تسع دول، وفي أوقات متقاربة، تشهد احتجاجات في ظروف ومطالب مختلفة، من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا إلى أذربيجان وباكستان وتونس، كما لو أن تحركات الشارع تُدار بتنسيق من قوى خفية. لكن التدقيق في الوقائع لا يقدم دليلًا على وجود تنسيق مشترك؛ بل يكشف أزمات متباينة، يجمع بينها اتساع الفجوة بين ما تنتظره المجتمعات وما تقدمه الحكومات من استجابات.
ففي أوروبا، تتقدم تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والأجور على قائمة المطالب، بينما تحمل الاحتجاجات في أذربيجان أبعادًا تتصل بحرية الدين والحق في التعليم، وفي باكستان وتونس أبعادًا سياسية تتعلق بالحكم والمشاركة والحريات. وما يستحق الانتباه ليس مجرد تزامن المظاهرات، بل ما تكشفه عن علاقة المواطنين بمؤسساتهم، وعن قدرة الحكومات على تصحيح أخطائها قبل أن تتحول المطالب المتراكمة إلى أزمات أعمق.
● الاحتجاج حق، وليس منّة من السلطة:
في المجتمعات الديمقراطية، لا يمثل التظاهر خللًا في النظام السياسي بالضرورة، بل هو إحدى الأدوات التي تتيح للمواطنين التعبير عن مصالحهم، ومحاسبة حكوماتهم، والضغط من أجل تغيير السياسات. وقد يكون الاحتجاج علامة على أن المجتمع ما زال قادرًا على الدفاع عن حقوقه بدل الاستسلام للأمر الواقع.
لكن قيمة هذا الحق لا تُقاس فقط بما تسمح به القوانين، بل أيضًا بمدى احترامه عمليًا، وباستعداد المؤسسات للاستماع إلى المطالب والتعامل معها بجدية. فحين يشعر المواطن بأن صوته لا يصل عبر الانتخابات أو النقابات أو المؤسسات التمثيلية، يصبح الشارع مساحة بديلة لإيصال الرسالة.
المشكلة تبدأ عندما تتعامل الحكومات مع المظاهرات باعتبارها أزمة أمنية ينبغي إنهاؤها، لا رسالة سياسية واجتماعية ينبغي فهمها. قد تنجح الإجراءات الأمنية في تفريق الحشود مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة ارتفاع الإيجارات، أو تراجع القدرة الشرائية، أو تدهور الخدمات العامة، أو الشعور بانعدام تكافؤ الفرص.
وفي المقابل، لا يمنح الحق في التظاهر أي شخص حصانة لارتكاب الجرائم. فحرية التعبير والتجمع لا تعني الاعتداء على الآخرين أو تدمير ممتلكاتهم أو تحويل الشارع إلى مساحة للترهيب. حماية الاحتجاج السلمي ومحاسبة مرتكبي العنف مسؤوليتان متكاملتان، لا خياران متعارضان.
إن تجاهل الأسباب لا يلغيها، كما أن تبرير الجريمة باسم المطالب لا يخدمها؛ بل قد يراكم الأزمات ويضعف الثقة بحق الاحتجاج نفسه.
● فرنسا: حين تختلط المطالب المشروعة بالنهب والتخريب:
شهدت فرنسا في 17 أكتوبر/تشرين الأول تحركات واسعة ارتبطت بغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة ومشكلات التعليم. وتحدثت تقارير صحفية عن مشاركة واسعة في المسيرات، بالتوازي مع أعمال تخريب ونهب وحرائق واشتباكات مع الشرطة في باريس ومدن أخرى. وقدّرت نقابة CGT عدد المشاركين بنحو نصف مليون، فيما أوردت تقارير أخرى تقديرات مختلفة، ما يستدعي عدم التعامل مع الأرقام المتداولة باعتبارها حصيلة نهائية متفقًا عليها.
لكن التطور الأكثر دلالة لم يكن حجم الحشود وحده، بل ما رافق بعض التحركات من اقتحام متاجر وسرقة محتوياتها والاعتداء على الممتلكات. وأظهرت مقاطع متداولة صاحبة متجر تستعطف المقتحمين كي يتوقفوا عن تدمير مصدر رزقها، فيما تجاهل بعضهم توسلاتها ودفعوها جانبًا. وتداولت حسابات على منصات التواصل روايات عن السخرية منها، لكن ينبغي التمييز بين ما يظهر بوضوح في التسجيل وبين التفاصيل التي تحتاج إلى تحقق مستقل.
هذا المشهد يختصر مأساة مزدوجة: مواطنون يخرجون إلى الشارع احتجاجًا على أوضاع معيشية صعبة، وآخرون يستغلون الحشود للسرقة والتخريب، فيعتدون على أشخاص قد يكونون هم أنفسهم من المتضررين من الأزمة الاقتصادية.
ما ذنب صاحب متجر صغير كي يدفع ثمن غضب سياسي أو اجتماعي لا يملك قرارًا بشأنه؟ وما علاقة سرقة البضائع أو تحطيم الواجهات بتحسين الأجور أو خفض الإيجارات أو إصلاح التعليم؟ إن تحويل الاحتجاج إلى فرصة للنهب لا يضغط على الحكومة وحدها، بل يحمّل أفرادًا عاديين خسائر مباشرة، وقد يهدد أرزاقهم ومستقبل أعمالهم.
والأخطر أن بعض المقتحمين لا يكتفون بالسرقة، بل يتعاملون مع من يحاول ردعهم كأنه خصم يستحق السخرية أو الإذلال. هنا لا يعود الأمر مجرد تخريب للممتلكات، بل اعتداء على كرامة إنسان يحاول حماية مصدر رزقه. ولا يجوز أن تصبح شجاعة امرأة تدافع عن متجرها مادة للتندر، فيما يُعامل من ينهبون ممتلكات الآخرين كأنهم أبطال احتجاج.
مع ذلك، لا يجوز استخدام هذه المشاهد لتجريم جميع المتظاهرين. فالتقارير نفسها تميز بين مسيرات سلمية شارك فيها كثيرون، ومجموعات ارتكبت أعمالًا إجرامية. المسؤولية فردية، وتحديدها يجب أن يستند إلى الأدلة. كما أن الاعتداء على عناصر الشرطة ليس وسيلة مشروعة للتعبير عن الغضب، تمامًا كما أن استخدام القوة غير المتناسبة ضد المتظاهرين السلميين لا يصبح مبررًا بسبب ارتكاب آخرين أعمال عنف.
على السلطات حماية التجمعات السلمية، والتدخل المتناسب لمنع الاعتداءات، والتحقيق في الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، بما في ذلك أي تجاوزات محتملة من أفراد الأمن. أما سياسيًا، فلا يكفي التوعد بالعقاب أو إدانة مثيري الشغب؛ إذ يبقى السؤال الأهم: لماذا يشعر هذا العدد من المواطنين بأن ظروف الحياة والخدمات العامة لم تعد تلبي الحد المقبول من احتياجاتهم؟
● إيطاليا وبلجيكا والبرتغال: أزمات معيشية تتخذ أشكالًا مختلفة:
لم تكن فرنسا وحدها في واجهة المشهد الأوروبي يوم 17 أكتوبر. ففي إيطاليا، شهدت مدن بينها ميلانو وتورينو وبولونيا تحركات احتجاجية ارتبطت بغلاء المعيشة والأسعار وفواتير الطاقة والأجور وظروف التعليم والخدمات العامة. وتخللت بعض التجمعات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، خصوصًا في ميلانو، حيث تحدثت تقارير عن متاجر تعرضت للاقتحام وعن إصابات وتوقيفات.
لا ينبغي أن تُختزل هذه الوقائع في سؤال الأمن وحده. فحين تتحول المطالب المتعلقة بالمعيشة والتعليم والصحة إلى غضب واسع، يصبح واجب الحكومة أن تفحص أسباب ذلك الغضب، فيما يبقى واجب أجهزة إنفاذ القانون حماية الناس والممتلكات ومحاسبة من يرتكبون الاعتداءات. لا تمنح الأزمة الاقتصادية أحدًا حق السرقة، لكنها أيضًا لا تُحل بمجرد إخلاء الساحات.
وفي بلجيكا، تركزت تحركات طلابية على تكاليف التعليم الجامعي وإصلاحات يُخشى أن تحد من فرص الوصول إلى التعليم العالي. وسُجلت مواجهات في بروكسل ولييج، استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وهذه المطالب تطرح سؤالًا يتجاوز تفاصيل الإصلاحات: هل تظل فرص التعليم متاحة على أساس الكفاءة والقدرة، أم تصبح الكلفة المتزايدة حاجزًا أمام شرائح اجتماعية واسعة؟
أما في البرتغال، فقد خرج آلاف المحتجين، ومن بينهم نشطاء في مجال السكن ونقابات، للمطالبة بأجور ومعاشات أفضل، وخدمات عامة أقوى، وإجراءات تخفف من أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وتكاليف الطاقة. وامتدت التحركات إلى مدن عدة، بينما أقام بعض المحتجين خيامًا في لشبونة للمطالبة بحلول عملية.
تختلف التفاصيل بين البلدان الثلاثة، لكن القاسم المشترك واضح: لا يستطيع المواطن أن يعيش على المؤشرات الاقتصادية العامة وحدها إذا كان راتبه لا يكفي لتغطية الإيجار والطاقة والغذاء، ولا تكون الخدمات العامة ناجحة لمجرد استمرار المؤسسات في العمل إذا كانت كلفتها أو جودتها تدفع الناس إلى الشعور بالإقصاء.
والحكومات التي تريد احتواء الغضب مطالبة بأن تقدم أرقامًا وقرارات قابلة للقياس: ماذا ستفعل لتخفيف عبء السكن؟ كيف ستدعم القدرة الشرائية؟ ما خطتها لتحسين التعليم والصحة؟ ومتى يمكن للمواطن أن يرى أثر هذه السياسات في حياته اليومية؟
● إسبانيا: أزمة السكن لم تعد شأنًا خاصًا بالمستأجرين:
في إسبانيا، تصاعدت الاحتجاجات على أزمة السكن خلال الأسابيع الأولى من أكتوبر، بعد إخلاء مسنّة تبلغ 87 عامًا من منزل أقامت فيه عقودًا، في واقعة أثارت غضبًا واسعًا. وتحوّلت ساحة بويرتا ديل سول في مدريد إلى مخيم احتجاجي للمطالبة بحماية المستأجرين، والحد من الإخلاء من دون بدائل مناسبة، وإقرار إجراءات أكثر فاعلية لمعالجة ارتفاع الإيجارات.
وتواصلت التحركات رغم الضغوط على المخيمين، ومنها إغلاق محطة مترو سول يومين بقرار من السلطات الإقليمية، في خطوة أثارت خلافًا بشأن مبرراتها ومدى تناسبها مع إدارة الاحتجاج. كما تصاعد التوتر عندما حاولت مجموعات متطرفة مواجهة المحتجين في محيط المخيم، وأوقف أشخاص على خلفية تلك الأحداث.
لا يمكن اختزال أزمة السكن في خلاف بين مالك ومستأجر، أو في حادثة فردية مهما كانت مؤثرة. فحين يصبح العثور على مسكن مناسب عبئًا يستنزف الدخل، وحين يخشى الناس أن يفقدوا منازلهم من دون بدائل واقعية، تتحول المسألة إلى قضية تتصل بالعدالة الاجتماعية والاستقرار الأسري والقدرة على بناء المستقبل.
ولا تعني حماية المستأجرين إلغاء حقوق المالكين، كما لا تعني حماية الملكية ترك السوق من دون قواعد عادلة. المطلوب هو إطار قانوني متوازن، وسياسات تزيد المعروض من السكن الميسّر، وتحمي الفئات الهشة، وتحد من الممارسات التي تجعل السكن سلعة بعيدة عن قدرة شرائح متزايدة من المجتمع.
والدرس الإسباني أن تجاهل أزمة السكن لا يبقيها محصورة في العقود والإيجارات؛ بل يمكن أن يحولها إلى قضية انتخابية واجتماعية واسعة، تعيد تشكيل العلاقة بين المواطنين والحكومة.
● ألبانيا: حين تتراكم اتهامات الفساد ومشكلات التعليم:
في ألبانيا، تصاعدت الاحتجاجات الطلابية في تيرانا خلال منتصف أكتوبر، وانضمت إلى تحركات أوسع تطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد، ومشكلات البطالة، وتراجع جودة التعليم، وضعف الفرص المتاحة أمام الشباب.
وأفادت تقارير صحفية بوقوع مواجهات عنيفة، وإحراق مبانٍ عامة، وإلقاء مقذوفات على الشرطة، التي استخدمت بدورها وسائل لتفريق الحشود، بينها الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي بحسب تقارير عن أحداث 17 أكتوبر. كما أُعلن عن توقيفات وإصابات، فيما تعرّض استخدام القوة من جانب الشرطة لانتقادات ومطالبات بالتحقيق.
ولا يعني ورود اتهامات بالفساد أنها ثبتت جميعها قضائيًا، كما لا يبرر الغضب الاعتداء على الأشخاص أو إحراق الممتلكات. لكن استمرار التحركات واتساعها يستدعيان إجابات سياسية ومؤسسية واضحة، لا الاكتفاء بوصف المحتجين بأنهم أدوات للمعارضة أو التعامل مع الأزمة باعتبارها اضطرابًا عابرًا.
الحكومة مسؤولة عن تقديم معلومات قابلة للتحقق بشأن النزاهة وإدارة المال العام، وضمان أن تعمل مؤسسات الرقابة والقضاء باستقلالية. والمعارضة مسؤولة عن تقديم بدائل سياسية واضحة، لا استثمار الغضب من دون برنامج. أما المحتجون، فمن حقهم المطالبة بالتغيير، مع التزام احترام حقوق الآخرين.
وحين يخرج الطلاب احتجاجًا على التعليم والفرص المستقبلية، فإن تجاهلهم لا يؤجل المشكلة فحسب؛ بل يهدد بتوسيع الهوة بين الشباب والمؤسسات التي يُفترض أن تمثلهم.
● أذربيجان: احتجاجات تتعلق بالحق في التعليم وحرية الدين:
في أذربيجان، لا تتمحور الاحتجاجات حول الأسعار وحدها، بل حول قيود مرتبطة بارتداء الحجاب في المدارس. وأفادت تقارير منشورة في أكتوبر بأن طالبات ومعلمات مُنعن من دخول مؤسسات تعليمية بسبب ارتداء الحجاب، بعد تطبيق قواعد للزي المدرسي أثارت جدلًا حول تفسير مبدأ العلمانية وحدود تدخل الدولة في الخيارات الدينية الشخصية.
وأعربت منظمات حقوقية عن قلقها إزاء تقارير عن توقيف محتجين سلميين، معتبرة أن منع الطالبات من التعليم بسبب ملابسهن يثير مسائل تتعلق بحرية الدين والتعبير والحق في التعليم.
ومن الضروري هنا تجنب اختزال المسألة في مواجهة بين الدين والعلمانية. فالدولة العلمانية ليست بالضرورة دولة تتدخل في كل اختيار شخصي، كما أن حرية الدين لا تعفي أي شخص من قواعد عامة مشروعة ومتناسبة. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت القيود ضرورية وواضحة وغير تمييزية، وما إذا كان تطبيقها يحترم حقوق الطالبات والمعلمات ويتيح لهن الطعن في القرارات التي تمس تعليمهن أو عملهن.
وتكشف هذه القضية أن الاحتجاج قد ينشأ عندما يشعر المواطنون بأن قرارًا إداريًا يمس حرية أساسية، حتى إذا لم يكن الدافع اقتصاديًا. لذلك فإن الحل لا يكون باعتبار كل اعتراض تهديدًا للنظام العام، بل بتوضيح القواعد، ومراجعة آثارها، وإتاحة سبل قانونية فعالة للاعتراض، وضمان عدم حرمان الأطفال من التعليم بسبب نزاع يمكن التعامل معه بوسائل أقل تقييدًا.
● باكستان: صراع سياسي لا يجوز دمجه آليًا في احتجاجات المعيشة الأوروبية:
شهدت باكستان تطورات سياسية واحتجاجية في منتصف أكتوبر، على خلفية قرار فرض حالة طوارئ في إقليم خيبر بختونخوا وتعليق عمل الحكومة الإقليمية التي يقودها حزب حركة الإنصاف المرتبط برئيس الوزراء السابق عمران خان. واندلعت مواجهات بين الشرطة ومؤيدي الحزب في شمال غربي البلاد، بينما تحدثت تقارير عن توقيفات وإصابات، وعن مخاوف من أن تؤدي الإجراءات إلى تقليص المجال المتاح للمعارضة السياسية.
وتبقى هذه التطورات مرتبطة بصراع داخلي على السلطة وبالوضع الأمني في الإقليم، ولا يصح تقديمها بوصفها نسخة من احتجاجات غلاء المعيشة في فرنسا أو البرتغال. كما أن روايات الأطراف بشأن بعض تفاصيل المواجهات تحتاج إلى تحقق مستقل، ولا ينبغي التعامل مع كل ادعاء سياسي على أنه حقيقة مثبتة.
لكن المبدأ الحقوقي يظل واحدًا: لا يجوز استخدام الأوضاع الأمنية ذريعة مفتوحة لإسكات المعارضة السلمية، كما لا يجوز لأي طرف سياسي أن يبرر الاعتداءات أو أعمال العنف لمجرد أن مرتكبيها ينتمون إلى صفوف مؤيديه. ويجب أن تستند الاعتقالات والإجراءات الاستثنائية إلى أساس قانوني واضح، وأن تكون قابلة للمراجعة القضائية.
إن إدراج باكستان في هذه القراءة لا يعني أن جميع الدول تعيش أزمة واحدة؛ بل يوضح أن الشارع قد يصبح ساحة للاعتراض على قضايا مختلفة تمامًا، من تكلفة المعيشة إلى القيود على المشاركة السياسية.
● تونس أيضًا: احتجاجات على الحكم والأوضاع الاقتصادية:
وفي 17 أكتوبر، شهدت تونس تحركًا احتجاجيًا كبيرًا شاركت فيه قوى نقابية ومدنية ومواطنون، وانتقد المشاركون إدارة الرئيس قيس سعيّد للشؤون السياسية والاقتصادية، وتحدثوا عن تدهور الأوضاع المعيشية، ونقص بعض الخدمات والمواد الأساسية، وارتفاع البطالة، وتراجع الحريات.
وتختلف الحالة التونسية عن احتجاجات السكن والتعليم في أوروبا، كما تختلف عن الجدل الحقوقي في أذربيجان. لكنها تضيف إلى الصورة سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين الضغوط الاقتصادية وحرية التنظيم والتعبير والمشاركة السياسية.
ولا يجوز استنتاج وجود قيادة واحدة لهذه الاحتجاجات لمجرد تقارب توقيتها. الأصح هو فحص كل حالة في سياقها الوطني، وتحديد المطالب الفعلية، وما إذا كانت السلطات تتيح للمعارضة والمجتمع المدني التعبير السلمي، وما إذا كانت الاستجابة السياسية تعالج أسباب الغضب أم تزيدها.
● الحلول المنقوصة: تأجيل الأزمة بدل حلها:
تخطئ الحكومات عندما تظن أن تقديم تنازل محدود، أو إطلاق وعود عامة، أو تغيير مسؤول واحد، كافٍ لإنهاء أزمة تتعلق ببنية السياسات نفسها. وقد تهدأ الشوارع لفترة، لكن المطالب تعود عندما يكتشف المواطنون أن أسباب احتجاجهم لم تتغير.
معالجة أزمات المعيشة تحتاج إلى إجراءات ملموسة: سياسات سكن أكثر عدالة، وحماية فعلية للقدرة الشرائية، وأجور تتناسب مع تكاليف الحياة، وخدمات عامة ذات جودة، ورقابة جدية على الأسواق والإنفاق العام. كما تحتاج إلى شفافية تتيح للمواطن معرفة ما اتخذته الحكومة، وما كلفته الإجراءات، ومن استفاد منها، وما النتائج التي تحققت.
أما مكافحة الفساد، فلا تتحقق بالشعارات أو الحملات الانتقائية، بل بمؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء قادر على العمل من دون تدخل سياسي، وإجراءات تضمن المساواة أمام القانون. وفي الملفات الحقوقية، لا بد من ضمان أن تكون القيود المفروضة على الحريات واضحة وضرورية ومتناسبة، وأن تتاح سبل الاعتراض والطعن.
وفي مواجهة أعمال النهب والتخريب، لا بد من تطبيق القانون على المسؤولين عنها، من دون تعميم الاتهام على المتظاهرين السلميين أو تحويل العنف الفردي إلى ذريعة لتقييد الاحتجاج كله. فالدولة التي تحمي حق التظاهر مطالبة أيضًا بحماية أصحاب المتاجر والعمال والمارة والصحفيين وكل من قد يتضرر من الفوضى.
والأهم أن تُقاس فعالية السياسات بنتائجها، لا بعدد المؤتمرات والوعود. فإذا كان الإجراء لا يعالج المشكلة، فعلى الحكومة أن تراجعه وتصححه، بدل تحميل المجتمع مسؤولية فشله.
هذا هو الفارق بين إدارة الأزمات وإصلاح أسبابها: الأولى تشتري الوقت، والثانية تستعيد الثقة.
● أوروبا تدفع فاتورة الحرب مرتين:
لا يمكن فهم الضغوط الاجتماعية في أوروبا بمعزل عن البيئة الاقتصادية والجيوسياسية التي تعيشها القارة. فالحرب الروسية على أوكرانيا دفعت الدول الأوروبية إلى تقديم دعم مالي وعسكري لكييف، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالأمن الأوروبي ورفض تغيير الحدود بالقوة. لكن هذا الخيار الاستراتيجي ترافق مع تكاليف اقتصادية وضغوط على الموازنات والأسواق، في وقت تواجه فيه قطاعات واسعة من السكان ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والطاقة.
ومن هنا يمكن القول إن أوروبا تواجه فاتورتين مترابطتين، وإن لم تكونا متطابقتين: فاتورة خارجية تتمثل في كلفة دعم أوكرانيا وتعزيز الأمن والدفاع، وفاتورة داخلية تتصل بتداعيات الحروب واضطراب أسواق الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب مشكلات اقتصادية واجتماعية كانت قائمة أصلًا.
لكن الإنصاف يقتضي عدم اختزال ارتفاع الأسعار أو تعثر الشركات في دعم أوكرانيا وحده؛ فأسعار الطاقة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها الحروب واضطرابات الإمدادات والسياسات الاقتصادية والضرائب وتكاليف الإنتاج واختلاف أوضاع كل دولة. كذلك لا يعني تراجع القدرة الشرائية أن الطبقة الوسطى انتهت بالفعل، وإن كان استمرار الضغوط قد يضعف موقعها ويزيد هشاشتها.
المعضلة السياسية ليست أن تتخذ أوروبا قرارات لحماية أمنها، بل أن تفشل في توزيع أعباء تلك القرارات بصورة عادلة، أو أن تطلب من مواطنيها تحمل تكاليف متزايدة من دون رؤية واضحة للنتائج، ومن دون حماية كافية للفئات الأكثر تضررًا.
فإذا كان الهدف حماية الديمقراطية الأوروبية من التهديدات الخارجية، فلا يجوز إهمال شروط تماسكها الداخلي. الديمقراطية ليست حدودًا جغرافية وموازنات دفاعية فحسب؛ إنها أيضًا قدرة المواطن على العيش بكرامة، وثقته بأن المؤسسات لا تتركه وحده في مواجهة الأزمات.
وإذا اتسعت الفجوة بين كلفة الخيارات الاستراتيجية وبين قدرة الناس على تحملها، فإن الخطر لا يقتصر على تراجع شعبية الحكومات، بل قد يمتد إلى نمو الاستقطاب وصعود التيارات الشعبوية التي تقدم حلولًا سهلة لمشكلات معقدة.
● الإنذار الذي ينبغي أن تسمعه الحكومات:
لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الدول التي شهدت الاحتجاجات، ولا يمكن جمع المطالب الاقتصادية والحقوقية والسياسية في تفسير واحد. لكن ثمة قاعدة مشتركة: الاحتجاج السلمي حق، والاستماع إلى المجتمع واجب سياسي، وحماية الممتلكات والأرواح مسؤولية قانونية، ومحاسبة مرتكبي العنف يجب أن تتم على أساس فردي وأدلة واضحة.
ولا يجوز أن يصبح حق التظاهر غطاءً للنهب، كما لا يجوز أن تتحول أعمال النهب إلى ذريعة لتجريم حركة احتجاجية بأكملها. فالمتظاهر السلمي ليس مسؤولًا عن جريمة ارتكبها شخص آخر، وصاحب المتجر الذي يتعرض للسرقة ليس خصمًا للمطالب الاجتماعية، والشرطي أو الصحفي أو المارة لا يفقدون حقوقهم لأنهم وجدوا أنفسهم في محيط احتجاج.
أما الحكومات التي تريد استعادة الثقة، فعليها أن تنتقل من رد الفعل إلى الإصلاح، ومن الوعود إلى النتائج، ومن إدارة الصورة الإعلامية إلى معالجة المشكلات الفعلية. وعليها أن تدرك أن استقرار الدولة لا يتحقق بإسكات الشارع، بل بتقليص الأسباب التي تدفع الناس إلى النزول إليه.
فالشارع لا يقدم دائمًا حلولًا جاهزة، لكنه يكشف في كثير من الأحيان عن مشكلات لم تعد المؤسسات قادرة على تجاهلها. والحكمة ليست في انتظار انحسار الغضب، ولا في الاكتفاء بملاحقة من استغلوا الاحتجاج لارتكاب الجرائم، بل في حماية الحقوق ومحاسبة المخالفين وإصلاح السياسات التي جعلت الغضب ممكنًا.
فهل تتعامل الحكومات مع هذه الاحتجاجات باعتبارها فرصة لمراجعة السياسات وتصحيح الأخطاء، أم تكتفي بانتظار انحسار الغضب، لتجد نفسها أمام موجة جديدة بعد أسابيع أو أشهر؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
الشعوب من حقها الاحتجاج، لكن لا حق لأحد في نهب المتاجر وتخريب الممتلكات
في أوروبا، تتقدم تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والأجور على قائمة المطالب، بينما تحمل الاحتجاجات في أذربيجان أبعادًا تتصل بحرية الدين والحق في التعليم، وفي باكستان وتونس أبعادًا سياسية تتعلق بالحكم والمشاركة والحريات.

المزيد من المواضيع
من لا يملك مواقف وطنية ثابتة ولا يجرؤ على الظهور باسمه الصريح، لا يحق له توزيع الاتهامات على الآخرين!
من جزار بانياس معراج أورال إلى عاطف نجيب: هل تقترب ساعة الحساب؟
مصانع للبيع على الورق: كيف تتحول حاجة سوريا إلى الإعمار إلى بوابة محتملة للاحتيال