7 نوفمبر, 2026

من يحرّر لا يختزل الثورة في سلطته… تحرير البلاد ليس تفويضاً لاحتكار القرار:

ثمة فرق جوهري بين إسقاط نظام استبدادي وامتلاك الدولة التي سقط نظامها. الأول فعل تحرري يستحق الاعتراف بالتضحيات التي ساهمت في تحقيقه، أما الثاني فهو ادعاء سياسي لا تمنحه المعارك، مهما كانت نتائجها، أي شرعية تلقائية.

هذه المسافة بين التحرير والامتلاك هي بالضبط ما ينبغي أن نتوقف عنده في النقاش السوري الراهن، بعدما تحولت عبارة «من يحرّر يقرّر» إلى واحدة من الحجج المستخدمة لتبرير أحقية القوة التي وصلت إلى الحكم في احتكار القرار السياسي، وتحديد شكل الدولة ومستقبلها، وربما أيضاً تعريف من يحق له المشاركة في إدارتها.

المشكلة ليست في الاعتراف بدور القوى التي أسهمت في إسقاط نظام بشار الأسد، ولا في إنكار التضحيات التي قدمها المقاتلون والسوريون على امتداد سنوات الثورة. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التضحيات إلى تفويض سياسي مفتوح، وعندما يصبح الانتصار العسكري مبرراً لتجاوز حق المواطنين في اختيار من يحكمهم.

● من أسقط النظام؟ قراءة تتجاوز رواية الطرف الواحد:

من الضروري، قبل بناء أي استنتاج سياسي على أحداث سقوط النظام، استعادة المشهد العسكري كما جرى، لا كما يراد اختزاله في رواية سياسية واحدة.

فالهجوم الذي بدأ في حلب يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تحت اسم «ردع العدوان»، لم يكن مجرد تحرك عسكري منفصل عن بقية القوى السورية والظروف الإقليمية والدولية المحيطة به.

انتقلت العمليات من حلب إلى حماة، ثم حمص، وصولاً إلى دمشق، خلال أقل من أسبوعين. وشاركت في المشهد العسكري قوى متعددة، بينها الفصائل المنضوية في غرفة العمليات العسكرية، وفصائل الجيش الوطني السوري، والقوى التي تحركت في الجنوب ضمن غرفة العمليات الجنوبية، إلى جانب مجموعات محلية في محيط العاصمة.

وتكشف التقارير والتصريحات المنشورة آنذاك عن معطيات تتجاوز حدود التنسيق العسكري الداخلي، وتشير إلى وجود اتصالات وتحركات دبلوماسية إقليمية ودولية تزامنت مع مسار العملية. فقد أوردت تقارير صحفية، استناداً إلى مصدرين مطلعين على التخطيط للعملية، أن فصائل المعارضة كانت قد أطلعت تركيا على خطط التحرك قبل نحو ستة أشهر، وأن بعض المصادر تحدثت عن اعتقاد تلك الفصائل بوجود موافقة تركية ضمنية، وهو ما نفته أنقرة. كما أشار أحمد الشرع إلى حصول تواصل مع روسيا خلال السيطرة على حلب.

وفي السياق نفسه، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة صحفية، أن بلاده أجرت اتصالات مع روسيا وإيران ونقلت إليهما رسائل بشأن التطورات السورية، في إطار مساعٍ لمنع تدخل عسكري كان من شأنه أن يفتح الباب أمام تصعيد دموي.

لكن هذه المعطيات، على أهميتها، ينبغي قراءتها بدقة: فهي تثبت وجود اتصالات وحسابات دبلوماسية متزامنة مع التحرك، وتفتح المجال لفحص طبيعة المواقف الإقليمية والدولية منه، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار دولي مشترك أو دعم دولي مباشر لإسقاط النظام.

هذه الوقائع لا تثبت وجود قيادة دولية مشتركة للمعركة، ولا تفويض دولي معلن بإسقاط النظام، لكنها تؤكد أن سقوطه جرى في سياق إقليمي ودولي متشابك، وأن تجاهل هذا السياق لا يقدم قراءة تاريخية مكتملة.

