منذ عقود يعيش السوريون تحت قبضة منظومة سلطوية جعلت الدولة مجرّد واجهة لهيمنة أمنية وعسكرية مغلقة. وقد تصاعدت المواجهة السياسية والمدنية ضد هذا النظام، حتّى بلغت ذروتها مع ثورة آذار 2011 التي جاءت امتداداً لنشاطات وتراكمات طويلة، من بينها حملة “مانيفستو استقل” التي كانت أول دعوة علنية تطالب باستقالة بشار الأسد، قبل سنوات من اندلاع الثورة. اليوم، وبعد كل ما شهدته البلاد من قتل واعتقال وتهجير وتدمير وتدخلات خارجية، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن ترميم دولة تحوّلت إلى ركام سياسي واجتماعي وأخلاقي؟ وهل يمكن أن تُكتب دساتير أو تصاغ حلول في ظل سلطة أمر واقع يشاركها المحتلون في حكم البلاد؟
لقد دفع السوريون خلال السنوات الماضية ثمناً باهظاً يفوق الوصف: ما يقارب مليون قتيل، وعشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين قسرياً، وتهجير نصف الشعب داخل البلاد وخارجها، إلى جانب تدمير واسعة النطاق للبنى المدنية والعمرانية. ورغم ذلك، تشهد المرحلة الراهنة خطوات دولية تسعى لإعادة تأهيل النظام ذاته ورئيسه، الذي يرتبط اسمه بملف طويل من الجرائم والانتهاكات ويحتاج إلى محاسبة لا إلى منح شرعية جديدة.
في هذا السياق، تعود أهمية التذكير بحملة “مانيفستو استقل” التي أُطلقت بتاريخ 27 أيار 2006 كأول مبادرة علنية تطالب بتنحي بشار الأسد، وتحديد صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتطبيق اللامركزية الإدارية على المدن الرئيسية ضمن إطار الدولة الواحدة. وقد رافق الحملة نشاطات ووقفات احتجاجية في عدة عواصم أوروبية، إلى جانب نشر نصوصها وبياناتها في مواقع وصحف أبرزها “الحوار المتمدن” و”نشطاء الرأي”.
لم تكن تلك المطالب دعوة للعنف، ولا مشروعاً لإسقاط الدولة، بل كانت محاولة مبكرة لإنقاذ سوريا من انزلاق كانت مؤشراته واضحة: استمرار الاعتقالات، تآكل مؤسسات الدولة، وهم “الإصلاح”، وتنامي سلطة الأجهزة الأمنية على حساب المجتمع والسياسة والثقافة. ومع ذلك، تجاهل النظام هذه التحذيرات، وذهب إلى أقصى درجات العنف بعد آذار 2011، فدخلت البلاد مرحلة تدمير شامل شمل كل ما يمس حياة السوريين.
وترافقت سياسات القمع مع تنازلات استراتيجية غير مسبوقة، أبرزها:
-
تسليم قطاعات اقتصادية كاملة لروسيا وإيران كرهون طويلة الأمد.
-
إغراق الاقتصاد السوري بالديون.
-
قبول الأمر الواقع الذي انتهى إلى إعلان الولايات المتحدة الاعتراف بضم الجولان لإسرائيل، في واحدة من أكثر الخطوات دلالة على عمق الأزمة السياسية والأخلاقية التي وصل إليها النظام.
إن القضية السورية اليوم لا تُختزل في مفاوضات جنيف أو صفقات أستانة وسوتشي، ولا في مشاريع تقسيم إداري أو “برلمانات محلية” تُطرح تحت بند حلول شكلية. المسألة الجوهرية ما زالت كما كانت منذ البداية: إنهاء الاستبداد، وبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتعيد الاعتبار للحقوق والمواطنة.
وإذا كانت حملة “مانيفستو استقل” قد رفعت هذا الشعار مبكراً، فإن جوهر رسالتها ما زال صالحاً اليوم:
لا مستقبل لسوريا دون انتقال سياسي حقيقي،
ولا استقرار دون محاسبة،
ولا دولة دون حرية.

فخاخ جنيف: من ثورة مارس2011 إلى مسلسل المؤتمرات
في كل جولات جنيف وأستانة وسوتشي، بدا واضحاً أن تلك الاجتماعات ليست سوى فخاخ سياسية، أو أشبه بـ مخدّر مؤقت، ريثما يتم الإجهاز على المعارضة بشقّيها السياسي والعسكري. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي حاول إيجاد أرضية مشتركة بين النظام والمعارضة، إلا أن جميع المسارات فشلت في تقليل الفجوة أو خلق بيئة تفاوض حقيقية.
في موازاة ذلك، عمل النظام على تصدير شخصيات إلى الخارج قُدِّموا بوصفهم “معارضة” جديدة، وادّعوا أنهم يعملون وفق “المصلحة العليا للشعب السوري”، بينما كان النظام يفرض حصاراً خانقاً على مدن ومناطق واسعة مثل ريف حمص، حلب، الغوطة، ودرعا، حتى انتهى الحال إلى مشاهد أكثر مأساوية تمثلت في التهجير القسري وتدمير المدن والمجتمعات المحلية.
لقد أنتج هذا المسار حالة احتقان عميقة بين السوريين، على نحو يعيد إلى الذاكرة ما سُمّي في الثمانينيات بـ”الاستقرار” الذي فرضه حافظ الأسد بالقوة المسلحة تحت شعار مكافحة الإرهاب. واليوم يجري إحياء النموذج ذاته ولكن بصيغ أكثر قسوة وشمولاً.
بيان جنيف والقرار 2254
صدر بيان جنيف عام 2012 وتلاه القرار 2254، اللذان نصا على تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، تضم ممثلين من الحكومة والمعارضة على أساس الموافقة المتبادلة. لكن الواقع كان مخالفاً تماماً، إذ أصبحت روسيا وإيران أطرافاً مباشرة في الحرب، وداعماً أساسياً للنظام، وسعتا إلى فرض “سلام” وفق مقاييسهما، أي استسلام المعارضة وتهجير السكان وإفراغ المناطق من أهلها.
أما الولايات المتحدة فقد اكتفت غالباً بدور المراقب الذي يدير موازين الصراع وفق حسابات أخرى لا علاقة لها بمصير السوريين.
في الوقت نفسه، أطلقت تركيا تطمينات حول حماية المناطق الواقعة تحت سيطرتها، لكن الأحداث أثبتت محدودية هذه التعهدات، خاصة مع استمرار القصف الروسي – الأسدي على إدلب وما نتج عنه من مجازر متكررة.
مشاريع غير سورية بغطاء إقليمي ودولي
إن العمليات التي شملت درعا، ريف حمص، حلب، الغوطة، ريف حماة، وإدلب، جرت جميعها بتفويض مفتوح من النظام لصالح القوى المحتلة. تلك العمليات لم تكن تهدف إلى تحقيق السلام، بل إلى إخماد صوت السوريين وإعادة بناء السلطة وفق خرائط إكراهية تفرض من الخارج.
نحن اليوم أمام مشروع تقسيم بطيء:
-
نظام مركزي شكلي
-
مناطق نفوذ إقليمية ودولية
-
تفكيك البنية المجتمعية السورية عبر الهندسة الطائفية والقومية والمناطقية
هذه ديموغرافيا مفخخة ستكون أساساً لتفجير أي استقرار مستقبلي.
مؤتمرات جنيف… نتائج هزيلة وعوائد لصالح النظام
انعقدت مؤتمرات جنيف في ظل قصف، كيماوي، تهجير قسري، وانتهاكات واسعة. ورغم تعدد الجولات من جنيف 1 إلى جنيف 8 وفيينا وأستانة وسوتشي، فإن جميعها انتهى دون أي تقدم فعلي نحو انتقال سياسي حقيقي.
كانت النتيجة الفعلية:
تثبيت شرعية الأمر الواقع لصالح النظام، مع تحويل العملية السياسية إلى مسرح تفاوضي مفتوح دون نهاية.
المناطق الآمنة… لمن؟
حين تتحدث الولايات المتحدة أو أي قوة دولية عن مناطق آمنة، فإن ذلك يعني:
-
تقسيمات ميدانية
-
إعادة رسم خرائط نفوذ
-
تثبيت وقائع ديموغرافية جديدة
وليس حماية المدنيين.
النموذج المطروح اليوم لا يعيد سوريا إلى شعبها، بل يحولها إلى مجموعة محميات أمنية بإشراف:
-
روسيا في الساحل
-
أمريكا في الشمال الشرقي
-
تركيا في الشمال
-
وإيران في العمق الاستراتيجي
أما النظام فمجرد أداة تنفيذ وتوقيع.
الدستور المقترح… فخ آخر
المسودات الدستورية المطروحة ليست سورية المنشأ ولا تعكس إرادة السوريين، بل تأتي في سياق تكريس نظام الفدرالية القسرية وتعديل الهوية الوطنية باتجاه تقاسم لا وحدة، مع تجاهل صريح للتنوع السوري الحقيقي.
الفوضى الخلاقة… تطبيق عملي
مارس النظام سياسة إطلاق التطرف وفتح السجون للجهاديين، في تحالف غير معلن مع أجهزة مخابرات إقليمية ودولية، بهدف:
-
خنق الثورة
-
وصناعة تمثيل مزيف للصراع
-
وشيطنة مطالب الحرية والعدالة
وهكذا أصبحت سوريا حقل تجارب لفكرة “الفوضى الخلاقة” التي أتاحت للقوى الكبرى تحويل البلاد إلى ساحة نفوذ وثروات.
- تفصيل شركات جهادية :
بكلمة فصل واحدة ، نظرية ” الفوضى الخلاقة ” طبقها السفاح بشار أسد وأبدع فيها ، طبعا بمساعدة أدعياء الوطنية والقومية والأممية وحمير الجهاد .. التاريخ المعاصر بهذا المعنى يلمح الى كتابته صانعي القرار و يتلقفه المأجورين لتطبيق مآربهم وسفالتهم .
– أبرز ما حققته تلك النظرية ، تشجيع نمو التطرف برعاية دول وأجهزة مخابرات . وجعل ذات الدول التي تعاني من ضعف بنيوي تحت وصاية الدول الكبرى .
ان ما حصل في عدد من بلدان الربيع العربي من ثورات تم استغلالها وفق هذا المنظار . نتج عن ذلك انتشار الارهاب والارهابيين وإدخال المنطقة في حرب مفتوحة لا طائل منها إلا القتل والسيطرة على الثروات .
ربما الأقل إيلاما هو ما حصل في تونس ، ثم ليبيا ، حيث قتل السفير الأمريكي ، وقتها تماما تحصنت الولايات المتحدة بما يمكننا تسميته تبرير الثأر المعنوي وغسل العار أمام مواطنيها ، ما يتيح بعد حين بداية اللعب في الساحة الليبية . نتج عن ذلك سلسلة محاولات تغيير فاضحة . بموازاة توسع الإسلام السياسي واذرعه الارهابية المتمثلة بداعش في عدد من الدول التي خرجت فيها ثورات سلمية ، حيث عملت ذات الدول الى شيطنة الثورات بعد أن فلتت جهادييها من سجونها ثم تحولوا بجهود أجهزة المخابرات المحلية و الدولية الى شركة ارهابية ، لكل دولة لها مندوب فيها ، كما لو انها جيش عابر للقارات .
من هنا ، ولهذه الأسباب كان تصريح ترامب الذي يدعم فيه إنشاء مناطق آمنة ، لكن اذا عدنا الى بداية حملته الانتخابية ، سوف نلاحظ انه كان ضد منافسيه ويرفض فكرة المناطق الآمنة ، نعلم ان السيدة كلينتون أشادت بفكرة توفير الحماية للمدنيين ، بالطبع انها تماهت مع مطلب سوري منذ زمن طويل .
اما اليوم بعد ان تسلم دونالد ترامب مقاليد الرئاسة الامريكية نجده بموقع يكرر ما قالته قبلا كلينتون ، بالتالي ، فهو مجرد ببغاء يكرر ما يتناغم مع الوقائع التي حددتها السياسة الأمريكية ، والتي هي الآن ستكون وفق منظور يعزز نفوذ الشركات الاحتكارية ، وكذلك شركات ترامب نفسه ساعيا عبرها ادارة الولايات المتحدة والعالم .
استقدام البنادق المأجورة وتفخيخ البنية المجتمعية
لم يكتفِ النظام والدول الداعمة له بتدمير البنية العمرانية والاجتماعية السورية نتيجة الحرب، بل عمل أيضاً على هندسة ديموغرافية مقصودة حوّلت البلاد إلى كتل بشرية متنقلة. فقد أُعيد تشكيل المشهد السكاني عبر استقدام مجموعات ذات طابع عقائدي وطائفي من خارج الحدود، بالتوازي مع فتح المجال أمام تسلل جماعات متطرفة، إضافة إلى استثمار انسحاب مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، ودفعها باتجاه مناطق سورية ذات حساسية اجتماعية متداخلة.
كان الهدف من ذلك تفكيك الانسجام المحلي في هذه المناطق من جهة، ومن جهة أخرى تهيئة الأرضية لطرح مشروع فدرالي يبدأ من الشمال السوري، عبر فئة يمكن وصفها بـ”أكراد الأسد ـ جماعة أوجلان “، بالتوازي مع ترسيخ تشكيل طائفي صلب في الساحل. ومن الملاحظ أن هاتين المنطقتين تمثلان الثقل الأكبر للثروات الطبيعية السورية، ما يفسر الإصرار على هندسة السيطرة عليهما.
وربما بدا أن النظام قد نجح في إرساء هذه الوقائع بدعم أميركي في البداية ثم روسي لاحقاً، إلا أن هذا النموذج لا يمكن أن يستقر طويلاً، لأنه يقوم على اقتلاع الناس من جذورهم، واحتلال حياتهم وبيوتهم. وهذه هندسة لا تنتج استقراراً، بل تؤسس لجولة أطول من الصراع الاجتماعي والسياسي.
الدستور… الفخ المنتظر
نعود إلى الجوهر: الإشكالية ليست في النص الدستوري ذاته، بل في طريقة طرحه، وتوقيته، والجهات التي تحاول فرضه. فالسؤال البديهي هو:
هل يملك الوفد العسكري الذي ذهب إلى أستانة صلاحية مناقشة الدستور؟
وهل يحق لروسيا أو لأي قوة خارجية أن تتدخل في صياغة مستقبل السوريين السياسي؟
الدستور، بحكم طبيعته، يكتبه السوريون أنفسهم ويُطرح للاستفتاء في بيئة ديمقراطية حرة. إن محاولة تقديم “مسودة دستور” في ظل الحرب، والحصار، والتهجير، ليست سوى محاولة لشرعنة الأمر الواقع.
وقد حاولت موسكو إحراج المعارضة بهذا الطرح المبكر، لكنها لم تنزلق إلى هذا الفخ، بالرغم من أهمية النقاش الدستوري على المدى البعيد. فالوفد الذي حضر أستانة لم يأت للتفاوض على مصير الدولة، بل لمناقشة ملفات عاجلة محددة: وقف إطلاق النار، فك الحصار، والسماح بدخول الإغاثة الإنسانية. وهذا ما يجب أن تكون أولويته في تلك اللحظة.
بين حربين: خيار بلا خيار
هناك غالبية ساحقة من السوريين تريد إيقاف الحرب، لكن ما يحدث عملياً هو دفع الناس للاختيار بين جحيمين:
النظام من جهة، وتشكيلات مسلحة متطرفة من الجهة الأخرى.
وكلاهما أبنية عنف لا تمثل تطلعات السوريين.
إن النتيجة “الجنيفية” المتوقعة لهذا المسار هي أن القوى الدولية التي تتحدث عن “الحل السياسي” في سوريا، هي نفسها الفاعلة المباشرة في لعبة الحرب الهمجية والسلام المفخخ. ما يعني أن المسار الحالي لا يؤدي إلى حل، بل إلى إدارة صراع طويلة الأمد.
- أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي - نُشر في: 5 مايو، 2019

المزيد من المواضيع
من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي