لم تعد المشكلة التي تواجه السلطة السورية اليوم مجرد خلافات في إدارة المرحلة الانتقالية، ولا مجرد ملاحظات تأتي من الخارج يمكن تأجيلها أو الالتفاف عليها. المسألة بدأت تقترب من اختبار أكثر صعوبة: هل تستطيع السلطة الحفاظ على شرعيتها السياسية إذا استمرت في إدارة الداخل بعقلية، والتعامل مع الخارج بعقلية أخرى؟
الحكومة السورية أصبحت على المحك، لا لأن الغرب لديه تحفظات واسعة، بل لأن هامش المناورة أمامها يضيق من جهتين في آن واحد: مجتمع يواجه الفقر وتراجع القدرة الشرائية والقلق على مستقبله، ومجتمع دولي يربط الانفتاح السياسي والاقتصادي بمسار انتقالي شامل، وسيادة القانون، والمساءلة، واحترام حقوق السوريين.
● العالم لم يسلّم السلطة مفتاح الدولة:
من يراجع السياسة الأوروبية تجاه سوريا خلال العامين الأخيرين يجد صورة مختلفة تمامًا عن فكرة «الحصار الغربي». فقد رفع الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بسوريا في مايو/أيار 2025، باستثناء الإجراءات المرتبطة بالأمن، وأعاد في مايو/أيار 2026 التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا، في إطار دعم التعافي الاقتصادي والانتقال السياسي.
لكن الانفتاح لم يكن تفويضًا مفتوحًا للسلطة. الاتحاد الأوروبي ربط دعمه بانتقال سلمي وشامل، والمصالحة الوطنية، والمساءلة، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، مع التأكيد على حماية التنوع السوري.
وهنا تكمن نقطة جوهرية قد لا تكون السلطة قد استوعبتها بما يكفي: رفع العقوبات ليس شهادة نجاح، والانفتاح الدولي ليس اعترافًا بأن طريقة إدارة الدولة أصبحت ناجحة.
إنه، في جانب منه، فرصة جديدة أمام سوريا. وهذه الفرصة يمكن أن تتحول إلى مسار لإعادة بناء الدولة، أو تضيع إذا تعاملت السلطة معها باعتبارها مجرد انتصار سياسي.
● المشكلة الأكبر في الداخل:
المفارقة أن السلطة قد تكون أمام مشكلة أكبر في الداخل من تلك التي تواجهها في الخارج.
السوري الذي يعيش الفقر وارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية لا يستطيع أن يتعامل مع الخطاب السياسي بوصفه إنجازًا اقتصاديًا. فالشرعية السياسية في المرحلة الانتقالية لا تُقاس فقط بما تقوله السلطة عن نفسها، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
المواطن يريد أن يعرف ماذا تغير في حياته: هل أصبحت الدولة أكثر كفاءة؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبحت الوظيفة العامة قائمة على الكفاءة؟ وهل يستطيع صاحب الخبرة أن يصل إلى موقع المسؤولية دون أن يكون جزءًا من شبكة ولاء سياسي؟
وتكشف الأرقام الرسمية نفسها عن ضغوط مالية كبيرة. فقد أعلنت وزارة المالية السورية أن الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، أي عجز يقارب مليار دولار. كما ارتفع الإنفاق، وفق البيانات الحكومية، بنسبة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها أن الفساد هو سبب العجز، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام مباشر للحكومة. لكنها تكشف حجم الضغط الذي تواجهه المالية العامة، وتطرح سؤالًا مشروعًا عن كفاءة الإنفاق، وأولويات الدولة، وآليات الرقابة، وقدرتها على استخدام الموارد المحدودة بطريقة تحقق أكبر أثر ممكن على حياة المواطنين.
● الفقر ليس نتيجة اقتصادية فقط:
الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن السياسة.
عندما تتراجع الكفاءة، وتُستبعد الخبرات، وتتحول المناصب العامة إلى مكافآت سياسية أو امتيازات لشبكات الولاء، تصبح المؤسسات نفسها أقل قدرة على إدارة الاقتصاد.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تبدأ فقط بملاحقة موظف اختلس المال العام، رغم أهمية ذلك، وإنما تبدأ قبل وصول المال إلى يد الفاسد: من طريقة اختيار المسؤولين، ومن شفافية التعيينات، ومن استقلال المؤسسات الرقابية، ومن قدرة القضاء على محاسبة أصحاب النفوذ، ومن وضع معايير واضحة للمسؤولية والكفاءة.
الدولة التي تستبعد الكفاءات تدفع ثمن ذلك مرتين: مرة عندما تخسر خبرة كان يمكن أن تساعد في حل مشكلاتها، ومرة عندما تضطر إلى دفع كلفة القرارات السيئة التي تنتج عن غياب تلك الخبرة.
وهنا يصبح الحديث عن الإصلاح الاقتصادي ناقصًا إذا لم يترافق مع إصلاح إداري وسياسي.
● ليّ ذراع الخارج لا يعالج أزمة الداخل:
المشكلة الأخطر ستكون إذا اعتقدت السلطة أن المطالب الدولية يمكن التعامل معها بمنطق «ليّ الذراع».
قد تنجح هذه اللغة في تفاوض سياسي قصير الأمد، لكنها ليست سياسة دولة تستطيع بناء اقتصاد وإعادة إعمار وجذب استثمارات وإعادة ربط المصارف والأسواق السورية بالعالم.
الاتحاد الأوروبي، الذي ألغى العقوبات الاقتصادية وأعاد تنشيط علاقاته الرسمية مع دمشق، يؤكد في الوقت نفسه أن الانتقال السوري ينبغي أن يكون شاملًا وسلميًا، وأن احترام سيادة القانون والمساءلة وحقوق الإنسان جزء من المسار الذي يدعمه.
بمعنى آخر، الانفتاح الدولي موجود، لكن استدامته تحتاج إلى بيئة سياسية ومؤسساتية قادرة على إنتاج الثقة.
والثقة ليست خطابًا سياسيًا.
الثقة تعني أن المستثمر يعرف قواعد اللعبة، وأن المواطن يعرف أن القانون يحميه، وأن المسؤول يعرف أن منصبه ليس حصانة، وأن المؤسسة لا تتغير قواعدها بتغير الأشخاص.
● لا يمكن للسلطة أن تسير عكس المجتمع إلى ما لا نهاية:
السلطة الانتقالية تستطيع أن تطلب الوقت، وهذا طبيعي. وتستطيع أن تواجه أزمات موروثة، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. كما أن انهيار الدولة أو تعطيل مؤسساتها ليس بديلًا عن الإصلاح.
لكن ما لا تستطيع فعله إلى ما لا نهاية هو التعامل مع المجتمع وكأنه مجرد جمهور ينتظر التعليمات.
فالمرحلة الانتقالية، مهما كانت صعوبتها، ليست فترة معلقة فوق المجتمع. وهي لا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على البقاء فقط، وإنما من قدرتها على تحقيق انتقال فعلي نحو دولة أكثر شمولًا وعدالة وكفاءة.
وكلما اتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، أصبح الضغط الاقتصادي أكثر من مجرد أزمة معيشية؛ يتحول إلى سؤال سياسي عن طريقة إدارة الدولة نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: انتقاد السلطة لا يعني الدعوة إلى إسقاط الدولة، والمطالبة بالإصلاح لا تعني العودة إلى الفوضى أو إلى الماضي. على العكس، الإصلاح الحقيقي هو الطريق الذي يحمي مؤسسات الدولة من الانهيار ويحمي المجتمع من اليأس.
● المشكلة ليست في الغرب وحده:
من السهل سياسيًا أن تبحث السلطة عن خصم خارجي وتحملّه مسؤولية كل أزمة داخلية.
لكن هذا المنطق يفقد قيمته عندما يكون المواطن هو من يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات، والبطالة، وسوء الإدارة، وتراجع فرص العمل.
ولا يمكن اختزال كل هذه المشكلات في العقوبات، خصوصًا بعدما رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية الواسعة، وأعاد فتح قنوات التعاون الاقتصادي والسياسي مع سوريا.
كما لا يمكن، في المقابل، تحميل الحكومة وحدها كل أزمات اقتصاد خرج من سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام.
المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك.
لكن التعقيد لا يعني إعفاء السلطة من المسؤولية، كما أن وجود أخطاء أو إخفاقات حكومية لا يعني أن كل مسؤول أو كل مؤسسة فاسدة.
المطلوب هو تحديد المسؤولية بدقة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وإعادة الاعتبار للكفاءة، بدل تحويل النقد إلى خصومة شاملة مع الدولة أو المجتمع.
● الاختبار الحقيقي بدأ الآن:
قد تستطيع أي سلطة تأجيل بعض الملفات، وقد تستطيع المناورة في بعض المفاوضات، وقد تستطيع شراء الوقت.
لكنها لا تستطيع شراء ثقة المواطن إلى ما لا نهاية.
السوري يريد دولة يشعر أنها تعمل من أجله، لا دولة تطلب منه الصبر بينما يرى الامتيازات السياسية والإدارية تتوسع أمامه. ويريد أن يعرف أن الكفاءة يمكن أن تصل إلى موقع القرار، وأن المال العام يخضع للرقابة، وأن المسؤولية السياسية لا تنتهي بمجرد الوصول إلى المنصب.
وفي المقابل، يحتاج العالم إلى رؤية مؤسسات سورية مستقرة وقادرة على إدارة الدولة، وليس مجرد سلطة تستطيع عقد الاجتماعات وإصدار البيانات.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع الحكومة السورية ليَّ ذراع الغرب؟
السؤال الأهم هو: إلى متى تستطيع أي سلطة انتقالية أن تتجاهل ضغط الداخل، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى ثقة الخارج؟
فالخطر على المرحلة الانتقالية لا يأتي بالضرورة من قرار خارجي بإسقاطها. قد يأتي من شيء أكثر بساطة وأشد تأثيرًا: أن تفقد السلطة القدرة على إقناع السوريين بأن هذه المرحلة تقود فعلًا إلى دولة تستحق أن يشاركوا في بنائها.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
إعادة الإعمار مرتبطة باستحقاقات واضحة: الثقة قبل طلب مليارات العالم
كي لا تكرر المعارضة أخطاء السلطة: نحو استعادة المشروع الوطني الديمقراطي في سوريا
أحكام الساحل وأسئلة السويداء: خطوة مهمة في مسار المحاسبة بانتظار المزيد