وثمة حقيقة أخرى لا تقل أهمية: لم تكن هيئة تحرير الشام القوة الوحيدة التي تحركت على الأرض. فقد سيطرت فصائل الجنوب على مناطق واسعة، ووصلت إلى محيط العاصمة، وتذكر تقارير مركز ACLED أن مقاتلين محليين من ريف دمشق دخلوا العاصمة في الساعات الأولى من يوم 8 كانون الأول، قبل انضمام قوات غرفة العمليات العسكرية إليهم. كما وثقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن فصائل غرفة العمليات الجنوبية كانت من أوائل القوى التي دخلت دمشق، ثم انسحبت باتجاه درعا مع وصول قوات هيئة تحرير الشام.

وتزامنت تلك الساعات مع فتح سجون ومراكز احتجاز وإطلاق سراح معتقلين، في مشهد شاركت فيه قوى ومجموعات مختلفة، وإن كانت تفاصيل المسؤولية عن فتح كل منشأة وهوية المجموعة التي دخلتها أولاً تحتاج إلى توثيق مستقل.

إن الاعتراف بدور هيئة تحرير الشام في قيادة الهجوم الرئيسي لا يقتضي إلغاء أدوار الآخرين، مثلما أن الاعتراف بدور الفصائل الأخرى لا ينتقص من تضحيات مقاتلي الهيئة.

لكن ما لا يمكن قبوله سياسياً هو تحويل هذا المشهد المتعدد إلى رواية تمنح جهة واحدة ملكية حصرية للانتصار، ثم استخدام تلك الملكية المفترضة أساساً لاحتكار الحكم.

فإذا كانت المشاركة في التحرير هي مصدر الشرعية، فمن حق بقية القوى المشاركة أن تسأل عن حصتها في القرار. وإذا كان حجم الدور العسكري هو المعيار، فمن الذي يحدد هذا الحجم؟ وإذا كانت الإرادة الشعبية هي المعيار، فلماذا لا تكون هي المرجعية النهائية؟

● الشرعية الثورية ليست صك ملكية:

في هذا السياق، يطرح السيد بسام أبو عدنان، الذي يقدم نفسه بوصفه محللاً سياسياً، أطروحة مفادها أن «من يحرّر يقرّر»، ويعتبر أن القوة الثورية المنتصرة تمتلك، بموجب الشرعية الثورية، حق اتخاذ القرارات اللازمة لقيادة البلاد، شريطة مراعاة المصلحة الوطنية والتشاركية، وأن يكون الحكم تأسيسياً ومحدوداً زمنياً وينتهي بالانتخابات.

يبدو الطرح، في صيغته النظرية، منضبطاً بشروط سياسية مقبولة. لكن المشكلة أن هذه الشروط لا تكتسب قيمتها من مجرد إعلانها، وإنما من وجود ضمانات دستورية ومؤسسية تجعل الالتزام بها قابلاً للتحقق والمحاسبة.

والأهم أن تشبيه القوة المنتصرة بحزب فائز في الانتخابات ينطوي على خلط بين مصدرين مختلفين للشرعية.

الحزب الذي يفوز في انتخابات حرة ونزيهة يستمد تفويضه من أصوات المواطنين، ضمن قواعد معلنة، ومنافسة سياسية، وحقوق متساوية، وإمكانية لتغيير السلطة عبر صناديق الاقتراع.

أما القوة التي تصل إلى الحكم بفعل انتصار عسكري أو ثوري، فلا يمكن اعتبار انتصارها بديلاً عن الإرادة الشعبية، ولا مساواته بتفويض انتخابي لم يمنحه المواطنون بعد.

قد تكتسب هذه القوة دوراً تأسيسياً بحكم الواقع ومسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية، لكن ذلك لا يمنحها حق تحديد مستقبل البلاد بصورة منفردة، ولا حق احتكار تعريف المصلحة الوطنية، ولا حق تحويل وجودها المؤقت إلى امتياز سياسي دائم.

● أين التشاركية التي يتحدثون عنها؟

إذا كانت مصلحة الوطن والمواطنين جميعاً تفرض التشاركية الحقيقية، فأين تظهر هذه التشاركية في الممارسة السياسية؟

أين أبناء الثورة الذين جرى إبعادهم عن مواقع التأثير والقرار؟ وأين القوى المدنية والسياسية والشخصيات الوطنية التي واجهت النظام السابق، أو دفعت أثماناً باهظة في الثورة، لكنها لم تكن جزءاً من التشكيلة السياسية التي أمسكت بالسلطة بعد سقوطه؟

كيف يمكن الحديث عن الشراكة الوطنية فيما تُختزل الثورة في مجموعة سياسية تتحدث باسمها، وتتصرف باعتبارها صاحبة التفويض الحصري لتحديد مستقبل السوريين؟

لا يمكن بناء دولة المواطنة بمنطق الفرز بين من يحق لهم الحكم ومن يُطلب منهم التصفيق أو الانتظار. ولا يمكن اختزال الكفاءة الوطنية في الولاء السياسي، أو اعتبار القرب من السلطة الجديدة معياراً للاستحقاق.

الثورة لم تكن ملكاً لفصيل، ولم تكن تفويضاً مفتوحاً لشخصيات بعينها. ومن حق من شاركوا في إسقاط الاستبداد أن يُعترف بدورهم، وأن يشاركوا في بناء الدولة، لكن ليس من حق أحد تحويل تضحيات السوريين إلى ملكية سياسية خاصة.

● الفساد لا تتغير طبيعته بتغير هوية مرتكبيه

هناك سؤال آخر لا يمكن تجاوزه في خطاب الشرعية الثورية: ماذا لو أنتجت السلطة التي تستند إلى هذه الشرعية فساداً جديداً؟

ماذا لو استُبدلت شبكات النفوذ القديمة بشبكات جديدة؟ وماذا لو تحولت شعارات الثورة إلى غطاء لتوزيع المناصب والمصالح، وإعادة إنتاج المحسوبية، وإقصاء الكفاءات، وتغليب الولاء على الخبرة؟

هل يصبح الفساد أقل خطورة لأن مرتكبيه ينتمون إلى الطرف الذي أسقط النظام السابق؟ وهل تتغير المعايير القانونية والأخلاقية تبعاً لهوية الحاكم؟

لا يجوز أن نطالب بمحاسبة الفاسدين في عهد الأسد، ثم نتساهل مع أي فساد جديد لأن مرتكبيه ينتمون إلى السلطة التي جاءت بعده.

الفساد لا يصبح أقل فساداً بتغيير هوية مرتكبيه، والاستبداد لا يتحول إلى ممارسة مشروعة لمجرد أن من يمارسه شارك في إسقاط نظام مستبد.

وإذا كانت الثورة قد قامت من أجل الحرية والكرامة والعدالة، فمن غير المقبول أن تتحول شرعيتها إلى حصانة سياسية لمن يتولى السلطة باسمها.

الدولة لا تحتاج إلى استبدال طبقة مستفيدة بأخرى، بل إلى تفكيك منظومة الامتيازات نفسها، وإخضاع الجميع لقانون واحد، وإرساء رقابة مستقلة على المال العام والقرارات والتعيينات.

● الحكم المؤقت: من يحدد نهايته؟

يقول المدافعون عن هذا التصور إن الحكم تأسيسي ومحدود زمنياً، وإن الانتخابات القادمة ستنقل القرار إلى من يختاره الشعب.

لكن الإعلان عن مؤقتية الحكم لا يجعله مؤقتاً بالضرورة.

المؤقت ليس وصفاً تطلقه السلطة على نفسها، بل وضع دستوري تحدده قواعد واضحة، وجدول زمني ملزم، ومؤسسات مستقلة، وضمانات تمنع احتكار السلطة أو تمديد المرحلة الانتقالية وفق مصالح القائمين عليها.

من يحدد موعد الانتخابات؟ ومن يشرف عليها؟ وما الضمانات التي تكفل استقلالها ونزاهتها؟ وهل ستكون القوى السياسية والمجتمعية قادرة على المنافسة بحرية؟ وهل ستتاح للمواطنين فرصة حقيقية لاختيار ممثليهم، أم سيجري إعداد المشهد السياسي مسبقاً بما يضمن استمرار أصحاب السلطة؟

ثم ما مصير السلطات التي تتشكل خلال المرحلة الانتقالية؟ وهل تخضع قراراتها لرقابة مستقلة؟ وهل يستطيع المواطنون الاعتراض على قراراتها ومحاسبة المسؤولين عنها دون أن يُتهموا بمعاداة الثورة أو تقويض الاستقرار؟

هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل هي جوهر الانتقال السياسي نفسه.

فالسلطة التي تحدد وحدها قواعد المرحلة الانتقالية، وتختار مؤسساتها، وتتحكم في شروط المنافسة السياسية، ثم تعد المواطنين بانتخابات مستقبلية، مطالبة أولاً بتقديم ضمانات تحول دون أن تصبح الانتخابات مجرد إجراء شكلي لتجديد شرعية الأمر الواقع.

● من إسقاط الاستبداد إلى بناء الدولة:

المعضلة السورية لا تتعلق فقط بمن تولى السلطة بعد سقوط النظام، بل بطبيعة الدولة التي يجري بناؤها، وبمدى اختلاف قواعدها عن تلك التي حكمت البلاد لعقود.

لا يكفي تغيير الأشخاص إذا بقي منطق السلطة قائماً. ولا يكفي رفع شعارات الحرية إذا لم تتحول إلى حقوق محمية بالقانون. ولا يكفي الحديث عن المشاركة الوطنية إذا ظل القرار محصوراً في دائرة ضيقة.

الدولة الحديثة لا تُبنى على الامتنان السياسي، ولا على توزيع المكافآت لمن شاركوا في المعارك، ولا على اعتبار الانتصار العسكري تفويضاً دائماً. تُبنى على مؤسسات لا تخضع لمزاج الحاكم، وقضاء مستقل، وجيش وطني لا يتبع تنظيماً سياسياً، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، وحقوق متساوية لجميع المواطنين، ورقابة ومحاسبة لا تستثني أحداً.

ومن حق السوريين أن يسألوا عن طبيعة النظام السياسي الذي يُراد تأسيسه، وعن حدود السلطات، وعن ضمانات الحريات، وعن موقع الدستور والقانون في مواجهة قرارات السلطة التنفيذية.

ليس من حق أي جهة أن تطلب من المجتمع تأجيل هذه الأسئلة إلى أجل غير مسمى بحجة أن البلاد تمر بمرحلة استثنائية. فالمرحلة الاستثنائية هي تحديداً اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إلى الضمانات، لأن غيابها قد يحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة.

● سوريا ليست جائزة حرب:

ثمة فرق كبير بين تحرير الوطن وامتلاك القرار الوطني.

من شارك في تحرير سوريا يستحق الاعتراف بتضحياته، لكنه لا يكتسب بذلك حق الوصاية على السوريين. ومن يتولى إدارة المرحلة الانتقالية يتحمل مسؤولية بناء الدولة، لا إعادة إنتاج منطق السلطة التي ثار السوريون عليها.

لا يمكن أن نطالب السوريين بإسقاط حكم الفرد، ثم نقنعهم بأن من أسقطه يحق له أن يقرر عنهم. ولا يمكن رفض احتكار السلطة في عهد النظام السابق، ثم البحث عن مبررات سياسية لاحتكار جديد.

الثورة ليست صك ملكية، والتضحيات ليست تفويضاً أبدياً، والانتصار على الاستبداد لا يمنح المنتصر حق ممارسة الوصاية بصيغة جديدة.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: من يحرّر يقرّر؟

بل: كيف نضمن ألّا يتحول من شارك في تحرير البلاد إلى سلطة تمنع أصحاب البلاد من تقرير مصيرهم؟

فسوريا ليست جائزة حرب، ولا غنيمة ثورة، ولا ملكاً لمن وصل إلى الحكم أولاً. إنها وطن السوريين جميعاً، بمن شاركوا في الثورة ومن لم يحملوا السلاح، بمن عاشوا في الداخل ومن شردتهم الحرب، وبكل من يريد دولة تحمي حقوقه دون أن تسأله عن انتمائه أو موقعه أو موقفه السياسي.

الشرعية التي لا تقبل المحاسبة تتحول إلى امتياز، والسلطة التي لا تقبل الشراكة تعيد إنتاج المشكلة التي جاءت لإنهائها.

لم تكن غاية السوريين أن يستبدلوا سلطة تحتكر البلاد بسلطة أخرى تحتكرها باسم الثورة. كانت الغاية أن يصبح الوطن أكبر من الحاكم، وأن يكون القانون أعلى من المنتصر، وأن يستعيد المواطن حقه في تقرير مصيره.

ذلك هو الفارق بين إسقاط نظام وبناء دولة.

أحمد سليمان

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب