22 أكتوبر, 2026

حين تُمنع القصيدة من العبور: أيُّ ثقافة هذه التي يتغنّى بها ساسة فرنسا؟

كيف يستقيم الحديث عن السلام والتسامح والحوار، فيما يُحرم شعراء عرب من المشاركة في مهرجان ثقافي دولي على الأراضي الفرنسية، من دون تفسيرات مقنعة لرفض منحهم تأشيرات الدخول؟

يجتمع هذا العام ما يقارب مائة شاعر وشاعرة من بلدان حوض المتوسط وبعض البلدان العربية، للمشاركة في كرنفال شعري يُقام في مدينة لوديف جنوب فرنسا، تحت شعار «السلام، التسامح والحوار». ويتضمّن برنامج المهرجان حلقات للغناء والحكاية والموسيقى، فضلًا عن معارض للدواوين الشعرية، في تظاهرة يُفترض أن تجعل من الثقافة جسرًا للتواصل بين الشعوب، ومن الشعر مساحة مشتركة تتجاوز الحدود والانقسامات.

لكن خلف هذه الصورة الثقافية المنفتحة، تبرز مفارقة تستحق المساءلة: كيف يمكن لمهرجان يرفع شعارات السلام والتسامح والحوار أن يستقبل شعراء من بلدان متعددة، فيما يُحرم شعراء عرب من الوصول إليه بسبب عدم حصولهم على تأشيرات دخول، من دون تقديم تفسيرات واضحة ومقنعة لقرارات الرفض؟

لم نقرأ تبريرًا مقنعًا. فالاتصالات التي جرت مع السفارات والخارجية الفرنسية لم تسفر عن إجابات تشرح أسباب ما حدث، بل عن ردود معدّة سلفًا، تكاد تشبه رسالة إلكترونية واحدة تتكرر بصيغ مختلفة. وهكذا، بدلًا من أن يحصل المعنيون على توضيحات تليق بحدث ثقافي دولي، وجدوا أنفسهم أمام جدار من البيروقراطية والإجابات الجاهزة.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إجراء إداري أو تأخير عابر، بل بالتناقض بين الخطاب الثقافي الذي يُقدَّم للعالم، والواقع الذي يواجهه شعراء كان يفترض أن يكون حضورهم جزءًا من رسالة المهرجان نفسه.

البيروقراطية حين تتحول إلى عقاب

من خلال تجربتي الشخصية، وعلى الرغم من إقامتي في الغرب، لاحظت في كثير من الأحيان سوء أداء الإدارات، وما يرافقه من بيروقراطية مقزّزة يصعب على كائن بشري مثلي، لديه سبع مجموعات شعرية، التكيّف معها. ففي أحيان كثيرة، يبدو هذا النمط الإداري أشبه بعقاب أليم، لا بإجراءات يفترض أن تنظّم العلاقة بين الإنسان والمؤسسات وتضمن وضوحها وعدالتها.

أما ما حدث مع زملائي الذين تعثّر حضورهم إلى المهرجان، فيزيد الأمر إحباطًا. فهؤلاء لم يتقدموا، بحسب ما يُطرح في هذه القضية، للمشاركة في نشاط سياسي أو أمني، بل في فعالية ثقافية تحتفي بالشعر والحوار والتعايش بين شعوب حوض المتوسط.

ومع ذلك، لم يحصلوا على إجابات مقنعة تفسّر ما جرى. فهل يكفي أن ترفع المؤسسات الثقافية شعارات الانفتاح حتى نعتبرها منفتحة فعلًا؟ أم أن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح تطبيق هذه الشعارات مسؤولية إدارية ودبلوماسية، لا مجرد كلمات تُكتب على ملصقات المهرجانات؟

من بيروت إلى دمشق: مفارقات التأشيرة الفرنسية

لي مع الإجراءات الفرنسية حكاية سابقة لا تقل غرابة.

ففيما مضى، كانت السفارة الفرنسية نفسها هي التي اتصلت بي. ومع ذلك، حين كنت أعيش في بيروت طوال عقد ونيف، اضطررت إلى الذهاب إلى دمشق من أجل الحصول على تأشيرة الدخول إلى فرنسا. وبعد مماحكات عدة، تبيّن لهم أن لديّ دعوة، فكانوا حينها أكثر لطفًا واعتذارًا.

يا لسخرية القدر! فقد تلقيت دعوتين للمشاركة في دورتين متتاليتين، لكنني لم أشأ المشاركة في أيٍّ منهما. في المرة الأولى، بسبب إضرابات «السوسيال»، وفي الثانية، بسبب إجراءات قانونية حالت دون مشاركتي أيضًا.

وما زلت أتذكّر ابتسامة رجل البوليس الفرنسي حين قال لي: «ستكون وحدك بلا مهرجان».

تستعيد الذاكرة هذه العبارة اليوم، لا بوصفها مجرد موقف عابر، بل لأنها تختصر جانبًا من المفارقة التي تلاحق علاقة الثقافة بالإجراءات الرسمية: قد تكون الدعوة موجودة، وقد يكون المهرجان قائمًا، وقد تكون الشعارات براقة، لكن الطريق إلى المشاركة يظل رهين إجراءات قد لا يجد المدعو تفسيرًا واضحًا لها.

وإذا كانت تجربتي السابقة قد انتهت من دون مشاركة، فإن ما حدث مع زملائي الذين لم يتمكنوا من الحصول على التأشيرات يعيد طرح السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحًا: ما قيمة الدعوة الثقافية إذا لم يتمكن المدعو من الوصول إلى صاحبها؟ وأي معنى للحوار إذا كانت أبوابه تُفتح لبعضهم وتُغلق أمام آخرين من دون توضيح كافٍ؟

من يفسّر التناقض بين الشعارات والممارسة؟

إن الكرنفال الشعري الذي يُنظّم منذ عام 1998، وتُعتبر دورته الحالية الحادية عشرة، وفق المعلومات المتداولة عن المهرجان، ليس مجرد تجمع أدبي عابر. فشعاره «السلام، التسامح والحوار»، وبرنامجه الذي يجمع الشعر والغناء والحكاية والموسيقى، يضعانه في صلب الرسالة الثقافية التي يفترض أن تقرّب بين شعوب المنطقة.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بالمهرجان وحده، بل بالجهات الرسمية المسؤولة عن قرارات التأشيرات، وبمدى انسجام إجراءاتها مع الخطاب الذي تتبناه المؤسسات الثقافية الفرنسية.

وعلى الرغم من وجود بلدان مثل الجزائر وفلسطين في حوض المتوسط، فإن ساسة فرنسا لم يقدموا، في هذه القضية، تبريرًا مقنعًا لامتناع سفاراتهم عن منح تأشيرات الدخول لشعراء عرب مدعوين للمشاركة في نشاط دولي ترعاه اليونسكو.

ولا يجوز القفز إلى استنتاجات قطعية بشأن دوافع قرارات الرفض من دون الاطلاع على ملفاتها وأسبابها الرسمية. لكن هذا التحفظ لا يعني إسكات الأسئلة المشروعة، ولا إعفاء الجهات المعنية من واجب تقديم توضيحات واضحة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفعالية ثقافية تتخذ من الحوار والتسامح عنوانًا لها.

ما الأسس التي استندت إليها قرارات رفض التأشيرات؟ وهل طُبقت المعايير ذاتها على جميع المتقدمين؟ ولماذا لم تسفر الاتصالات مع السفارات والخارجية الفرنسية عن إجابات محددة؟ ثم كيف يمكن للجهات الراعية والمنظمة أن تكتفي باستمرار البرنامج، فيما يتعذّر على بعض الشعراء المدعوين المشاركة فيه؟

إن المطالبة بالإجابات ليست اتهامًا مسبقًا، بل حق مشروع، ولا سيما حين تترك الإجراءات الغامضة انطباعًا بالتناقض بين ما يُعلن وما يُمارس.

فرنسا رامبو وأراغون: أيُّ صورة تدافع عنها السياسة؟

إذا كان الحديث عن الثقافة في بلدان حوض المتوسط لا يحتمل وجود شاعر في مارسيه، فأي ثقافة هذه التي يتغنّى بها ساسة فرنسا اليوم؟

هل يعرف هؤلاء سرّ افتتان العالم ببلادهم، بآدابها وحريتها وتقاليدها الفكرية؟ وهل يدركون أن المكانة الثقافية لفرنسا لم يصنعها السياسيون وحدهم، بل أسهم في بنائها شعراء ومفكرون ومتمرّدون جعلوا من الكلمة وسيلة لمقاومة القيود وتوسيع حدود الحرية؟

وهل ما يحدث يليق ببلاد رامبو، وبرتون، ومالارميه، وفيرلين، وريفيري، وكوكتو، وبرييه، وأراغون؟ بل هل يقرأ ساركوزي الشعر؟

إن السؤال الأخير ليس استفسارًا عن ذائقة شخصية بقدر ما هو استفهام ساخر عن المسافة التي يمكن أن تفصل بين الإرث الثقافي الذي تتباهى به فرنسا، والسياسات التي تترك الشعراء أمام أبواب مغلقة وإجابات دبلوماسية لا تفسّر ما حدث.

ففرنسا التي احتفى العالم بأدبها وفكرها لا تستطيع أن تكتفي باستدعاء أسماء شعرائها الكبار لتأكيد مكانتها الثقافية، ثم تتعامل مع الأسئلة التي يطرحها شعراء معاصرون باعتبارها شأنًا إداريًا يمكن تجاوزه بردود جاهزة.

إن قيمة الإرث الثقافي لا تُقاس بما تحتفظ به المتاحف والمكتبات من أعمال، بل أيضًا بمدى احترام المؤسسات المعاصرة للقيم التي جعلت ذلك الإرث جديرًا بالاحتفاء.

منع الشعراء وأسئلة السياسة

لا يمكن قراءة ما حدث بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، ولا سيما حين يتعلق الأمر بشعراء عرب وبفعالية ثقافية متوسطية. لكن لا يمكن، في المقابل، الجزم بأن قرارات التأشيرات اتخذت بدوافع سياسية أو مرتبطة بمواقف بعينها من دون أدلة واضحة.

ما يمكن قوله إن غياب التفسير الصريح يترك المجال مفتوحًا للشكوك والتساؤلات، ويجعل من الضروري مطالبة الجهات المعنية بالكشف عن الأسس التي استندت إليها قراراتها.

وإذا كانت السلطات الفرنسية ترى أن الرفض يستند إلى أسباب قانونية أو إدارية محددة، فإن توضيح هذه الأسباب، بالقدر الذي تسمح به القواعد المعمول بها، من شأنه أن يضع حدًا للتأويلات ويتيح تقييم القرارات على أساس الوقائع، لا الانطباعات.

أما الاكتفاء بأجوبة عامة ومتكررة، فلا يبدد الشكوك، بل يزيدها. فالغموض لا يصنع الثقة، والبيروقراطية لا تصبح مبررة لمجرد أنها صادرة عن مؤسسة رسمية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التناقض الذي تثيره القضية بين شعارات السلام والتعايش والوئام، وبين واقع يواجه فيه بعض الشعراء المدعوين عوائق تحول دون مشاركتهم. وإذا كانت الثقافة مساحة للقاء، فإن حرمان بعض أصحابها من الوصول يستدعي تفسيرًا واضحًا، لا مزيدًا من الصمت.

ومن يدري؟ ربما سيصرّح أحدهم بأن الشعراء خدشوا مشاعر المصفّحات والصواريخ النووية التي تمتلكها إسرائيل!

إنها مفارقة ساخرة تختصر المسافة بين عالم يحاول الشعراء بناءه بالكلمات، وعالم ما زالت الأسلحة فيه تفرض حضورها على السياسة، فيما تُترك القصائد تنتظر تأشيرة عبور.

حين تحتاج القصيدة إلى تأشيرة

لا أدّعي أن الشعراء فوق القوانين، ولا أن الدعوات الثقافية تمنح أصحابها حقًا تلقائيًا في الحصول على التأشيرات. لكنني أطالب بأن تكون القرارات واضحة، وأن تتوافر تفسيرات مقنعة، وأن تتعامل الجهات المعنية مع المدعوين بما ينسجم مع مبادئ الشفافية والاحترام.

فإذا كان مهرجان «أصوات المتوسط» يقوم على السلام والتسامح والحوار، فمن حقنا أن نسأل عن مصير هذه القيم حين تعجز بعض الدعوات عن التحول إلى مشاركة فعلية. وإذا كانت فرنسا تعتز بمكانتها الثقافية، فمن حقنا أيضًا أن نسأل عن مدى انسجام ممارساتها الرسمية مع صورة الحرية والانفتاح التي تقدّمها للعالم.

حين تُمنع القصيدة من العبور، لا يخسر الشاعر وحده؛ بل تخسر الثقافة صدقيتها، وتتحول شعارات الحوار إلى كلمات معلّقة على أبواب مغلقة.

فأيُّ سلام هذا الذي لا يتّسع للشعراء؟ وأيُّ حوار هذا الذي يبدأ بدعوة وينتهي برفض لا تفسير مقنعًا له؟ وأيُّ ثقافة هذه التي تحتفي بحرية الكلمة في الكتب والمهرجانات، ثم تترك أصحابها يتخبّطون أمام جدار البيروقراطية؟

إن كانت فرنسا تريد أن تظل بلاد الحرية والأدب، فعليها أن تجعل ممارسات مؤسساتها جديرة بهذا الإرث، لا أن تكتفي بالتغنّي به. فالقصيدة لا تحتاج إلى إذن كي تدعو إلى السلام، لكن الشاعر يحتاج إلى إجابة واضحة حين يُمنع من الوصول إلى المنصة التي دُعي إليها.

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب