من وثائق روسية مسرّبة أثارت عام 2019 تساؤلات حول محاولات موسكو التأثير في النائب الألماني ماركوس فرونماير، إلى مراسلات كشفت عن تواصله مع بشار الجعفري، المندوب السابق لنظام الأسد لدى الأمم المتحدة، ووعده بتزويده بمعلومات تتعلق ببرنامج مساعدات للسوريين عام 2018؛ يعود اسم فرونماير إلى دائرة الاهتمام الإعلامي مع التحقيق الاستقصائي الجديد الذي نشرته قناة ZDF في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وتعيد هذه التطورات طرح تساؤلات حول طبيعة اتصالاته بأطراف خارجية، ومدى التزام مكتبه بضوابط التعامل مع المعلومات الحكومية الحساسة.
من موسكو إلى دائرة التساؤلات:
في أبريل/نيسان 2019، وجد النائب الألماني ماركوس فرونماير، المنتمي إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، نفسه في قلب تحقيق استقصائي دولي أثار تساؤلات حول محاولات روسية للتأثير في الحياة السياسية الألمانية والأوروبية.
آنذاك، نشرت قناة ZDF الألمانية، بالتعاون مع مجلة «دير شبيغل» وهيئة الإذاعة البريطانية BBC وصحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحقيقات استندت إلى وثائق ومراسلات روسية مسرّبة. وكشفت تلك التحقيقات عن وثيقة استراتيجية أُرسلت إلى مسؤول في الإدارة الرئاسية الروسية عام 2017، وتضمنت تصورات بشأن التأثير في السياسات الأوروبية، والاستفادة من قوى سياسية داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز المصالح الروسية.
وكان اسم فرونماير حاضراً بصورة لافتة في إحدى الوثائق، التي ورد فيها تصور بأن انتخابه إلى البرلمان الألماني سيتيح لروسيا وجود نائب «ينتمي إلى جانبنا وتحت سيطرتنا المطلقة».
أثارت هذه العبارة اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الألمانية، خصوصاً في ظل مواقف فرونماير المؤيدة لموسكو، وزياراته إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا بصورة غير قانونية عام 2014، ومواقفه الداعية إلى رفع العقوبات الأوروبية المفروضة عليها.
لكن فرونماير رفض تلك الاتهامات، ونفى علمه بالوثائق الروسية أو خضوعه لأي تأثير أو سيطرة من أطراف خارجية. ومن المهم التمييز هنا بين ما ورد في الوثائق الروسية من تصورات وخطط للتأثير، وبين إثبات أن فرونماير كان بالفعل خاضعاً لسيطرة موسكو؛ فالتحقيق لم يثبت ذلك.
من الملف الروسي إلى الأسئلة المتعلقة بسوريا:
لم تنتهِ التساؤلات المتعلقة بعلاقات فرونماير الخارجية عند الملف الروسي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعادت قناة ZDF فتح ملف النائب نفسه، هذه المرة من خلال تحقيق استقصائي جديد لبرنامج «فرونتال»، أُنجز بالتعاون مع شبكة OCCRP المتخصصة في التحقيقات المتعلقة بالفساد والجريمة المنظمة.
نُشر التحقيق في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحت عنوان: «تسريبات حزب البديل من أجل ألمانيا: هل جمع نائب معلومات لصالح نظام الأسد؟».
استند التحقيق إلى رسائل إلكترونية مسرّبة من مكتب فرونماير، تعود بصورة أساسية إلى عامي 2017 و2018، وأظهرت، إلى جانب مسائل تتعلق بالتعامل مع وثائق حكومية مصنفة للاستخدام الرسمي، مراسلات تثير تساؤلات بشأن تواصل النائب مع ممثل نظام الأسد السابق لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري.
وتعود الواقعة إلى 15 يوليو/تموز 2018، عندما التقى فرونماير الجعفري في نيويورك، خلال مشاركته في وفد ألماني لحضور منتدى الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وبعد خمسة أيام، وتحديداً في 20 يوليو/تموز، أرسل فرونماير رسالة إلى الممثلية السورية لدى الأمم المتحدة، شكر فيها الجعفري على اللقاء، وأشار إلى أن فريقه يجمع المعلومات المتعلقة ببرنامج «النقد مقابل العمل» (Cash for Work)، وأنه سيرسلها إليه في أقرب وقت ممكن، وفق ما جرى الاتفاق عليه.
ما علاقة برنامج المساعدات بالموضوع؟
تكمن أهمية هذه الواقعة في طبيعة المعلومات التي كان فرونماير يسعى إلى جمعها.
فبرنامج «النقد مقابل العمل» من برامج المساعدات التي توفر فرص عمل مدفوعة الأجر لفئات متضررة من الحرب، بما يشمل النازحين والعائدين والمجتمعات المحلية داخل سوريا، إلى جانب اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة في دول المنطقة. ويهدف البرنامج إلى توفير مصادر دخل مؤقتة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية، ودعم الاستقرار المحلي.
وتكشف المراسلات التي حصل عليها التحقيق أن أحد موظفي مكتب فرونماير كلّف دائرة الأبحاث العلمية في البرلمان الألماني، بتاريخ 19 يوليو/تموز 2018، بإعداد ملف حول البرنامج، كما طلب ترجمة الوثيقة إلى اللغة العربية.
والأكثر أهمية أن التحقيق أورد مراسلة داخلية بين موظفين في مكتب النائب، جاء فيها أن التكليف بإعداد الملف كان بهدف إرسال معلومات عن البرنامج إلى الممثل السوري لدى الأمم المتحدة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، قدّم فرونماير، باسم كتلته البرلمانية، سؤالاً إلى الحكومة الألمانية تضمن 17 سؤالاً حول البرنامج، من بينها الجهات والمنظمات المشاركة فيه، وما إذا كان سوريون محسوبون على المعارضة يستفيدون منه. وحمل السؤال الرقم (19/5694).
وهنا تظهر حساسية المسألة: فمعرفة الجهات المشاركة في برامج المساعدات، والأشخاص المرتبطين بها، قد تتحول في ظل نظام أمني استبدادي إلى معلومات ذات قيمة في تعقب المعارضين أو ممارسة الضغط عليهم.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل هذه المخاوف إلى اتهام محسوم بأن تلك المعلومات وصلت بالفعل إلى أجهزة النظام السوري.
لقاء نيويورك مع ممثل نظام الأسد لدى الأمم المتحدة:
تكشف المراسلات الإلكترونية المسرّبة أن فرونماير لم يكتفِ بعقد لقاء مع الجعفري، بل أرسل إليه لاحقاً رسالة تضمنت وعداً بتزويده بمعلومات عن برنامج المساعدات.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة النظام السوري آنذاك، وسجله في الانتهاكات الحقوقية، ومخاوف السوريين من استخدام المعلومات المتعلقة بنشاطهم المدني أو استفادتهم من برامج المساعدات في ملاحقتهم أو الضغط عليهم.
لكن مضمون اللقاء نفسه لم يُوثّق بصورة مستقلة في التحقيق، كما أن الرسالة لا تثبت أن المعلومات التي جرى جمعها أُرسلت بالفعل إلى الجعفري. لذلك ينبغي إبقاء الوقائع في حدود ما تكشفه المراسلات: لقاء، ورسالة، وتكليف بإعداد ملف، ووعد بإرسال المعلومات.

الوثائق الحكومية الحساسة تفتح مساراً آخر للتحقيق:
لم يقتصر تحقيق ZDF على المراسلات المتعلقة بالجعفري. فقد كشف أيضاً أن موظفين في مكتب فرونماير أحالوا وثائق حكومية مصنفة «للاستخدام الرسمي فقط» (VS-NfD) إلى بريده الإلكتروني الشخصي على منصة AOL.
وشملت الوثائق، بحسب التحقيق، تقارير تتعلق بالوضع الأمني في مناطق انتشار القوات الألمانية خارج البلاد، وملفات مرتبطة بمؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومفاوضات أوكرانيا، والحرب في سوريا، فضلاً عن تقارير تتعلق بقضية تسميم سيرغي سكريبال في بريطانيا.
وأوضحت إدارة البرلمان الألماني لـZDF أن معالجة هذا النوع من الوثائق وتخزينه يجب أن يتم عبر أنظمة تقنية رسمية معتمدة لهذا الغرض، وأن مخالفة هذه القواعد قد تترتب عليها مسؤولية قانونية.
ومن جهته، أقر مكتب فرونماير، عبر محاميه، بأن موظفيه كانوا يحولون الرسائل إلى بريده الشخصي، مبرراً ذلك بأن جميع الرسائل الواردة كانت تُحوّل بصورة روتينية، وأن أشخاصاً غير مخولين لم يكن لديهم حق الوصول إلى الحساب. وأضاف أن هذه الممارسة توقفت منذ فترة.
وتثير هذه المسألة أسئلة تتعلق بضوابط حماية المعلومات الحكومية، ومدى الالتزام بالإجراءات المؤسسية المعتمدة للتعامل مع الوثائق المصنفة. لكنها لا تعني، بحد ذاتها، ثبوت تسريب تلك الوثائق إلى جهة أجنبية أو استخدامها لمصلحة دولة أخرى.
ماذا يقول فرونماير؟ وما الذي لم يثبته التحقيق؟
أقر فرونماير بعقد لقاء واحد مع بشار الجعفري، لكنه نفى تسريب أسرار أو جمع معلومات لمصلحة دولة أجنبية.
وقال، عبر محاميه، إن اللقاء تناول الوضع السياسي في سوريا وقضية اللاجئين والإجراءات الألمانية، وإن السؤال البرلماني المتعلق ببرنامج «النقد مقابل العمل» كان جزءاً من عمله السياسي، وليس استجابة لطلب طرف ثالث.
كما نفى تقديم معلومات سرية إلى أشخاص غير مخولين، أو تلقي أي مقابل مادي أو خدمات من جهات أجنبية.
وفي المقابل، أشار تحقيق ZDF إلى أن المراسلات المسربة، رغم كشفها عن اللقاء والرسالة والتكليف بإعداد الملف، لا تتضمن دليلاً قاطعاً على أن فرونماير أو مكتبه نقلا المعلومات فعلياً إلى ممثلي النظام السوري.
وهذا التفصيل ليس هامشياً، بل يمثل الحد الفاصل بين الوقائع التي كشفها التحقيق والاستنتاجات التي لا تزال بحاجة إلى إثبات. فوجود وعد بإرسال معلومات لا يساوي إثبات إرسالها، كما أن إثارة تساؤلات حول التعامل مع وثائق حكومية لا تعني صدور حكم قانوني بالمسؤولية.
ما الذي يجمع التحقيقين؟
عند وضع تحقيقات عام 2019 إلى جانب تحقيق أكتوبر/تشرين الأول 2026، يظهر أن فرونماير عاد إلى دائرة التساؤلات المتعلقة بعلاقاته مع أطراف خارجية، لكن من خلال ملفين مختلفين.
الأول تناول وثائق روسية تشير إلى خطط للتأثير في السياسة الألمانية والأوروبية، مع ورود اسم فرونماير في سياق تلك الخطط، وهو ما نفاه.
أما الثاني فيتناول مراسلات فعلية من مكتبه عام 2018، تتعلق بلقاء ممثل نظام الأسد السابق لدى الأمم المتحدة، والوعد بتقديم معلومات عن برنامج مساعدات للسوريين، إلى جانب التعامل مع وثائق حكومية حساسة.
لا تثبت هذه الوقائع وحدها وجود علاقة تنسيق أو تبعية سياسية لأي دولة أجنبية، ولا تسمح بالقول إن النائب سلّم معلومات إلى نظام الأسد. لكنها تطرح أسئلة جدية حول طبيعة الاتصالات، والغرض من جمع المعلومات، ومدى الالتزام بقواعد حماية الوثائق الحكومية.
المسألة تتجاوز الخلافات الحزبية:
بالنسبة للسوريين المقيمين في ألمانيا، لا تتعلق أهمية هذه القضية بالسجال بين الأحزاب الألمانية، ولا بالمواقف السياسية لماركوس فرونماير وحده. إنها تمس مسألة أكثر حساسية: حماية الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم، وضمان ألا تتحول المعلومات المتعلقة بمساعداتهم أو نشاطاتهم المدنية أو صلاتهم بالمعارضة إلى بيانات يمكن استغلالها للإضرار بهم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إطلاق اتهامات جماعية أو إثارة الذعر بين اللاجئين، بل توضيح مصير المعلومات التي جُمعت، والجهات التي اطلعت عليها، وما إذا كانت قد انتقلت إلى أطراف غير مخوّلة. فالمسؤولية البرلمانية لا تنفصل عن قواعد حماية المعلومات، والاتصال بممثل حكومة أجنبية لا يمنح صاحبه حق تجاوز الضوابط القانونية والمؤسسية.
وتزداد أهمية هذا السؤال في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد؛ إذ لم يؤدِّ سقوطه إلى زوال المخاطر المرتبطة بالوثائق والبيانات التي جُمعت خلال سنوات حكمه. فقد أصبحت مسألة مصير الأرشيفات الأمنية، والجهات التي باتت قادرة على الوصول إليها، جزءاً من التحديات الحقوقية والأمنية في المرحلة الانتقالية. وقد حذّرت منظمات حقوقية من مخاطر فقدان الوثائق الأمنية أو تداولها خارج الأطر المؤسسية، ومن احتمال إساءة استخدام البيانات الشخصية التي قد تكشف هويات أشخاص أو صلاتهم أو أنشطتهم.
وبذلك، لا تقتصر المسألة على معرفة ما إذا كانت المعلومات المتعلقة ببرنامج «النقد مقابل العمل» قد أُرسلت إلى ممثلي النظام السابق، وهو أمر لم يثبت تحقيق ZDF حدوثه، بل تشمل أيضاً ضرورة التحقق من مسار هذه المعلومات، والجهات التي اطلعت عليها أو احتفظت بها، وما إذا كانت قد وصلت إلى أطراف غير مخوّلة.
بعد سبع سنوات من التحقيقات التي كشفت وثائق روسية عن تصورات للتأثير في السياسة الألمانية، يعود اسم فرونماير في تحقيق جديد يطرح أسئلة مختلفة بشأن اتصالاته بممثل نظام الأسد السابق. وبين ما تثبته الوثائق وما لا يزال بحاجة إلى تحقيق، تبرز مسؤولية المؤسسات الألمانية في الإجابة عن سؤال يتجاوز السجال الحزبي:
هل تستطيع هذه المؤسسات تحديد مصير المعلومات التي جُمعت، والتحقق من أنها لم تصل إلى جهات غير مخوّلة، ولم تتحول إلى بيانات يمكن استخدامها للإضرار بسوريين، داخل سوريا أو خارجها؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المصدر: ZDF

المصدر: ZDF



المزيد من المواضيع
حين يغضب الشباب في ألمانيا وفرنسا: ما وراء المظاهرات وأعمال الشغب
من تقييد المجال العام إلى تعليب التعليم: السلطة السورية تعيد إنتاج الوصاية الأيديولوجية بغلاف ديني
احتِجاجُ الوُرودِ : ضد الخراب… السَّلامُ يليقُ بالشعوبِ Rosen-Protest: Gegen die Zerstörung… Für den Frieden