21 يونيو, 2026

بين المال والسلاح: شهادات حول دور محمد حمشو في اقتصاد الحرب السوري

هل تستطيع سوريا بناء نموذج اقتصادي قائم على الشفافية والمنافسة والمساءلة، أم أن شبكات النفوذ التي تشكلت خلال العقود الماضية ستجد طريقها إلى إعادة إنتاج ذاتها بأشكال جديدة؟

في النقاشات التي أعقبت سقوط النظام السوري، لم يعد الجدل محصوراً في سرديات الفساد الاقتصادي أو شبكات الامتيازات التي تشكّلت حول رجال الأعمال المقربين من السلطة. فإلى جانب ملف الثروة والنفوذ، برزت أسئلة أكثر حساسية تتعلق بطبيعة الدور الذي لعبه بعض هؤلاء داخل البنية العسكرية نفسها، لا بوصفهم مستفيدين من الحرب فقط، بل بوصفهم جزءاً من منظومة إنتاجها.

في هذا السياق، تبرز سلسلة من المعلومات التي نشرتها الخبيرة الاقتصادية والناشطة السورية لما العقيلي، والمستندة إلى شهادات قالت إنها جُمعت من مهندسين وعاملين سابقين داخل مشاريع تصنيع عسكري مرتبطة باسم رجل الأعمال السوري محمد حمشو. وتشير هذه الشهادات إلى أن العلاقة بين الاقتصاد والسلطة في الحالة السورية لم تتوقف عند حدود الاحتكار والوساطة، بل امتدت – وفق ما يُروى – إلى فضاء أكثر تعقيداً يرتبط بتصنيع أدوات الحرب نفسها.

وبحسب هذه الروايات، لا يتعلق الأمر بمشاريع صناعية معزولة، بل بمنظومة إنتاج متعددة المواقع، ارتبطت فيها منشآت صناعية بشبكات تمويل وإدارة وأدوار مدنية وعسكرية متداخلة. وهي منظومة، إذا صحت تفاصيلها، تعيد طرح سؤال يتجاوز الجدل التقليدي حول الفساد: أين ينتهي دور رجل الأعمال، وأين تبدأ مسؤوليته داخل اقتصاد الحرب؟

تكتسب هذه الشهادات أهميتها من كونها تصف بيئة عمل مغلقة وخاضعة لرقابة أمنية وعسكرية مشددة، وتربط بين مشاريع تصنيع تقني متقدم واستخدامات عسكرية مباشرة في سياق النزاع السوري. غير أن هذه المعطيات، رغم خطورتها، تبقى في إطار الروايات والشهادات غير المكتملة التحقق، ما يفرض التعامل معها بوصفها مادة استقصائية مفتوحة على التدقيق، لا أحكاماً نهائية.

يعرض هذا المقال التحليلي هذه المعطيات ضمن قراءة تفكك العلاقة بين المال والسلاح في الحالة السورية، مع التمييز بين ما هو موثق من سمات اقتصاد الحرب خلال سنوات النزاع، وما هو منقول عن شهادات مباشرة من داخل تلك المنظومات.

من منشأة صناعية إلى أحد أسرار الحرب:

تشير المعلومات المتداولة والشهادات إلى أن منشآت “جولان” للتصنيع العسكري تعرضت لقصف إسرائيلي في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بالتزامن مع انهيارات متسارعة في بنية النظام السابق وانتقال البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة.

وتشير الشهادات إلى أن هذه المنشآت لم تكن مجرد مستودعات لتخزين الأسلحة، بل مواقع تصنيع وإنتاج عسكري مرتبطة بشركة “النسر”، التي يُقال إنها استخدمت كواجهة لتسجيل بعض هذه الأنشطة، مع الحديث عن شراكة مباشرة لمحمد حمشو في التمويل والإدارة.

وتضيف الروايات أن المنشآت كانت تنتج منظومات تسليح متعددة، من بينها راجمات صواريخ عُرفت باسم “جولان”، استخدمت من قبل الفرقة الرابعة، بما في ذلك راجمات “جولان 1000” التي ظهرت في تقارير إعلامية باعتبارها من المنظومات الثقيلة التي جرى تطويرها محلياً.

كما تصف الشهادات بيئة العمل داخل تلك المنشآت بأنها مغلقة وخاضعة لرقابة أمنية صارمة، مع قيود على الحركة والاتصالات، واقتصار الوصول على القائمين عليها وعناصر الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد.

وتشير المعطيات إلى أن مشروع تصنيع القناصات بدأ داخل مبنى تابع لشركة CEC في الصبورة، قبل انتقاله لاحقاً إلى منشآت أخرى في المزة فيلات.

كما تذكر بعض الشهادات أن ضابطاً يدعى بشار أحمد دخل أحد المواقع بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر 2024 وقام، بحسب روايات الشهود، بإحراق ملفات قيل إنها مرتبطة بطبيعة النشاط داخل المنشأة.

قناصة جولان… السلاح الذي يلاحق الذاكرة السورية:

تربط الشهادات بين تطوير قناصات “جولان” وبين مرحلة مبكرة بدأت عام 2012 داخل منشآت مرتبطة بشركة CEC في الصبورة، قبل أن تظهر أولى النماذج عام 2015 باسم شركة “النسر”، ثم تنتقل لاحقاً إلى منشآت تابعة للفرقة الرابعة.

وتشير الروايات إلى أن محمد حمشو كان الممول والمشرف على هذا المسار الإنتاجي، الذي أنتج نماذج متعددة من القناصات الثقيلة.

وتتحدث المعطيات عن نسخة أولى حملت الرقم التسلسلي (0000)، كانت ضمن معرض خاص داخل فيلا في الصبورة، فيما حملت النسخة الأساسية اسم Golan S-01 بعيار 12.7×108 ملم، مع تطوير لاحق لنموذج Golan S-01 Mk2.

وتضيف الشهادات أن التصميم استُلهم من بندقية Steyr HS50، مع تعديلات تتناسب مع الذخائر المتوافرة محلياً، وأن الإنتاج لم يقتصر على الاستخدام الرسمي، بل شمل أيضاً أطرافاً مسلحة موالية حتى المراحل الأخيرة قبل انهيار النظام.

مشاريع عسكرية أخرى:

تشير المعطيات أيضاً إلى مشاريع لتطوير رشاشات M23 وأنظمة تثبيتها على المدرعات، إضافة إلى إنتاج أجسام قذائف هاون عبر ماكينات استقدمت من الصين.

وتذهب الشهادات إلى أن الهدف كان إنتاج كميات كبيرة بتكلفة منخفضة لتغذية التشكيلات المسلحة، ضمن نموذج إنتاجي يعتمد على السرعة أكثر من اعتماده على الدقة التقنية.

كما تُنسب إلى محمد حمشو أدوار في التمويل والاستقدام وتحديد البنية التشغيلية، فيما تولت الفرقة الرابعة الإشراف الأمني المباشر على المواقع.

وتصف شهادات العمال بيئة العمل بأنها خاضعة لضغط شديد، مع منع مغادرة بعض العاملين وفرض قيود صارمة على الحركة، بما يقارب أنظمة الاحتجاز غير الرسمية داخل منشآت مغلقة.

إطار قانوني – اقتصاد الحرب:

يشير مفهوم اقتصاد الحرب في الأدبيات الدولية إلى حالة تداخل بين النشاط الاقتصادي والبنية العسكرية أثناء النزاعات المسلحة، حيث تتحول الموارد والإنتاج إلى جزء من منظومة دعم العمليات القتالية.

ورغم أن المصطلح ليس توصيفاً جنائياً مستقلاً، إلا أن عناصره قد تدخل ضمن أطر القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة عندما تتعلق المساهمة بإنتاج أو تمويل أو تسهيل استخدام أسلحة في سياق جرائم حرب محتملة.

ويعتمد التقييم القانوني في مثل هذه الحالات على معيارين أساسيين: وجود مساهمة مادية، ووجود علم أو إدراك معقول باستخدام هذه المساهمة في سياق نزاع مسلح.

وبناءً على ذلك، فإن تقييم أي دور اقتصادي داخل بيئة حرب لا يُختزل في البعد التجاري، بل يخضع لتحليل العلاقة بين المنتج وسلسلة التوريد والاستخدام النهائي والسياق العملياتي.

محمد حمشو: سجل من العقوبات والجدل السياسي

لا تنفصل الشهادات المتعلقة بمشاريع التصنيع العسكري المنسوبة إلى محمد حمشو عن السياق الأوسع لمسيرته الاقتصادية وعلاقته الطويلة بمراكز النفوذ في عهد النظام السوري السابق.

فمحمد صابر حمشو، المولود في دمشق عام 1966، برز خلال العقدين السابقين كأحد أبرز رجال الأعمال المقربين من دوائر السلطة، وترأس مجموعة حمشو الدولية التي ضمت شركات عاملة في قطاعات المقاولات والبنية التحتية والاتصالات والتجارة والصناعة والسياحة والخدمات.

وفي 4 آب/أغسطس 2011، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية محمد حمشو ومجموعة حمشو الدولية على قوائم العقوبات الأمريكية. ووفق البيان الرسمي الصادر آنذاك، اعتبرت الوزارة أن حمشو قدّم دعماً لبشار الأسد وعمل لصالحه أو نيابة عنه، كما وصفته بأنه شريك تجاري مقرب من ماهر الأسد وواجهة لبعض أنشطته الاقتصادية.

وأشار البيان إلى أن نجاحه الاقتصادي ارتبط، وفق تقييم السلطات الأمريكية، بعلاقاته الوثيقة بمراكز النفوذ داخل النظام، كما تضمن اتهامات تتعلق بالمساعدة في إخفاء بعض المعاملات المالية والتجارية المرتبطة بمسؤولين بارزين.

ولا تمثل هذه الإجراءات حكماً قضائياً سورياً أو إدانة قضائية نهائية، لكنها تشكل جزءاً من سجل رسمي دولي موثق ظل حاضراً في النقاشات المتعلقة بدور حمشو وموقعه داخل شبكة المصالح الاقتصادية التي نشأت في ظل النظام السابق.

ولا تثبت هذه العقوبات بحد ذاتها مسؤولية جنائية عن الوقائع الواردة في الشهادات المشار إليها، لكنها تعكس جانباً من الصورة التي أحاطت بعلاقة حمشو ببنية السلطة الاقتصادية والأمنية خلال سنوات حكم النظام السابق.

سؤال مفتوح:

ما تكشفه هذه الشهادات، إن ثبتت صحتها عبر مسارات تحقيق مستقلة، لا يعيد فقط فتح ملف الاقتصاد السوري خلال الحرب، بل يطرح سؤالاً أعمق حول البنية التي جعلت من العنف مشروعاً قابلاً للاستمرار.

ففي أنظمة النزاع الطويل، لا يقتصر الخطر على الفعل العسكري المباشر، بل يمتد إلى شبكات التمويل والإنتاج التي تمنحه القدرة على التمدد والتكيّف.

ومن هنا، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بالأفراد وأكثر اتصالاً بالمنظومة التي أعادت تعريف العلاقة بين الاقتصاد والعنف، وجعلت من صناعة القوة مشروعاً متكاملاً له بنيته وممولوه ومشغلوه.

وفي هذا السياق، لا يقتصر النقاش على ماضي الحرب وحده، بل يمتد إلى مستقبل الاقتصاد السوري نفسه: هل تستطيع سوريا بناء نموذج اقتصادي قائم على الشفافية والمنافسة والمساءلة، أم أن شبكات النفوذ التي تشكلت خلال العقود الماضية ستجد طريقها إلى إعادة إنتاج ذاتها بأشكال جديدة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بقدرة الدولة والمجتمع على ترسيخ قواعد العدالة والمحاسبة وبناء الثقة في المرحلة المقبلة.

  • تنويه: تعتمد المعلومات المتعلقة بمشاريع التصنيع العسكري الواردة في هذا المقال على شهادات منشورة ومصادر مباشرة، وهي تبقى مفتوحة للتحقق والتدقيق المستقل. كما تحتفظ جميع الجهات والأشخاص المذكورين بحق الرد والتوضيح.

أحمد سليمان 
المصدر: نشطاء الرأي 
 https://opl-now.org/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب