ليست أخطر آثار أنظمة القمع تلك التي تظهر في الفضاء العام مباشرة، بل تلك التي تتسلل إلى سلوك الأفراد وتعيد تشكيل علاقتهم بالكلمة والموقف والانتماء. فعندما يتحول الخوف إلى عادة، والصمت إلى نمط تفاعل، تبدأ ملامح الانكفاء الجماعي في التشكل، حتى يصبح الغياب عن النقاش العام أكثر حضوراً من المشاركة فيه.
في هذا السياق، يمكن رصد حالة متنامية من العزوف عن التفاعل مع القضايا العامة، حيث يتجنب بعض الأفراد إبداء الرأي أو التعليق أو حتى الإشارة إلى مواقفهم، وكأن الفضاء العام ما زال محكوماً بمنطق العقاب غير المرئي.
●العزل الذاتي كتحول اجتماعي
يمكن قراءة هذه الحالة بوصفها شكلاً من “العزل الذاتي”؛ أي انسحاب تدريجي من المجال العام، لا بفعل إكراه مباشر، بل نتيجة تراكمات الخوف والريبة وعدم الثقة بالمستقبل. بعض هذا السلوك يمكن فهمه باعتباره امتداداً لتجارب طويلة من القمع، وبعضه الآخر يرتبط بتصورات بأن التعبير العلني قد يحمل كلفة غير محسوبة.
لكن هذا الانسحاب لا يبقى فردياً أو معزولاً، بل يتحول تدريجياً إلى بنية اجتماعية تُضعف المجال العام وتحدّ من قدرته على إنتاج رأي حيّ وفاعل. فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على النقاش العلني، تفقد في الوقت ذاته قدرتها على تطوير أدوات التغيير من داخلها.
وفي المقابل، تساهم بعض الفضاءات الرقمية في إعادة إنتاج هذا الانكفاء بصورة غير مباشرة، عبر تضخيم المخاطر المرتبطة بالتعبير، أو تأويل المواقف خارج سياقها، بما يدفع كثيرين إلى التراجع عن المشاركة بدل الانخراط في النقاش.
●شبكات التحريض والعزل
ومن الظواهر اللافتة أيضاً أن بعض الأشخاص الذين عُرفوا سابقاً بنشاطهم ضد القمع والفساد، وبالدفاع عن الحريات العامة وحرية الرأي في مواجهة الحقبة الأسدية، باتوا اليوم يمارسون سلوكاً يناقض تلك المبادئ. وكأن الفساد أو التضييق على الحريات أصبحا مقبولين ما داما ينسجمان مع مصالحهم أو مع تصوراتهم السياسية. فبدلاً من الدفاع عن حق الاختلاف، أخذ بعضهم يهاجم كل رأي لا يتطابق مع قناعاته، ووصل الأمر إلى تداول دعوات لمقاطعة كتّاب وباحثين وناشطين، أو الامتناع عن التفاعل مع ما ينشرونه، وتصويرهم على أنهم “عقبة أمام الدولة”. والسؤال المشروع هنا: أي دولة يمكن أن تُبنى على إقصاء أصحاب الرأي المختلف؟
وقد اطلعت، بالمصادفة، على مراسلات من هذا النوع استهدفت عدداً من المناضلين التاريخيين، ونشطاء وداعمي الثورة، إلى جانب كتّاب وباحثين. وما يثير القلق ليس مجرد الاختلاف في الرأي، فهذا حق طبيعي، وإنما محاولة تنظيم حملات للإقصاء الاجتماعي، أو التشهير، أو التحريض ضد أشخاص بسبب مواقفهم الفكرية. وإذا صحت نسبة هذه الممارسات إلى أصحابها، فإنها تمثل تراجعاً خطيراً عن القيم الديمقراطية التي يُفترض أنهم يدافعون عنها.
وفي هذا السياق، ظهرت إشارات في بعض المراسلات إلى تواصلات غير واضحة المصدر بين أطراف تدّعي الانتماء إلى مؤسسات رقابية أو أمنية، وبين ناشطين على منصات التواصل الاجتماعي وصناع محتوى، بهدف توجيه الخطاب العام نحو قضايا محددة أو تسليط الضوء على ملفات بعينها تحت عنوان “دعم الدولة”. هذا التداخل يثير إشكاليات جوهرية حول حدود العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفضاء الرقمي، خصوصاً عندما يتحول إلى أداة غير شفافة للتأثير على الرأي العام أو توجيه النقاش العام.
كما برز في بعض الحالات تداول رسائل صوتية تتضمن تهديدات مباشرة لعدد من الكتّاب، من بينها تهديدات صريحة تشير إلى إمكانية ملاحقتهم أو مقاضاتهم عند العودة إلى سوريا. هذه الخطابات، بغض النظر عن مصدرها، تنقل الخلاف من مستوى النقاش الفكري إلى مستوى الضغط والترهيب، بما يهدد جوهر المجال العام القائم على حرية التعبير.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: إلى أي مدى يمكن لجهة سورية رسمية أو شبه رسمية أن تمارس نفوذها لتوجيه أفراد أو مؤثرين يقيمون في دول أوروبية أو غيرها، بمن فيهم مزدوجو الجنسية، نحو إنتاج محتوى يستهدف منتقدين أو معارضين، عبر التشهير أو التحريض أو تشويه صورتهم، بسبب آرائهم الناقدة للفساد أو مواقفهم الداعمة للعدالة الانتقالية؟ وأين ينتهي العمل الإعلامي المشروع، وأين يبدأ توظيف النفوذ غير المعلن في صناعة خطاب رقمي قد يفضي إلى انتهاك حقوق الأفراد والإضرار بسمعتهم؟
ومن المفارقات اللافتة أن بعض المقيمين في دول ديمقراطية، يتمتعون فيها بحماية القانون وحرية التعبير، يتبنون خطاباً يسعى إلى حرمان آخرين من الحق ذاته. كما يُلاحظ أن بعض هذه الخطابات يقدّم الولاءات المناطقية أو العشائرية، وأحياناً يوظف الخطاب الديني لاستمالة فئات بعينها، بدلاً من ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة. وهي أنماط من التعبئة تعيد إنتاج الانقسامات الأولية، في وقت ما تزال فيه فكرة الدولة الحديثة في سوريا تخوض اختبارها الأصعب: بناء هوية وطنية تتجاوز العصبيات الضيقة.
إن إنتاج قوائم للمقاطعة، أو التحريض المنظم ضد أصحاب الرأي، أو تصنيفهم ضمن سرديات جاهزة، لا ينسجم مع قيم الدولة الحديثة أو مبادئ المواطنة المتساوية، بل يعيد إلى الواجهة ممارسات الإقصاء التي عرفتها المجتمعات في ظل الاستبداد، حيث كان تصنيف الأفراد ومراقبتهم واستهدافهم من أدوات السيطرة على المجال العام.
●مرتكزات استعادة المجال العام
أولاً: كسر العزلة النفسية عن المجال العام
إعادة الاعتبار لفكرة أن التعبير حق طبيعي، وأن المشاركة في النقاش العام ليست مخاطرة، بل جزء من المسؤولية المدنية.
ثانياً: تعزيز ثقافة المشاركة بدل الانكفاء
المجتمع الذي ينسحب من النقاش يترك المجال للفراغ، والفراغ دائماً ما يُملأ بأصوات أكثر حدّة وأقل توازناً.
ثالثاً: ترسيخ مفهوم المواطنة فوق الهويات الضيقة
الانتماء للدولة الحديثة لا يُبنى على العصبية أو الجغرافيا أو الانقسام الاجتماعي، بل على المساواة أمام القانون وحرية الاختلاف.
رابعاً: تفكيك منطق الإقصاء وإعادة تعريف الاختلاف
الاختلاف ليس تهديداً، بل شرط أساسي لأي حياة سياسية سليمة. تحويله إلى خصومة وجودية يقود إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة.
●حين يصبح الصمت بنية عامة
المجتمعات لا تُقاس فقط بما تعلنه من شعارات، بل بما تسمح به من أصوات. حين يتحول الصمت إلى نمط واسع، والعزلة إلى سلوك اجتماعي، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يتحدث، بل من بقي قادراً على الاستماع.
استعادة المجال العام تبدأ من إعادة الاعتبار للكلمة بوصفها حقاً ومسؤولية، لا بوصفها خطراً. ومن دون ذلك، يبقى أي مسار سياسي أو اجتماعي محكوماً بفراغ يعيد إنتاج العزلة بأشكال أكثر تعقيداً.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
سيكولوجيا “الشرطي العالمي”: دونالد ترامب نموذجاً
طيب تيزيني: «علينا ألّا نغيّب سؤال الثورة بل نؤجّله»
تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا