من مطالب التعليم والسكن والعدالة الاجتماعية إلى المواجهات مع الشرطة، تكشف احتجاجات الجيل الجديد عن أزمة ثقة لا يمكن اختزالها في الأمن العام. وبين التجربتين الألمانية والفرنسية، يبقى الاختبار الأهم: هل تستمع الدولة إلى أسباب الغضب قبل أن تنشغل باحتواء نتائجه؟
ليست المشكلة أن ينزل الشباب إلى الشوارع، بل أن تصل أجيال كاملة إلى قناعة بأن الشارع قد يكون أكثر قدرة على إيصال صوتها من المؤسسات التي يفترض أن تمثلها. عند هذه النقطة، لا تعود المظاهرات مجرد تجمعات عابرة، بل تصبح مؤشراً سياسياً على اتساع المسافة بين ما ينتظره المجتمع وما تستطيع السلطة إقناعه بأنها تفعله من أجله.
في ألمانيا وفرنسا، برز هذا السؤال مجدداً مع موجة الاحتجاجات التي شهدها البلدان في أكتوبر/تشرين الأول 2026. اختلف حجم التعبئة وسياقها من بلد إلى آخر، لكن المطالب المتصلة بالتعليم وتكاليف المعيشة والسكن والعدالة الاجتماعية منحت التحركات أرضية مشتركة، فيما أعادت أعمال العنف التي رافقت بعض التجمعات فتح النقاش حول حدود الاحتجاج ومسؤولية الشرطة. المسألة، إذاً، لا تتعلق فقط بما حدث في الشوارع، بل بما أوصل الشباب إليها، وبكيفية استجابة الدولة لما يكشفه غضبهم.
من ألمانيا إلى فرنسا: مطالب متشابهة ومساران مختلفان
في 31 أكتوبر/تشرين الأول، شهدت ألمانيا احتجاجات شبابية تحت شعار «Gen Z regelt»، شارك فيها عشرات الآلاف في أكثر من ثلاثين مدينة، مطالبين بتحسين التعليم، وتوفير السكن بأسعار معقولة، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتعزيز حماية المناخ، ورفض العودة إلى التجنيد العسكري الإلزامي. وبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، بقيت غالبية التجمعات سلمية، رغم وقوع مواجهات في بعض المدن، شملت إحراق حواجز وإلقاء مفرقعات وأجسام باتجاه الشرطة. وفي كولونيا وهامبورغ وفرانكفورت، شهدت الأحداث تدخلات أمنية وإصابات في صفوف أفراد الشرطة، فيما استخدمت السلطات وسائل لتفريق بعض التجمعات.
أما فرنسا، فقد شهدت في اليوم نفسه عطلة أسبوعية ثالثة متتالية من الاحتجاجات الواسعة. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 320 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، مقابل تقديرات أعلى لدى الجهات المنظمة. وكانت الاحتجاجات قد سجلت نحو 410 آلاف مشارك في الأسبوع السابق، وأكثر من نصف مليون في 17 أكتوبر، وفق الأرقام الحكومية التي أوردتها الوكالة نفسها.
بدأت التحركات الفرنسية باحتجاجات طلابية على تردي أوضاع المدارس ونقص المعلمين ومشكلات نظام القبول الجامعي، ثم اتسعت لتشمل نقابات ومجموعات اجتماعية أخرى، مع مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية. ورغم اتساع المشاركة، شهدت بعض المواقع مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب خلال الأسابيع السابقة، ما دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية. وفي احتجاجات السبت، وقعت مواجهات قرب نهاية المسيرة في باريس، تبادل خلالها بعض المحتجين والشرطة إلقاء المقذوفات واستخدام وسائل التفريق.
هذه المقارنة لا تعني أن التجربتين متطابقتان. فالاحتجاجات الفرنسية أوسع من حيث التعبئة واستمرارية التحركات، فيما اتسمت المبادرة الألمانية بطابع شبابي واضح وبمطالب متعددة لم تتجمع كلها بعد في برنامج سياسي موحد. لكن التشابه في بعض المطالب يفرض سؤالاً يتجاوز حدود البلدين: ما الذي يجعل أعداداً كبيرة من الشباب تشعر بأن مستقبلها لا يحظى بما يكفي من الاهتمام؟
أزمة المستقبل قبل أزمة الشارع:
من الخطأ التعامل مع مطالب الشباب باعتبارها قائمة منفصلة من المشكلات. فصعوبة الحصول على سكن مناسب، وتراجع جودة بعض المؤسسات التعليمية، وارتفاع تكاليف الحياة، والقلق من فرص العمل، ليست بالضرورة أزمات مستقلة؛ إنها جوانب متداخلة من سؤال واحد يتعلق بإمكان بناء حياة مستقرة. حين يشعر الشاب بأن سنوات الدراسة لا تضمن له فرصاً عادلة، وأن دخله المحتمل لن يسمح له باستقلال اقتصادي، وأن القرارات المتعلقة بمستقبله تُتخذ من دون مشاركة فعالة منه، تتراجع ثقته بقدرة المؤسسات على الاستجابة.
لا يعني ذلك أن جميع الشباب يعيشون الظروف نفسها، أو أن كل الاحتجاجات تعكس أزمة واحدة. كما لا يكفي حجم المشاركة وحده لإثبات وجود تحول سياسي عميق. لكن اتساع التعبئة وتكرارها يقدمان مؤشراً يستحق الفحص، خصوصاً عندما تتجاوز المطالب قضية منفردة وتلتقي عند الشعور بالتهميش أو انعدام العدالة.
في فرنسا، ساهم انضمام النقابات ومجموعات اجتماعية أخرى إلى التحركات الطلابية في توسيع قاعدة الاحتجاج. أما في ألمانيا، فقد جمعت المبادرة بين مطالب التعليم والمناخ والسكن والخدمات الاجتماعية والاعتراض على التجنيد. والدلالة هنا أن الشباب لا يحتجون بالضرورة على قرار حكومي واحد، بل على تصور أوسع لمستقبلهم. وهذا النوع من الغضب لا يمكن احتواؤه طويلاً عبر الإجراءات الأمنية وحدها، لأنه يرتبط بأسباب اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى سياسات قابلة للقياس والمساءلة.
حين تتحول المطالب إلى مواجهات:
لا ينبغي أن يقود التعاطف مع المطالب الاجتماعية إلى تبرير العنف، مثلما لا ينبغي أن يؤدي وقوع العنف إلى التشكيك في مشروعية الاحتجاج كله. فالاعتداء على الأشخاص، وإحراق الممتلكات، ونهب المتاجر، وإلقاء المقذوفات على الشرطة، أفعال يجب التعامل معها وفق القانون والأدلة. ولا تمنح عدالة المطلب السياسي مرتكبيه حصانة من المسؤولية الجنائية.
لكن العكس صحيح أيضاً: لا يجوز تحميل آلاف المشاركين السلميين مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد أو مجموعات محددة، ولا تحويل المخالفات الفردية إلى مبرر للتعامل مع التجمع بأكمله باعتباره تهديداً أمنياً. وتزداد أهمية هذا التمييز في فرنسا، حيث امتدت التعبئة على مدى أسابيع، ووقعت أعمال شغب ونهب في بعض المواقع.
وفي ألمانيا، أظهرت أحداث 31 أكتوبر أن التحركات التي بدأت سلمية في معظمها لم تكن بمنأى عن التصعيد في بعض المدن. غير أن هذه الوقائع لا تثبت، بمفردها، أن الحركة الشبابية بمجملها تتجه نحو العنف، أو أن جميع التحذيرات الأمنية السابقة كانت دقيقة في تقدير المخاطر. المعيار المنصف هو تحديد المسؤولية بحسب الفعل الفردي والأدلة، لا بحسب الانتماء إلى جيل أو حركة أو تجمع.
الدولة بين حماية الأمن وصيانة الحق في الاحتجاج:
تواجه السلطات في البلدين مسؤولية مزدوجة: حماية الأشخاص والممتلكات من الاعتداءات، وصون الحق في التجمع والتعبير السياسي. في فرنسا، أعلنت وزارة الداخلية تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي لتأمين تحركات 31 أكتوبر، في ظل تقديرات رسمية بارتفاع مخاطر الاضطرابات، ولا سيما خلال ساعات المساء. وشملت الإجراءات انتشاراً أمنياً واسعاً وعمليات تفتيش وقيوداً على بعض التجمعات.
لا تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على نجاح السياسة الأمنية أو إخفاقها. فارتفاع عدد أفراد الشرطة قد يعكس تقديراً للمخاطر، لكنه لا يثبت تلقائياً أن الإجراءات كانت متناسبة، مثلما أن وقوع أعمال شغب لا يثبت أن كل تدخل أمني كان ضرورياً. وتنطبق القاعدة نفسها على ألمانيا، حيث أوقفت الشرطة مسيرات أو تدخلت في بعض المدن بسبب مخالفات وأعمال عنف.
إن حماية حرية التجمع لا تعني منع الشرطة من التدخل عند وقوع اعتداءات، بل تقتضي أن يكون تدخلها محدداً ومبرراً، وأن تظل إجراءاتها خاضعة للمساءلة. كما أن حماية الأمن العام لا تمنح السلطات صلاحية معاقبة تجمع سلمي بسبب أفعال أفراد لا يمثلونه بالضرورة. هذه ليست معادلة نظرية؛ إنها جوهر العلاقة بين المواطن والدولة في مجتمع ديمقراطي.
هل يمكن مقارنة ألمانيا وفرنسا من دون الوقوع في التعميم؟
تقدم المقارنة ثلاث ملاحظات أساسية:
-
أولاً: تتشابه بعض المطالب الاجتماعية بين البلدين، لكن ذلك لا يعني تطابق الظروف الاقتصادية أو السياسية أو البنية التنظيمية للاحتجاجات. فلكل بلد مؤسساته وتقاليده الاحتجاجية وسياقه الاجتماعي.
-
ثانياً: لا يكفي التشابه في صور المواجهات للاستنتاج أن ألمانيا تسير بالضرورة نحو تكرار التجربة الفرنسية. فقد حذر باحثون ألمان في شؤون الاحتجاج من أن التعبئة الألمانية لا تظهر، حتى الآن، الاتساع والديناميكية نفسيهما اللذين ميزا الموجة الفرنسية.
-
ثالثاً: لا ينبغي قياس نجاح الاحتجاجات بمستوى الاضطراب الذي تحدثه، ولا قياس نجاح الحكومات بمجرد قدرتها على إنهائها. فالتظاهر وسيلة للتعبير والضغط السياسي، وليست عودة الشوارع إلى الهدوء دليلاً على معالجة أسباب الغضب.
ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟
لا يكفي أن تنتهي المظاهرات وتصدر السلطات بياناتها؛ فالمتابعة الجدية تقتضي مراجعة الوقائع الأمنية، والتحقق من الإصابات والتوقيفات، وفحص مشروعية استخدام القوة. وتحتاج الحكومات إلى التعامل مع المطالب الاجتماعية بوصفها قضايا عامة تستحق إجابات واضحة وسياسات قابلة للقياس.
كما تقع على المنظمين مسؤولية توضيح مطالبهم وتجنب العنف، وعلى المؤسسات الإعلامية عدم اختزال المشهد في صور النيران والاشتباكات، بل التمييز بين الوقائع الموثقة والتصريحات الرسمية.
مستقبل الشباب لا يُحسم في الشارع وحده؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات تسمع قبل أن تتصاعد المواجهات، وإلى أجهزة أمن تحمي الناس دون تجاوز القانون، وإلى مجتمع يرفض الاعتداءات دون التخلي عن حقه في الاعتراض.
المصادر والمراجع:
-
وكالة أسوشيتد برس (AP): تغطية احتجاجات ألمانيا الشبابية تحت شعار «Gen Z regelt»، وتفاصيل المواجهات والإجراءات الأمنية في كولونيا وهامبورغ وفراغكفورت (31 أكتوبر 2026).
-
وكالة أسوشيتد برس (AP): تقارير الاحتجاجات الفرنسية والأوروبية، وأرقام المشاركة في عطلات نهاية الأسبوع، وتطور الاحتجاجات الطلابية (31 أكتوبر 2026).
-
وزارة الداخلية الفرنسية: البيانات الرسمية حول التعبئة الأمنية ونشر 70 ألف شرطي ودركي لتأمين مسيرات 31 أكتوبر 2026.
-
إذاعة وسط ألمانيا (MDR): تقديرات وتحذيرات باحثين ألمان في شؤون الاحتجاج بشأن الفروقات الهيكلية بين التعبئة الألمانية والموجة الفرنسية (31 أكتوبر 2026).
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
نشطاء الرأي opl-now.org

المزيد من المواضيع
من تقييد المجال العام إلى تعليب التعليم: السلطة السورية تعيد إنتاج الوصاية الأيديولوجية بغلاف ديني
احتِجاجُ الوُرودِ : ضد الخراب… السَّلامُ يليقُ بالشعوبِ Rosen-Protest: Gegen die Zerstörung… Für den Frieden
التوغلات الإسرائيلية والمظاهرات الرافضة: هل تتجه سوريا إلى سلام أحادي؟