يأتي هذا الحوار مع المفكر السوري الراحل طيب تيزيني ضمن مشروع إعادة نشر أبرز الحوارات والشهادات التي تضمنها مجلد جدل الآن، بوصفها وثائق فكرية تستعيد لحظة عربية كانت تقف على عتبة تحوّل عميق. وكما فعل ميشيل كيلو في تفكيك بنية السلطة، يقدّم تيزيني هنا قراءة موازية، لكنها مختلفة في زاويتها، إذ ينقل النقاش من مستوى السياسة اليومية إلى مستوى التحوّل التاريخي الذي أصاب المجتمع العربي منذ سبعينيات القرن العشرين.
وتكتسب هذه الشهادة خصوصيتها من لحظة اللقاء ذاتها. فقد التقيت تيزيني في أحد المقاهي الدمشقية برفقة فنان تشكيلي، وكان القلق الفكري والسياسي بادياً عليه منذ اللحظة الأولى. اقترحت الانتقال إلى مقهى «الهافانا»، لكنه أصرّ على البقاء في «اللاذقاني»، كأنه يريد أن يبقى قريباً من نبض المدينة التي يقرأ تحوّلاتها بعين المثقف القلق. امتدّ الحوار لأكثر من ساعتين ونصف الساعة، وكان بمثابة مسح شامل لأسئلة النهضة والديمقراطية والدولة الأمنية ومستقبل المجتمع العربي.
وفي هذا الحوار، تتبدّى رؤية تيزيني عبر مجموعة من الأسئلة البنيوية التي ما تزال فاعلة حتى اليوم؛ إذ يقدّم نقداً عميقاً للدولة الأمنية بوصفها بنية تمنع تشكّل البدائل التاريخية، ويكشف أزمة الأحزاب وتآكل شرعيتها، ويتوقف عند تفكك الحوامل الاجتماعية وصعود الفئات الوسطى الهشّة التي حملت مشاريع أكبر من قدرتها. كما يعيد طرح سؤال الهوية في القرن الحادي والعشرين في ظل تفكك البنى التقليدية، ويتناول موقع المثقف بين التبعية والنهضة في سياق عربي مأزوم، قبل أن يصل إلى جوهر أطروحته حول العلاقة الملتبسة بين الثورة والنهضة في عالم يعيد تشكيل خرائطه وهوياته باستمرار.
بعد أكثر من ربع قرن، ما تزال أفكار تيزيني في هذا الحوار تحتفظ براهنيتها، سواء في نقد الدولة الأمنية، أو في تحليل التحولات الاجتماعية، أو في إعادة قراءة موقع المثقف في زمن الانهيارات الكبرى. ولأهمية هذا الحوار، أعيد نشره هنا كما ورد في مجلد «جدل الآن» دون أي تعديل في المتن، مع إضافة عناوين فرعية فقط لتسهيل القراءة وتنظيم مسار الأفكار، انسجاماً مع مشروع إعادة نشر الحوارات والشهادات التي شكّلت ذاكرة فكرية لمرحلة عربية مفصلية.
أحمد سليمان
-
قلق المفكر في لحظة التحوّل
س: د. طيب تيزيني، حدثنا أولاً عن طبيعة القلق الذي يسيطر عليك؟
ج: أنا الآن أعيش مرحلة من القلق السياسي والفكري وكذلك العائلي. أعتقد أننا الآن نعيش مرحلة من العقاب. إضافة إلى أنني أعمل الآن على ثلاثة كتب وأبذل جهداً واسعاً ومركزاً، ورغم ذلك أكتشف دائماً، مثلما كنت قد بدأت الاكتشاف، أن جهداً من هذا النوع ينبغي أن يناط بمؤسسات ثقافية واسعة تعمل فيها مجموعات من الباحثين والمؤرخين وغيرهم.
ثم إنني ما زلت أعيش حالة أتمنى أن أتجاوزها في اتجاه مزيد من التماسك والتوازن والقدرة على متابعة العمل الذي وضعته أمام نفسي، ذلك أن التحول العميق الذي يطرأ على العالم، ويمتد أثره إلى الوطن العربي أيضاً، هو تحول أسهم في إعادة طرح الأسئلة الثقافية، بما في ذلك المقولات والمفاهيم التي خرجنا عليها منذ عقود، بل منذ قرن كامل.
-
من سؤال الثورة إلى سؤال النهضة
س: في صورة مباشرة، خضع المثقف لهذا التحول، حيث إننا إذا ما رأينا في هذا التحول على الصعيد العربي انتقالاً من إشكالية الثورة إلى إشكالية النهضة، فإننا نلاحظ أيضاً انعكاساً مباشراً، وفي صيغة خاصة بالغة الأهمية. ذلك أننا نواجه نمطاً جديداً من مطالب المثقف تكويناً وتأسيساً وعملاً.
المثقف الذي لا بد أن يكتشف الآن نفسه بوصفه مثقف النهضة والتنوير، ومن ثم لا بد من إعادة النظر في الوضعية التي هيمنت عقوداً، ربما منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية التسعينيات. أقول: لا بد من قراءة أخرى لهذه الوضعية حتى يتسنى لنا أن نضبط المثقف من موقع الحامل الاجتماعي الجديد للنهضة المحتملة.
هذا المثقف أراه نموذجياً قبل أي شيء، ومن ثم يمكننا النظر في دور المثقف العربي ونياته ووظائفه وآفاقه. فلم نعد ننظر إلى هذا المثقف بوصفه ثورياً، مثلما كان يطرح ذلك منذ عقود، ليس لأن الثورة انتهت، ولكن لأنها في ظرف التحولات الكبرى أصبحت مشروعاً مؤجلاً، يعود ذلك إلى التغيرات الكبرى التي طرأت على العالم بعدما تفككت المنظومة الاشتراكية، وحرب الخليج الثانية، وكذلك نشوء النظام العالمي الجديد.
المسميات العامة الأولية لهذا المثقف أراها ذات سمات نهضوية تنويرية. وبناءً عليه لا بد أن يعيد الخطاب الثقافي العربي قراءة مشروطته التاريخية الخاصة.
-
القرن الحادي والعشرون واستحقاق الهوية العربية
س: ماذا عن الحقب التاريخية التي عاصرتها؟
ج: بالنسبة لي، أجد أن القرن الحادي والعشرين في الأساس يحمل وشماً واضح المعالم، هو التصدع الذي اخترق المشروع الثوري العربي. هذا التصدع أتى من تلك العوالم الثلاثة عموماً، ولكن خصوصاً من عوالم داخلية أخذت تجتاح بنية المجتمع العربي انطلاقاً من سبعينيات القرن العشرين.
ولقد أخذنا نواجه مرحلة في السبعينيات سمتها تهدم الهياكل الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع المذكور، مع نشوء حالة راحت تفصح عن نفسها في صورة التقاتل الاجتماعي ـ الاقتصادي.
قد تكون هذه العملية جديدة تماماً في التاريخ العربي، لأن الفئة الوسطى شغلت دائماً الحيز الأكبر في المجالات الثقافية والسياسية، أما اليوم فهي تتعرض لعملية إزاحة ولدت بدورها حالاً جديدة، بحيث بدأت المشكلات الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والاقتصادية تكتسب طابعاً آخر غير ما كان سائداً.
أعني بذلك تحديداً أننا نجد أنفسنا أمام بنية مختلفة من المجتمع العربي وإن لم تكن قد اكتملت، لكنها في طور ذلك، من موقع التناظر الذي أخذ يفرض أثقاله على الجميع. فالحديث عن الحقب التاريخية شائك ومعقد، ما يجعلنا أمام رهانات تقودنا إلى التأمل العميق.
أما الدخول في القرن الحادي والعشرين، فقد وسم المجتمع العربي بطابع واضح المعالم، هو إعادة بناء هذا المجتمع، وبالتالي نجد ضرورة صوغ الوظائف التاريخية للقوى الاجتماعية الموجودة فيه.
في هذا السياق نشير إلى أن العوامل الثلاثة التي ذكرتها، تفكك المنظومة الاشتراكية، وحرب الخليج الثانية، ونشوء النظام العالمي الجديد، أفرزت إشكاليات أخرى في وجه الوضع العربي عموماً، وفي وجه الفكر العربي خصوصاً، إشكاليات لم تكن قد أفصحت عن نفسها سابقاً، لا سيما في مرحلة التصدع التي أصابت الإمبراطورية العثمانية وما قبلها، حيث جرت محاولات تتريك الشعوب المنضوية في لواء الإمبراطورية العثمانية.
ومن ثم أخذنا نواجه في ذلك الزمن المبكر ما نعانيه اليوم من طموح النظام الإمبراطوري العسكري إلى تفكيك الهويات القومية والوطنية، ومنها الهوية العربية.
أقول إن الإشكالية الحديثة التي تطرح نفسها الآن في المجتمع العربي وأمام الفكر العربي تتمثل في بروز تلك الحالة التي كانت موجودة سابقاً، لكنها لم تطل كثيراً ولم تفرز إشكاليات فكرية كبيرة. وهكذا فإن الانتقال العربي إلى القرن الحادي والعشرين يمتلك بكل جدارة استحقاقات جديدة تقوم على فكرة الهوية والحفاظ على البنية التاريخية لشعوبها.
-
آلية السلطة في سوريا: من أمن الدولة إلى دولة الأمن
س: د. تيزيني، لدي سؤال آخر، حول آلية السلطة في سوريا اليوم، كيف تقرأ هذه الآلية؟
ج: غدت آلية معقدة جداً، لأنها تمثل حصيلة موروث طويل، خصوصاً على الصعيد السياسي والثقافي والتعليمي.
إن هذه الآلية يمكن أن تتجه نحو الأفضل في صيغ إيجابية إذا ما استطاعت أن تجيب عن مشكلات راهنة مطروحة في إطار عامة الشعب، وهي مشكلات محددة في مقدمتها قضايا الديمقراطية والرأي الآخر وحرية الفكر والمعتقد والكلمة.
ومن ثم فإن هذا يستدعي إلغاء قوانين الأحكام العرفية، ويتطلب أمراً أجده ضرورياً، هو إعادة فتح ملفات الفساد الذي التهم سوريا على مدى عقود متعددة وحرم شعباً بكامله. أعني أن 95% من سكان هذا البلد حرموا من ثرواتهم الطبيعية وأدخلوا دائرة الفقر والذل.
-
ملفات الفساد التي أفقرت السوريين
س: هل نفهم من ذلك أن غياب المشروع السياسي الواضح جعل المرحلة تتسم بالبؤس؟
ج: حقاً لقد غاب المشروع السياسي العربي بشكل فعلي وواضح، فما حدث بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يتمثل في أن السؤال السياسي هنا قد يكون مدخلاً إلى المداخل الأخرى.
في هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أمر آخر، هو أن المجتمع العربي عموماً عاش منذ عقود متعددة تحولاً على صعيد النظام السياسي. هذا التحول ألخصه بعملية الانتقال من «أمن الدولة» إلى «دولة الأمن»، أي الدولة التي ألخص شعارها بأنها ذلك النظام السياسي الذي يعمل على أن يفسد بحيث يصبح الجميع مداناً تحت الطلب.
وقد أصبح هذا الأمر ممكناً عبر عاملين كبيرين في المجتمع العربي كله.
العامل الأول تمثل في التدفق الهائل للأحوال التي أخذت تدخل الأقطار العربية مع اكتشاف النفط ودخول المساعدات التي تأتي بالعمولات المختلفة. هذا العامل كان وما زال كبيراً في هيمنة عملية الفساد والإفساد، وذلك ما نلاحظه على نطاق واسع وشامل.
أما العامل الثاني فيتمثل في استلاب التكنولوجيا المتقدمة الغربية، إضافة إلى استجلاب الثورة المعلوماتية وتوظيفها في خدمة الدولة بما يتجه إلى إفساد المجتمع.
-
الدولة الأمنية وإجهاض البدائل التاريخية
س: لماذا أو كيف تكون الدولة الأمنية ضد مواطنيها؟
ج: كي لا تتحول إلى بديل تاريخي في مرحلة أصبحت قابلة لأن تكون مثل هذا التشكل التاريخي الهام، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ما نعيشه اليوم في العالم العربي يتمثل بما دعوته تقاطباً شاملاً وعميقاً بين الأعلى والأدنى.
في هذه الحال أصبحت احتمالات أخرى، مثل إنتاج بدائل تاريخية، ممكنة في نطاق أولئك الذين يمثلون القاع الأصلي، هذا القاع الذي انضافت إليه الآن الفئات الوسطى التي انزاحت في اتجاه الأدنى بكل رضى، على أن تعيش مذلة ومهانة دون أن تكون حتى الآن قد اندغمت مع ما طرأ عليها.
فإذا كان خروج الدولة الأمنية جاء ضمن ضرورات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإنه سيقف أيضاً في وجه احتمالات أي تشكل أو أية بدائل تاريخية تندغم مع طبيعة المجتمع.
أعني أن هذه الدولة الأمنية سوف تحاصر أية بدائل من خلال عوامل داخلية وخارجية، لكن تظل الإمكانية مفتوحة. لهذا أسمي الحطام الذي أتيت على ذكره حطاماً مفتوحاً، بمعنى أن عملية الاستقطاب هذه تنتج إشكالات كثيرة أساسها الفكر السياسي والممارسة معاً.
إذا ما اتحدت القوى الفاعلة والحيوية في المجتمع العربي قد يفرز ذلك بديلاً جديداً، لذلك يمكن أن نتصور أن الصدام الآن سيرتفع بين نظام سياسي عربي مؤسس على دولة أمنية وبين احتمالات تاريخية ما تزال في طور التشكل.
وبناءً عليه فإن التطور في سوريا مرهون بالإجابة عن السؤال التالي: لمن تكون الغلبة؟ لقوى التقدم أم للقوى التي تكبح التطور في سوريا؟
ولا شك أن الشعب سيكون له ذلك الدور الحقيقي بقواه الحيوية، حتى في مساعدة تلك القوى السالفة على تفكيك الحصار المضروب حولها من قبل ما يسمى بـ«الحرس القديم».
-
تراجع الأحزاب اليسارية وتحديات الشارع السوري
س: لكن، د. تيزيني، نلاحظ في هذا الجو المتضارب نتيجة لتردي دور الأحزاب اليسارية. إلى أي مدى يمكن أن يتماهى الشارع السوري وهو أصلاً يعاني من قهر سياسي؟
ج: هي عملية صعبة ومعقدة فعلاً، فمن الضرورة العمل من أجل قوى فاعلة. من جهتي لا أريد أن أحصر ذلك بما تقدمه الأحزاب السياسية أو التشكلات السياسية.
إن أهم ما يمكن أن يؤثر في هذه الحالة يستند إلى الشراك السياسي المفتوح على من يوازيهم ممن عاشوا فترة الإذلال والإفقار.
لذلك فالمشروع معقد فعلاً، ولا نستطيع أن نحسمه، خصوصاً أن الوضع يتسم بكونه وريثاً شرعياً لمرحلة سابقة، إذ لا يحصى عدد الإشكالات تزامناً مع التطور العربي منذ عصر النهضة حتى الآن.
في هذا السياق نفكر، إلى جانب مجموعة من المثقفين، في إنتاج مشروع ثقافي نهضوي في سوريا يتجسد بفئات حية. هذا الأمر قد يتخذ صيغة رابطة أو مجموعة بطريقة ما.
-
مشروع ثقافي نهضوي جديد
س: كيف يمكنك تقييم ماهيات هذا التجمع، وماذا نتج عن اللقاءات حوله؟
ج: ما زلنا بصدد هذا المشروع، فهو على أية حال يحتمل السلب والإيجاب. عموماً لا يمثل حزباً أو أي شاكلة شبيهة به، فهو مشروع نهضوي جديد.
-
سقوط النهضة وصعود الإمبريالية
س: إذاً هذه الدعوة، رداً على البؤس السياسي العربي، تعقيباً لما أوردته قبل قليل حول غياب المشروع السياسي العربي؟
ج: أود أن أشير إلى أن القرن العشرين، بل ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، شهد أمراً بالغ الأهمية على صعيد العالم، تمثل في النظام الرأسمالي وتحوله من مرحلة الليبرالية إلى مرحلة الإمبريالية، واستمر ذلك مع بداية القرن العشرين.
والثابت أن النظام الرأسمالي أخذ بالتشكل في أوروبا الغربية منذ القرن الخامس عشر، حيث بدأ يؤسس نفسه للتحول الجديد في اتجاه الإمبريالية. إذاً، فهذا الأمر خطير وسوف تكون له اتجاهاته بالنسبة إلى المجتمع العربي، وقد ظهر ذلك مع ما حدث في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كما أسلفت.
وقد تزامن ذلك أيضاً مع نشوء المشروع النهضوي العربي، موازاةً مع الإمبريالية التي انعكست آثارها سلباً، بحيث أخذت النهضة العربية تعيش مرحلة من التراجع، مما يدعونا إلى القول إننا عشنا في بداية القرن العشرين جدلية سقوط مشروع النهضة العربية وصعود المشروع الصهيوني.
وقد أشرنا إلى أن الفئات الوسطى كانت وراء إخفاق ذلك المشروع لأنها لم تكن ترقى إلى مستوى النهضة.
س: إذاً نحن نمثل الورثة الشرعيين لتلك الحال؟
ج: نعم، وقد يكون ذلك وارداً في تلك المشاريع الصغيرة التي طرحها مفكرون وبعض السياسيين. ومن المهم أن يعثر هؤلاء على ما يوحدهم، فقد يتحولون إلى قوة يمكن أن تملي إرادتها سياسياً وثقافياً في المجتمع العربي.
لقد تعقدت المسألة مع بروز العوالم الثلاثة الخطيرة عموماً، فالمشروع السياسي، بصورة خاصة، نعيش اليوم تراجعه الكبير. إن هذا الإرث الذي كان قد تشكل جزئياً في القرنين التاسع عشر والعشرين نجده الآن مهدداً بالابتلاع من قبل النظام «العولمي الجديد» المتواطئ مع القوى التي تملك كل شيء.
إذاً، مصير هذا المشروع مطروح على بساط البحث. أما الحالة التي نعيشها الآن فأدعوها حالة التوهج في أوساط الفئات المثقفة والسياسيين وفئات الشعب التي تعيش حالة الإفقار.
-
حقيقة الابتزاز السياسي الذي تتعرض له المنطقة العربية
س: ماذا عن حقيقة الابتزاز السياسي الذي تتعرض له المنطقة العربية؟
ج: يأتي ذلك من هزيمة النظام العربي السياسي، وأيضاً لأن المجتمع العربي يتسم بالتخلف والتبعية.
فالابتزاز الذي يمارسه المشروع الأميركي «العولمي» يستدعي فك الارتباط بين النظام العربي والمشروع الأميركي ورفض هيمنته، إضافة إلى الإشارة إلى أن النظام العالمي الجديد لا يمكن الحديث عنه وفق بنية سياسية واحدة.
وهذا يقودنا إلى القول إن الغرب ليس غرباً واحداً، فهناك أيضاً الغرب المضاد للعولمة، ما يتيح لنا أن نشتغل على مفاهيم جديدة باتجاه العلاقة مع القوى المناهضة للإمبريالية العالمية، والتي تتضامن مع شعوب العالم الثالث، ومنها المنطقة العربية.
-
المثقف العربي بين الغالب والمغلوب
س: يُلاحظ بأن المثقف العربي، وعبر تلقيه للآخر الغربي، يشغل موقع التابع. بماذا تعلل ذلك؟
ج: هذه معادلة تاريخية نشأت ربما منذ قرون مديدة، وخصوصاً منذ القرن الثالث عشر، حين تصدعت الحضارة العربية الإسلامية لتفسح الطريق أمام تشكيلات اجتماعية أخرى في هذه المنطقة، وقد رافق ذلك صعود النهضة الأوروبية الحديثة.
وبناءً عليه، فإن المثقف العربي يعاني منذ ذلك الحين، وسوف تتكرس هذه السمة مرة أخرى مع إخفاق المشروع النهضوي العربي الحديث، وخصوصاً حين تدخلت الإمبريالية وأنهت المشروع.
ومن ثم فإننا هنا قد نكون أمام ما كان ابن خلدون يؤكد عليه في إطار جدلية الغالب والمغلوب، حيث يرى أن «المغلوب» في كثير من الأحيان يقلد «الغالب» في مأكله ومشربه ولبسه وفنه وأفكاره، معتقداً أن هذا الغالب يمثل ذروة التقدم.
هذا ما حصل في الفكر العربي، لكن هناك احتمالاً آخر كنت قد أشرت إليه، يتمثل في نشوء قوى حية داخل المجتمع العربي ناهضت ذلك.
غير أن «الغالب» المتمثل بالإمبرياليات الفرنسية والهولندية والإنكليزية والإيطالية ثم الأميركية أدى إلى تدجين المثقف العربي من قبل القوى الغالبة. وقد ظهر ذلك في المغرب العربي والجزائر وتونس، حيث ما زالت هذه البلدان تعيش إشكالية «المثقف التابع»، أو المثقف الذي صيغ على نمط حضاري مستورد.
ومع ذلك لا يمكننا الحديث عن هذه الجدلية بصيغة ميكانيكية، إذ بدأ «المغلوب» يكتشف هذه الإشكالية، الأمر الذي جعله يسعى إلى مقارعة «الغالب» بثقافته وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والعمل على تجاوزه.
ومن ثم فإن الرهانات التي يمكن أن يضعها المفكر العربي اليوم تتمثل في اكتشاف هذه الإمكانية عبر مشروع نهضوي يتضمن المسائل المتصلة بالثقافة والفكر والسياسة، وإعادة طرح قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وتوزيع ثروات هذه الأمة على شعوبها.
كل ذلك يترتب على المرحلة الراهنة، وهو عنوان ليس من السهل الولوج من خلاله إلى مشروع عربي جديد.
-
التباس الثورة وصعود سؤال النهضة
س: مع بداية القرن الجديد نجد أن الأسئلة ذاتها سوف تتكرر بصياغات أخرى؟
ج: الأسئلة نفسها فقدت دلالاتها. أعني هنا السؤال عن الثورة تحديداً، الذي برز بديلاً شرعياً وطرح نفسه طوال عقود مديدة في القرن العشرين.
بالتالي نواجه مفارقة لافتة، لأن ما طرح حول الثورة في السبعينيات لم يكن يستند إلى حامل اجتماعي يؤسس لهذا السؤال، إذ كان المجتمع يقوم على ثلاثية واضحة المعالم، ومع ذلك كان الحيز الثوري هو الأبرز، ولم يكن يستجيب إلى واقع الحياة الاقتصادية.
هذا ما عنيته بالالتباس، ليس من جهة نشوء سؤال الثورة فحسب، بل من جهة تزامنه مع بروز سؤال آخر.
س: إذاً، ما خصوصية هذا الذي ولد سياسياً في مرحلة الالتباسين: التباس الثورة، والالتباس الذي ما زلنا نعيشه اليوم، أي سؤال النهضة؟
ج: حتماً إنه سؤال البداية، سؤال ثورة لا مقوم اجتماعياً لها.
أعني أن الفئات الوسطى، التي كان رأسها في الأعلى وقدمها في الأدنى، لم تكن قادرة على إنجاز مشروعيتها في مرحلة إخفاق النهضة. ومع ذلك فإن هذه الفئات هي التي أنتجت سؤال الثورة، ذلك السؤال الذي قادنا إلى سياق تاريخي ما زال يمثل فعلاً درامياً في التاريخ السياسي العربي المعاصر.
هذا المشهد يقوم على نشوء أسئلة غير شرعية، حيث تتصدع البنية الأساسية لها وتتصدع الأمة معها. ومع أننا نعلم أن أياً من التشكلات السياسية أو الفكرية لم يستطع حتى الآن أن ينجز شيئاً حاسماً، فإن الأحزاب التي تبلورت في مراحل مختلفة تحولت إلى عبء على أي احتمال نهضوي فكري جديد.
لذلك فإننا أمام إرث ثقيل في المرحلة الحالية، يضاف إليه ما تفرضه المعطيات المستجدة.
ألاحظ انتهاء سؤال الثورة ليأتي مكانه سؤال آخر. وهناك التباس في مرحلة برز فيها هذا التقاطب في ظل النظام العالمي الجديد الذي يضع في أولوياته تفكيك الهويات القومية في العالم كله.
هنا يبرز سؤال النهضة، لأن عملية التفكيك لا تستهدف طبقة بعينها ولا تحالفاً طبقياً بعينه، وإنما تستهدف المجتمع برمته.
-
نصف شرعية النهضة في زمن الركود
س: ألهذا يبدو سؤال النهضة وكأنه يمتلك نصف شرعيته بسبب ركود الوضعية العربية؟
ج: ما يعدّل هذا السؤال ذلك العامل الذي أخذ يتدفق من الخارج. كأننا هنا على حدّ السيف، علينا أن نتقن قراءته، وألّا نغيّب سؤال الثورة بل نؤجله.
س: لكنك ذكرت أن الأحزاب التي نشأت في مراحل مختلفة تشكل الآن عبئاً على سؤال النهضة؟
ج: هذه الأحزاب، وخصوصاً قياداتها، فقدت كثيراً من شرعيتها، لكن الحوامل الفكرية التي أتت بها يمكن إعادة النظر فيها، خصوصاً إذا نظرنا إلى هذه الحوامل بوصفها ما تزال تمثل مشكلات المرحلة الراهنة. فالمشكلة الاجتماعية التي ألحّ عليها المشروع الاشتراكي، والمشكلة القومية التي طرحها المشروع القومي، والمشكلة التحديثية، وكذلك الإشكالية الدينية التي ألحّ عليها المشروع الديني، كلها مشكلات ما تزال قائمة، لكن طرائق تناولها أخذت تضعف شيئاً فشيئاً.
إذاً، فإن قيادات الأحزاب هي التي فقدت شرعيتها، على خلاف الأفكار التي ما تزال تتمثل في أفراد ومجموعات. إن مكونات القوى الاجتماعية موجودة على مستوى الأمة، لكن تعبيراتها تحتاج إلى إعادة نظر. ومن ثم فإن القضايا التي طُرحت في عصر النهضة ما تزال مؤجلة، لكن الأسئلة التي تضمنتها تعمل اليوم على إعادة تشكلها، لأن الصيغة التي تأسست عليها تلك الأسئلة قد تصدعت وتلاشت.
-
إرهاصات المرحلة المقبلة في سوريا
س: ماذا عن إرهاصات المرحلة المقبلة في سوريا؟
ج: إنها المرحلة نفسها التي نعيش بداياتها، أي حالة التصدع والتفكيك التي باتت من سمات المؤسسات القائمة. نحن أمام مجموعة من المشكلات المتراكمة، وإذا لم تجب عنها السلطة في سوريا بإجابات مفتوحة وتقدمية ووطنية نزيهة، ذات منحى قومي ديمقراطي، فسوف تظهر انفجارات طائفية ومذهبية عبر اختراق سوريا من قبل القوى الكيانية المتمثلة بالغرب الإمبريالي والصهيونية.
-
تجمعات القرن العشرين وتجاربها
س: البواعث الثقافية والفكرية والسياسية التي تحدثنا عنها تحيلنا إلى الحديث عن تجمعات مماثلة شهدها القرن العشرون؟
ج: لقد حدث ذلك بالفعل، لكنه اكتسب صيغة الشتات، لأن القرن الماضي كان إشكالياً وحمل عدداً من الالتباسات. وقد تمثلت أبرز هذه الالتباسات في بروز الفئات الوسطى مع نشوء القرن العشرين، أي بعد إخفاق النهضة العربية في القرن التاسع عشر وما سبقه بقليل.
فمجيء الفئات الوسطى لتشغل حيزاً بارزاً على صعيد الإنتاج الثقافي والسياسي حمل معه الالتباس الأكبر في القرن العشرين كله. لقد أتت هذه الفئات لتعلن أنها صاحبة المشروع النهضوي، وهنا أخذت تستعيد ما كان قد أخفق في القرن التاسع عشر.
وعلى هذا الأساس لاحظنا أن بروز الفئات الوسطى العربية أنتج أربعة مشاريع رئيسية تمثلت في المشروع القومي والاشتراكي والتحديثي والديني غير المؤسسي. وقد أنتجت هذه المشاريع ما يقابلها من مؤسسات حزبية ومدنية.
ومن ثم فإن الحركة السياسية التي تبلورت، وخصوصاً منذ العقد الرابع من القرن العشرين، كانت في جوهرها حركة الفئات الوسطى، التي قامت بدورها على قسمين كبيرين:
- الفئات الميسورة اقتصادياً،
- والفئات الحاملة للعقل التنويري.
لذلك كانت هذه الفئات قادرة على إنتاج فكري وثقافي مؤثر في المجتمع العربي. أما الالتباس الذي أعنيه فقد تمثل في أن هذه الفئات حملت مشاريع أكبر من قدرتها الفعلية، فهي في الأصل فئات متحركة ضمن مرحلة تاريخية اتسمت بذيول الإخفاق النهضوي العربي، فكأنها ارتدت قميصاً لم تفصله بنفسها.
أما الأمر الثاني فتمثل في غياب الفواعل الاجتماعية الأخرى، بحيث بقيت الفئات الوسطى وحدها في المشهد. لذلك عشنا ذلك الالتباس الكبير على الصعيدين السياسي والثقافي، إذ نشأت أحزاب بأكملها تُنظّر للثورة، لكنها لم تستطع إنجازها، لأن هذا الأمر لم يكن مناطاً بفئات تمثل ذيول الإخفاق النهضوي.
فكانت هناك حالة من التواطؤ بين الأعلى والأدنى، أي وضعية لم تستند إلى بنية اجتماعية منتظمة وقادرة على الانحياز إلى العمق العربي.
ومن هنا نلاحظ أن بداية السبعينات اتسمت بما أسميه اكتشاف النفط السياسي، وقد رافق ذلك بروز المجتمع الاستهلاكي التابع، لتنتج معه حالة من الحطام العربي غير المسبوق.
إن ما بدأ يطرح نفسه مع بداية السبعينات كان إيذاناً بمرحلة جديدة جعلت الفئات الوسطى عاجزة عن تحقيق مشاريعها، خصوصاً مع الهزة العميقة التي اجتاحت المجتمع العربي وأدت إلى تغيير عدد من النظم السياسية العربية، بالتزامن مع نشوء صراعات دامية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
لقد كانت تلك المرحلة إيذاناً بتملك الفئات الوسطى للأزمة، وهو ما أسميته بالتقاطب الاجتماعي الذي اقتلع معه كثيراً من الثوابت السابقة.
وهذا يعني أن الأسئلة التي طُرحت منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى سبعينات القرن العشرين أخذت تعيش حالة من إعادة النظر، على الرغم من أنها ما تزال فاعلة في التاريخ العربي المعاصر.
-
العلاقة بين المثقف والسلطة
س: ضمن هذه المعطيات، ما هي العلاقة بين المثقف والسلطة؟
ج: أشرت قبل قليل إلى أن السلطة الأمنية أصبحت تجسد النظام السياسي العربي، ومهمتها ابتلاع المثقف الذي نشأ في مراحل سابقة بصيغ هشة وضعيفة. وقد استطاعت تحقيق ذلك لاعتبارين أساسيين:
أولاً: لأن المثقف لم يستطع في الأصل تكوين دوره التاريخي، وبقي بعيداً عن تحقيق مشروع جماعي متماسك، الأمر الذي جعله قابلاً للاختراق. وقد استطاعت السلطة الأمنية تفكيك مشاريعه عبر توظيف التحولات الفكرية التي رافقت قراءات ما بعد الحداثة.
ثانياً: ارتباط المثقف بوضعه الاقتصادي، مما جعله رهينة للانهيار الاقتصادي الذي أدى إلى إفقار العامة والمثقفين الفاعلين معاً، ودفع كثيرين منهم إلى البحث عن لقمة العيش قبل الانشغال بالكتاب.
ومن هذه الزاوية استطاعت الدولة الأمنية أن تحكم قبضتها على المثقف، فتحوله في نهاية المطاف إلى موظف خاضع لها.
ولهذا نتحدث عن شروخ عميقة دخلت الحياة الثقافية، حتى أصبحنا نتساءل بمرارة عن إمكانية قيام مشروع جديد. غير أن هذه المشاريع التي تنشأ متفرقة في إطار الفكر العربي لا تجد الاستجابة الكافية لدى المثقفين، لأنهم أُرغموا على أن يكونوا رهائن للدولة الأمنية، وباتوا يدركون أن كرامتهم قد استُبيحت.
ومع ذلك فإن قسماً كبيراً منهم قادر على العودة إلى صفوفه الوطنية والديمقراطية والعمل بأفق مختلف. ولهذا أجد أن الرهان بدأ ينفتح من جديد، وأن الأبواب التي ظُنّ أنها أغلقت إلى الأبد ما تزال مفتوحة من خلال الحوار الذي يعيشه الفكر العربي، وأهمه ذلك الحوار الصامت الذي لا يعلن عنه في الإعلام العربي.
-
المصالحة بين المثقف والسلطة
س: في سياق آخر، هناك من يدعو إلى تجسير الهوة أو المصالحة وإعادة النظر في العلاقة بين المثقف والسلطة، كيف تنظر إلى هذه الدعوات؟
ج: لا بأس بذلك، لكن هذه المصالحة مشروطة بإعادة بناء السلطة السياسية في الأقطار العربية انطلاقاً من ثلاثة أمور أساسية:
أولها: إعادة الاعتبار للديمقراطية، أو خلق حالة من الديمقراطية الواسعة على المستوى العربي، بحيث يتمكن المثقفون والسياسيون من ممارسة حرية الكلمة والاختيار، وتكون الديمقراطية هي الأساس الذي تقوم عليه المصالحة.
أما الشرط الثاني، وإن كان مؤجلاً، فيتمثل في رفض التطبيع العربي الإسرائيلي بصورة واضحة وصريحة.
وأرى أن رفض التطبيع يشكل المدخل الثالث للمصالحة بين المثقفين العرب والسلطة.
س: لكن عملية التطبيع قد تأخذ مداها، خصوصاً أننا لم نتحدث عن عامل اجتماعي قد يضاف إلى الفعل السياسي العربي؟
حاوره: أحمد سليمان
المصدر: مجلد «جدل الآن».
- يتوفر الكتاب على منصة أمازون، وكذلك في بيروت عبر منصة «نيل وفرات» من خلال الرابطين التاليين:
- نيل وفرات:
- https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb125264-85394&search=books
- أمازون:
- https://www.amazon.de/%E2%80%AB%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%84%D8%A7%D8%A8-ebook/dp/B09TQ7BP2C

المزيد من المواضيع
تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا
بين المال والسلاح: شهادات حول دور محمد حمشو في اقتصاد الحرب السوري
هل تغيّر واشنطن قواعد اللعبة مع إسرائيل أم تعيد توزيع الأدوار؟