27 أغسطس, 2026

انشقاق وهروب إلى العراق: كيف دخلت عناصر من فلول الأسد إلى ألوية قسد المندمجة في الجيش السوري؟

حين يُقال إن تشكيلات مسلحة اندمجت في الجيش، يفترض أن يكون السؤال الأول: من هم الأشخاص الذين دخلوا المؤسسة العسكرية؟ وليس فقط: كم عدد البنادق التي دخلت معها؟

تتداول معلومات عن انشقاق ولجوء عناصر يُقال إنهم مرتبطون بفلول نظام بشار الأسد إلى العراق، بعد وجودهم ضمن ألوية قيل إنها اندمجت في التشكيلات العسكرية التابعة للجيش السوري الجديد. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن المسألة تتجاوز حادثة فرار أفراد من موقع عسكري إلى سؤال أكبر بكثير: كيف جرت عملية الدمج أصلًا؟

فالدمج العسكري ليس عملية حسابية تُضاف فيها كتيبة إلى كتيبة، ولا صفقة سياسية يجري فيها نقل السلاح والرتب والأفراد من طرف إلى آخر ثم إعلان انتهاء المشكلة.

الجيش مؤسسة دولة، والانتساب إليها يفترض أن يمر عبر إجراءات تحقق واضحة: تدقيق الهوية، مراجعة السجل العسكري والأمني، معرفة التسلسل القيادي السابق، فحص الارتباطات، والتحقق من المسؤوليات السابقة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بعناصر خدموا ضمن تشكيلات مسلحة نشأت خارج مؤسسات الدولة.

  • السؤال الذي يجب أن يطرح على قيادة الجيش: من دقّق في الملفات؟

إذا كانت المعلومات المتداولة صحيحة، فإن المشكلة ليست فقط في العناصر الذين تمكنوا من الانشقاق أو الهروب إلى العراق، وإنما في الجهة التي سمحت لهم أصلًا بالوصول إلى مواقع داخل مؤسسة عسكرية يفترض أنها تمثل الدولة.

هل جرى فحص ملفاتهم فرديًا؟

هل تمت مراجعة تاريخ خدمتهم السابقة؟

هل جرى التحقق من علاقاتهم وارتباطاتهم؟

هل تم التأكد من عدم وجود عناصر متورطة في انتهاكات أو جرائم أو أعمال أمنية لصالح النظام السابق؟

وهل كان الدمج قائمًا على اختبار الأفراد أم على مجرد استيعاب تشكيلات كاملة بما تحمله من شبكات وعلاقات وولاءات؟

هذه ليست أسئلة عدائية تجاه أي مكوّن أو منطقة أو جماعة. على العكس، إنها أسئلة ضرورية لحماية مؤسسة الجيش نفسها من اختراق الولاءات القديمة والجديدة.

  • المشكلة ليست في الانتماء السابق بل في غياب التدقيق

من الخطأ تحويل القضية إلى اتهام جماعي لكل من خدم سابقًا في مؤسسات الدولة أو انضم لاحقًا إلى تشكيلات مسلحة.

المسؤولية فردية، ولا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أشخاص منها.

لكن المسؤولية تصبح مختلفة عندما يتعلق الأمر بالقيادة التي تتولى عملية الدمج. فالقيادة لا يُفترض أن تقول: “دخلوا إلينا كقوة عسكرية، وسنتعرف إليهم لاحقًا”.

المؤسسة العسكرية لا تعمل بهذه الطريقة.

إذا كان شخص ما يحمل تاريخًا عسكريًا أو أمنيًا سابقًا، فهذا التاريخ ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من عملية التقييم الأمني والعسكري قبل منحه موقعًا داخل مؤسسة الدولة.

  • هل جرى دمج قوة أم استيراد شبكات؟

هذه هي النقطة الأخطر.

عندما تدخل قوة مسلحة كاملة إلى مؤسسة رسمية، فإن الدولة لا تستقبل الأسلحة فقط. إنها تستقبل معها الأشخاص، والعلاقات، والتسلسل القيادي، والخبرات، وأحيانًا الولاءات القديمة.

ولهذا فإن الاندماج الحقيقي يعني تفكيك البنية السابقة وإعادة بناء الانتماء على أساس المؤسسة الوطنية.

أما إذا بقيت البنية القديمة متماسكة، وبقيت العلاقات القديمة فاعلة، وأصبح أفراد التشكيل يحتفظون بولاءاتهم وتسلسلهم الداخلي، فإن ما حدث لا يكون اندماجًا كاملًا، بل نقلًا للبنية المسلحة من خارج الدولة إلى داخلها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل كانت قيادة الجيش أمام عملية دمج مؤسسية فعلًا، أم أمام عملية استيعاب سريعة لقوى عسكرية دون امتلاك الوقت أو الإرادة أو الآليات اللازمة لفحصها؟

  • الهروب إلى العراق، إن تأكد، ليس تفصيلًا أمنيًا

إذا ثبت رسميًا أن عناصر مرتبطة بفلول النظام السابق تمكنت من الانشقاق واللجوء إلى العراق بعد إدماجها في تشكيلات عسكرية، فإن الحادثة تستحق تحقيقًا مستقلًا، لا مجرد بيان عابر.

ينبغي معرفة:

من أدخل هؤلاء؟

من وافق على دمجهم؟

من فحص ملفاتهم؟

من منحهم المواقع والرتب؟

هل كانت هناك تحذيرات سابقة؟

هل كانت أسماؤهم معروفة لدى أجهزة أو جهات أمنية؟

وهل توجد عناصر أخرى تحمل الخلفية نفسها وما زالت داخل المؤسسة العسكرية؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا. إنها من صميم بناء الدولة.

  • الجيش ليس ملجأً سياسيًا

أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية هو التعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها صندوقًا كبيرًا لاستيعاب جميع القوى المسلحة المتنافسة.

من يريد بناء جيش وطني عليه أن يضع قاعدة بسيطة: لا أحد يدخل المؤسسة لأنه يمتلك السلاح، ولا لأنه يقود مجموعة مسلحة، ولا لأنه يملك نفوذًا سياسيًا.

يدخل لأنه مستوفٍ لشروط المؤسسة، وبعد تدقيق مهني وأمني وقانوني.

وإلا فإن الدولة قد تجد نفسها بعد سنوات أمام جيش يحمل في داخله خرائط الولاءات التي كانت موجودة خارجه.

  • المشكلة الحقيقية: عقلية إدارة المرحلة

إذا صحت المعلومات المتداولة، فإنها تكشف خللًا أكبر من قضية بضعة عناصر فروا إلى دولة مجاورة.

إنها تطرح سؤالًا عن طريقة إدارة المرحلة الانتقالية نفسها.

فالدولة لا تُبنى بعقلية: “أدخلوا الجميع الآن، ونحل مشكلاتهم لاحقًا”.

ولا تُبنى بتجميع القوى المسلحة ثم تسمية العملية “اندماجًا”.

الدولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التحقق والمساءلة والفرز، وإلى قيادة تدرك أن أخطر الأخطاء في المراحل الانتقالية ليست دائمًا تلك التي تظهر في اليوم الأول، بل تلك التي تتحول بصمت إلى مشكلات داخل مؤسسات الدولة نفسها.

وإذا كان الجيش قد استوعب أفرادًا دون تدقيق كافٍ في تاريخهم وارتباطاتهم، فالمشكلة ليست أن بعضهم هرب.

المشكلة أن أحدًا سمح لهم بالدخول أصلًا.

وهنا يجب أن يبدأ التحقيق الحقيقي: ليس من الحدود العراقية، بل من الباب الذي دخلوا منه إلى الجيش.

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب