تمثّل الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها دمشق اليوم أمام مجلس الشعب حدثًا يستحق التوقف عنده والبناء عليه، لا التحريض ضده أو التشكيك في أصحابه. فبعد مراجعة التسجيلات المصوّرة والشعارات التي رُفعت خلال الفعالية، يصعب العثور على ما يبرّر حملات التخوين أو الاتهامات الجاهزة التي طالت بعض المشاركين، أو الادعاء بأنهم أدوات تحركها جهات خفية. فالمطالب التي رُفعت تتعلق بالقانون والكرامة والعدالة وتحسين الأوضاع المعيشية، وهي مطالب عامة ومشروعة تستحق النقاش والاستماع.
وليس مقبولًا أن تُواجَه أي مظاهرة سلمية باتهامات من قبيل “الفلول” أو “أعداء الدولة”، لأن هذا الخطاب لا يجيب عن الأسئلة المطروحة ولا يعالج المشكلات القائمة. بل إن الإصرار على تخوين أصحاب المطالب وتحويلهم إلى خصوم سياسيين لمجرد ممارستهم حقهم في التعبير، لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة وإقصاء الأصوات التي يفترض الإصغاء إليها.
وخلال الفعالية، تدخّل أحد عناصر الأمن مشيرًا إلى أن التجمع غير مرخّص، مع التحذير من إمكانية اتخاذ إجراءات بحق المشاركين في حال عدم التفرّق. وفي الوقت نفسه، برز تساؤل مشروع بين الحاضرين حول غياب أي تنبيه مشابه لتجمع آخر في المكان ذاته بدا أكثر انسجامًا مع التوجهات العامة، رغم أن كلا التجمعين يخضعان – من حيث المبدأ – للإطار نفسه المتعلق بآليات الترخيص. هذا التباين في التعاطي، سواء في الخطاب أو في الممارسة الميدانية، يفتح نقاشًا أوسع حول معايير تطبيق الإجراءات الناظمة للتجمعات العامة، ومدى وضوحها وحيادها في الواقع.
وإذا كان طبيعيًا أن يختلف السوريون حول الأولويات والحلول، فمن غير الطبيعي أن يتحول النقاش حول الشأن العام إلى عملية تصنيف سياسي وأخلاقي للمواطنين. فالمشهد أمام مجلس الشعب حمل مفارقة لافتة: المشاركون رفعوا مطالب تتعلق بالعدالة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم ومن يثبت تورطهم في دعمها أو تمويلها، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتجريم الخطاب الطائفي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد والصفقات العامة. كما طالب بعضهم بإعطاء الأولوية للمهجرين والمتضررين اقتصاديًا، ورفض تغليب الولاءات على الكفاءات في إدارة الشأن العام.
ومع ذلك، لم ينصبّ الجدل على مضمون هذه المطالب، بل على التشكيك بأصحابها ووصفهم بصفات سياسية جاهزة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالسؤال الذي يفترض طرحه ليس: من هؤلاء؟ بل: ماذا يقولون؟ وهل مطالبهم مشروعة؟ وهل لدى السلطة أو معارضي هذه المطالب ردود موضوعية عليها؟
إن المطالبة بالمحاسبة، أو الاعتراض على تغليب الولاءات على الكفاءات، أو الدعوة إلى إعطاء الأولوية للمهجرين وأصحاب الظروف المعيشية الصعبة، ليست مواقف تستوجب التخوين أو الإقصاء. قد يختلف الناس حول آليات التنفيذ أو ترتيب الأولويات، لكن تحويل النقاش من مضمون المطالب إلى هوية أصحابها لا ينتج حلولًا، بل يعمّق الانقسام ويغلق باب الحوار العام.
وبغضّ النظر عن الجدل القانوني المتعلق بآليات الترخيص والإجراءات الإدارية، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بطبيعة القيود وحدودها. فالأصل في الحقوق والحريات العامة أن تكون ممارستها متاحة، وأن تقتصر القيود على ما تفرضه الضرورات المرتبطة بالأمن والنظام العام. أما عندما تتحول الموافقات المسبقة والشروط الإدارية إلى عوائق تجعل ممارسة الحق استثناءً بدل أن تكون هي الأصل، فإن الحق نفسه يصبح مفرغًا من مضمونه العملي.
ولا يُقاس احترام حرية التجمع السلمي بوجود نصوص قانونية تسمح به فحسب، بل بمدى قدرة المواطنين على ممارسته فعليًا دون خوف أو تعقيدات تجعل الوصول إليه شبه مستحيل. فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تنظر إلى كل تجمع مدني باعتباره تهديدًا، بل باعتباره وسيلة طبيعية للتعبير عن المطالب والمواقف.
ولا تقتصر المشكلة على الخطاب التخويني، بل تمتد إلى إعادة إنتاج أنماط سياسية واجتماعية عرفها السوريون طويلًا. فبدل أن يُقابَل الاحتجاج السلمي بالنقاش أو الرد السياسي المنظم، تظهر أحيانًا مجموعات تتولى مهاجمة المحتجين لفظيًا، والطعن في وطنيتهم، والتشكيك في دوافعهم، وأحيانًا التلويح باستخدام القوة ضدهم. وعندما يحدث ذلك على مرأى من السلطات أو دون تدخل فعّال لحماية الحق في التعبير، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون خطيرة: المطالب المشروعة تُواجَه بالترهيب الاجتماعي بدل الحوار.
ولهذا فإن بناء دولة قانون ومواطنة لا يمر فقط عبر حماية الحق في الاحتجاج السلمي، بل يتطلب أيضًا مواجهة خطابات التجييش والتحريض المناطقي والطائفي وتجريمها قانونيًا. فقد أثبتت التجربة السورية أن التحريض لا يبقى مجرد كلمات، بل يتحول مع الوقت إلى بيئة تسمح بالإقصاء والتمييز والعنف، وتبرر الانتهاكات تحت ذرائع مختلفة.
كما أن التخوين السياسي الممنهج لا يقل خطرًا عن التحريض الطائفي، لأنه يحوّل المخالف في الرأي إلى متهم، ويجعل ممارسة الحقوق المدنية فعلًا محفوفًا بالوصم والتهديد. وعندما يصبح وصف المواطنين بالفلول أو الخونة أو أعداء الدولة بديلًا عن مناقشة أفكارهم ومطالبهم، يفقد المجال العام وظيفته الأساسية بوصفه مساحة للنقاش الحر والتعددية السياسية.
إن الدولة التي تسعى إلى بناء شرعية راسخة لا تحتاج إلى حشود تهاجم أصحاب الرأي المختلف، بل إلى مؤسسات قادرة على حماية حق الجميع في التعبير، سواء اتفقت مع مطالبهم أم اختلفت معها. فاحترام حرية التجمع والاحتجاج السلمي ليس منحة من السلطة، بل مؤشر أساسي على وجود دولة قانون تحترم مواطنيها وتثق بنفسها.
أما المطالب المتعلقة بالعدالة والمحاسبة والشفافية وتحسين الظروف المعيشية، فلا ينبغي أن تُواجَه بالتشكيك أو التخوين، بل بنقاش جاد وإجابات واضحة وسياسات قابلة للمساءلة. فالدول لا تتقدم بإسكات الأصوات الناقدة، بل بالقدرة على الاستماع إليها والتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة، لا تهديدًا لها.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
opl-now.org

المزيد من المواضيع
بخيبة أملٍ من النتائج… لا ندمًا على أسباب الثورة
تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي… جريمة تعود إلى الواجهة
الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه أنقرة