4 نوفمبر, 2026

كيف تحوّلت فرصة إنقاذ سوريا إلى مأزق جديد؟

نُشَــــــطاءُ الــرَّأي Opinion activists

نُشَــــــطاءُ الــرَّأي Opinion activists

من لا يمتلك الحد الأدنى من الثقافة السياسية والفكرية يفشل في إدارة الدولة. ومن لا يثق بالكفاءات ويمنحها مساحة للعمل، لن يصدر إلى مؤسسات الدولة سوى جهله. ومن يعتقد أن تحسين صورته عبر حملات دعائية وترويج إعلامي، بعضها يثير تساؤلات حول مصادر تمويله، يمكن أن يعوض فشله في الإدارة، إنما يستعجل استنزاف رصيده، حتى لدى أولئك الذين يتولون الترويج له.
يا حكومة الاستعراض، لقد تسلمتم بلداً منهاراً، أنهكته عقود الاستبداد والحرب والفساد، لكنكم بدلاً من التعامل مع المرحلة باعتبارها مسؤولية تاريخية تستوجب الانفتاح وإعادة بناء المؤسسات، اتجهتم إلى تركيز السلطة، واحتكار القرار، وإغلاق مساحات المشاركة والتغيير أمام قطاعات واسعة من السوريين.
لقد حصلتم على فرصة دولية نادرة، وانفتحت أمامكم أبواب كانت مغلقة، وبدأت العقوبات تتراجع، وظهرت فرص حقيقية لإعادة إعمار البلاد واستقطاب الاستثمارات. لكن المشكلة أنكم تعاملتم مع هذا الانفتاح وكأنه إنجاز شخصي للقيادة، لا فرصة وطنية ينبغي أن تنعكس على حياة المواطنين.
انشغلتم بتسويق أنفسكم، وتضخيم الإنجازات، وإنتاج مشهد إعلامي موازٍ للواقع. وأصبح لكل مسؤول تقريباً محيط من الموالين والمستشارين، لكن أين الكفاءات المستقلة؟ وأين الخبراء القادرون على تقديم رأي مهني مخالف؟ وأين المؤسسات التي تستطيع محاسبة المسؤول وتصحيح قراراته؟
الدولة لا تُدار بجيوش المصفقين، ولا تتحول إلى دولة مؤسسات بمجرد تغيير الوجوه والشعارات.
المأزق الاقتصادي ليس مجرد إرث من النظام السابق.
صحيح أنكم تسلمتم اقتصاداً مدمراً، وبنية تحتية منهكة، ومؤسسات استنزفها الفساد والحرب، لكن ذلك لا يعفيكم من مسؤولية ما يجري اليوم.
تشير تقديرات أوروبية نشرتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تموز 2026 إلى أن نحو أربعة من كل خمسة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن 15.6 مليون شخص ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
هذه ليست أرقاماً يمكن تغطيتها بمؤتمرات الاستثمار أو الصور التذكارية.
الطبقة الوسطى التي تشكل عادة أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي تآكلت إلى حد بعيد، والقدرة الشرائية تراجعت، والبطالة والفقر يطاردان شرائح واسعة من المجتمع. وفي المقابل، تظهر في الخطاب العام روايات عن ثروات وشركات ومشاريع عابرة للحدود، من دون أن يقابلها تفسير اقتصادي شفاف لمصادر هذه الثروات أو انعكاسها على الاقتصاد الوطني.
أما الاستثمار، فقد تحول في بعض الأحيان إلى مادة للاحتفال الإعلامي أكثر منه مساراً اقتصادياً قابلاً للقياس.
أُعلنت مشاريع واتفاقيات بمليارات الدولارات، لكن الإعلان عن الاستثمار لا يعني بالضرورة دخوله حيز التنفيذ، ولا يعني توقيع مذكرة تفاهم أن المشروع أصبح قائماً.
وقد أشارت تحليلات اقتصادية إلى أن قسماً كبيراً من التعهدات الاستثمارية التي رُوّج لها لم يتحول إلى استثمارات منفذة بالسرعة التي أوحت بها التصريحات الرسمية.
المستثمر لا يبحث عن الصور مع المسؤولين، بل عن بيئة قانونية مستقرة، وقضاء مستقل، وأمن يحمي أمواله، وإدارة لا تتغير قواعدها وفق العلاقات والنفوذ.
ومن دون هذه الشروط، ستبقى الاتفاقيات أرقاماً في المؤتمرات، وستظل إعادة الإعمار رهينة الوعود.
لكن المأزق الأخطر يتجاوز الاقتصاد إلى طبيعة السلطة نفسها.
كيف يمكن بناء دولة لجميع السوريين في ظل تركيز واسع للصلاحيات في الرئاسة والدائرة المحيطة بها؟ وكيف يمكن الحديث عن انتقال سياسي بينما لا تزال المشاركة الحزبية والسياسية محدودة، ولا توجد ضمانات كافية لتداول السلطة ومراقبة القرارات؟
إن الانتقال من نظام استبدادي لا يتحقق بمجرد إسقاط رموزه، بل بتفكيك آليات الاستبداد ذاتها.
ولا يمكن بناء دولة مواطنة إذا استُبدلت شبكات الولاء القديمة بشبكات ولاء جديدة، أو إذا أصبحت الكفاءة مرتبطة بالقرب من أصحاب القرار بدلاً من الخبرة والنزاهة.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما تتراجع مساحة النقد العام، ويصبح الاعتراض السياسي موضع اشتباه، أو يُعامل باعتباره تهديداً للاستقرار بدلاً من كونه حقاً أساسياً وأداة لتصحيح الأداء.
وفي الملف الأمني، لا تزال الدولة أمام اختبار لم تنجح في تجاوزه.
التوترات الطائفية، والانتهاكات التي طالت مدنيين، والاضطرابات في عدد من المدن، والتحديات المرتبطة بدمج القوى العسكرية والإدارية في الجزيرة، كلها تكشف أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك مقومات الدولة.
كما أن استمرار الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب، ونشاط تنظيم داعش، والتدخلات الإقليمية، تضع البلاد أمام مخاطر تتطلب مؤسسات أمنية محترفة وقراراً وطنياً مسؤولاً.
لكن الأمن لا يُبنى بتوسيع النفوذ العسكري وحده، ولا بفرض الطاعة، بل باحتكار الدولة للسلاح وفق القانون، وضمان المساواة أمامه، ومحاسبة كل من يرتكب انتهاكات، بصرف النظر عن موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.
ولا يمكن مطالبة السوريين بالثقة بمؤسسات لم يلمسوا بعد قدرتها على حمايتهم جميعاً دون تمييز.
أما العدالة الانتقالية، فلا يجوز أن تتحول إلى شعار سياسي أو ملف انتقائي.
لا يمكن بناء مستقبل مستقر عبر تجاهل حقوق الضحايا، أو تأجيل كشف الحقيقة، أو التعامل مع الانتهاكات وفق هوية مرتكبيها ومواقعهم السياسية.
المطلوب عدالة مستقلة تشمل الجرائم المرتكبة في عهد النظام السابق، وكذلك الانتهاكات التي وقعت بعد سقوطه. فالضحايا لا تتغير حقوقهم بتغير السلطة، والمحاسبة ليست امتيازاً تمنحه الحكومة لمن تشاء، بل التزام قانوني وأخلاقي.
لقد سقط نظام كان يحتكر الدولة ويعامل المجتمع باعتباره تابعاً له. وليس من المقبول أن يجد السوريون أنفسهم أمام صيغة جديدة تعيد إنتاج احتكار القرار، وإن اختلفت اللغة والشعارات والوجوه.
المشكلة أنكم تتعاملون مع المرحلة الانتقالية وكأنها فرصة لترسيخ سلطتكم، بينما هي في الأساس فرصة لتأسيس دولة لا تحتاج إلى وصاية الأشخاص.
سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الموالين، بل إلى مؤسسات مستقلة. ولا تحتاج إلى مزيد من الحملات الدعائية، بل إلى إعلام قادر على مساءلة السلطة. ولا تحتاج إلى مستشارين يرددون ما يرغب المسؤول في سماعه، بل إلى خبراء يمتلكون الجرأة على قول ما لا يريد سماعه.
لا يحتاج السوريون إلى وعود جديدة، بل إلى نتائج يمكن قياسها في معيشتهم وأمنهم وحقوقهم ومستقبل أبنائهم.
لقد حصلتم على فرصة لم تتوافر لكثير من الحكومات في تاريخ البلاد الحديث، لكن الفرص الدولية لا تعوض غياب الشرعية الداخلية، والانفتاح الخارجي لا يصنع وحده دولة مستقرة.
فالسؤال الذي ينبغي أن تواجهوا أنفسكم به ليس كم دولة فتحت لكم أبوابها، ولا كم اتفاقية وقعتم، ولا كم حملة إعلامية روجت لإنجازاتكم؛ بل كم مواطناً سورياً بات يشعر اليوم أن هذه الدولة تمثله وتحمي حقوقه وتمنحه فرصة للحياة؟
إذا لم تستطيعوا الإجابة عن هذا السؤال بأرقام ووقائع ونتائج ملموسة، فالمشكلة لم تعد في حجم الدمار الذي ورثتموه، بل في الطريقة التي تديرون بها فرصة الخروج منه.

أحمد سليمان

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب