع، أمّا الثاني فيفتح الباب أمام تداخل الاختصاصات واستحداث هياكل موازية لا تبدو لها ضرورة واضحة.

فإذا كانت مهمة الاتحاد هي الأدب والثقافة، فليكن متميّزًا في الأدب والثقافة. وإذا كانت هناك حاجة إلى ذراعٍ ثقافيٍّ يخدم العدالة الانتقالية، فليكن ذلك عبر برنامجٍ أو لجنةٍ ثقافيةٍ تعمل بالتنسيق مع الهيئة الوطنية المختصة، لا عبر إنشاء جسمٍ إداريٍّ يحمل اسمًا يوحي بأن الاتحاد أصبح مؤسسةً حقوقيةً موازية.

والسؤال الأكثر إحراجًا: أين السند النظامي؟

هنا لا بدّ من طرح سؤالٍ بسيط ومباشر: بأيِّ مادةٍ من النظام الداخلي للاتحاد أُنشئت «دائرة العدالة الانتقالية الثقافية»؟

هل هي لجنة؟ أم مكتب؟ أم إدارة؟ أم جمعية؟ أم جسمٌ إداريٌّ جديد لا نعرف له توصيفًا نظاميًّا واضحًا؟

إذا كان هناك قرارٌ أصوليٌّ وسندٌ قانونيٌّ واضح، فليُنشر للرأي العام، وليُوضَّح للكتّاب وأعضاء الاتحاد. أمّا أن تُستحدث الهياكل عبر البيانات الإعلامية، ثم يُبحث لاحقًا عن مبرراتها، فهذه ليست عملية بناء مؤسسات؛ بل إدارةٌ للمؤسسة بعقلية العناوين والاستعراض.

اتحادُ الكُتّاب يحتاج إلى تطوير نفسه قبل أن يوزّع شهادات العدالة على الآخرين:

المشكلة الأكثر إلحاحًا ليست أن الاتحاد لا يملك «دائرةً للعدالة الانتقالية»، وإنما أن الاتحاد نفسه أمام استحقاقٍ أكبر بكثير: إعادة بناء مؤسسته وتطوير آليات عمله والخروج من إرث المرحلة السابقة، وتعزيز الشفافية، وتكافؤ الفرص، وتمثيل الكتّاب على أساس الكفاءة والمهنية، بعيدًا عن المناطقية والمحسوبيات والعلاقات الشخصية والعشائرية.

فبدلًا من استحداث أجسامٍ إداريةٍ جديدة ذات عناوين كبيرة، كان الأجدى أن ينشغل الاتحاد بإصلاح بنيته الداخلية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وفتح أبوابه أمام مختلف التيارات والمدارس الأدبية والثقافية، وأن يتحول فعلًا إلى مؤسسةٍ وطنيةٍ جامعةٍ لجميع الكتّاب السوريين.

فلا معنى للحديث عن «المواطنة الشاملة» في الندوات إذا بقيت المؤسسة الثقافية نفسها أسيرةً لآلياتٍ ضيقةٍ في الإدارة والتمثيل، ولا معنى للحديث عن «قبول الآخر» إذا كان الآخر الثقافي لا يجد طريقه إلى المؤسسة إلا عبر شبكة العلاقات والمحسوبيات.

لا نحتاج إلى عشرات الأجسام الجديدة… نحتاج إلى مؤسساتٍ تعمل:

سوريا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من اللافتات، ولا إلى أن تتحول كل مؤسسةٍ إلى دولةٍ مصغّرة، وكل إدارةٍ إلى هيئة، وكل هيئةٍ إلى دائرة، وكل دائرةٍ إلى مشروعٍ إعلامي. ما تحتاجه سوريا هو وضوح الاختصاصات، واحترام المؤسسات، والتنسيق بينها، وعدم صناعة أجسامٍ موازية تتداخل مهماتها وتشتّت المسؤولية.

وإذا كان اتحاد الكُتّاب يريد أن يخدم العدالة الانتقالية فعلًا، فالمجال أمامه واسعٌ جدًا: ليوثّق شهادات الكتّاب والضحايا أدبيًّا، وليحفظ الأرشيف، وليفتح منابره لكل الأصوات السورية، وليعيد الاعتبار للكتّاب الذين أُقصوا، وليواجه خطاب الكراهية، وليُنتج أدبًا يرفض الانتقام، وليتعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة الثقافة، وليضع خبرته الثقافية في خدمة مشروعٍ وطنيٍّ جامع.

هذا هو الدور الثقافي الحقيقي.

أمّا اختراع دائرةٍ تحمل اسمًا حقوقيًّا كبيرًا، من دون توضيحٍ كافٍ لاختصاصها وحدودها وسندها النظامي، فيبدو أقرب إلى استعراضٍ إداريٍّ وإعلاميٍّ لا تحتاج سوريا إليه.

اتحادُ الكُتّاب ليس هيئةً للعدالة الانتقالية:

وظيفة اتحاد الكُتّاب أن يكون اتحادًا للكتّاب، وأن يطوّر نفسه ليصبح مؤسسةً ثقافيةً وطنيةً حديثةً، لا أن يتوسع في اختصاصات ليست من صميم عمله، أو أن يستحدث أجسامًا إداريةً جديدة لا يعرف الكتّاب سندها في النظام الداخلي.

وإذا أراد الاتحاد أن يكون جزءًا من مشروع سوريا الجديدة، فليبدأ من السؤال الأصعب: هل استطاع أن يحقق داخل بيته ما يدعو إليه خارجَه: العدالة، والشفافية، والمواطنة، وتكافؤ الفرص، ورفض المناطقية والعشائرية والمحسوبية؟

قبل أن ننشئ «دائرة العدالة الانتقالية الثقافية»، ربما كان الأجدى أن نبدأ بـ إصلاح اتحاد الكُتّاب نفسه.

فالمؤسسات لا تُقاس بعدد الدوائر التي تستحدثها، ولا بضخامة أسمائها، ولا بعدد البيانات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على أداء وظيفتها، واحترام اختصاصها، والالتزام بنظامها، وخدمة الناس الذين أُنشئت من أجلهم.

لا نريد عدالةً انتقاليةً على الورق، ولا ثقافةً في خدمة الاستعراض؛ نريد مؤسساتٍ حقيقية، واختصاصاتٍ واضحة، وثقافةً تساهم في بناء الدولة، لا مؤسساتٍ تتنافس على استعارة أسماء الدولة.

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب