ليس كلُّ رحيلٍ نهاية. بعضُ الأصوات، حين تغيب، تبدأ فعليًا في الانتشار- كأنها تتحرر من الجسد لتسكن الذاكرة العامة، وتصبح جزءًا من ضميرٍ لا يهدأ. هكذا يرحل الفنّان، لا كخبرٍ عابر، بل كتحوّلٍ في المعنى: من حضورٍ مسموع إلى أثرٍ دائم. في هذا المعنى تحديدًا، يأتي رحيل أحمد قعبور، لا بوصفه غيابًا، بل كاستمرارٍ من نوعٍ آخر.
في 26 مارس 2026، غيّب الموت واحدًا من أكثر الأصوات رسوخًا في وجدان الجمهور العربي. رحل قعبور عن عمر ناهز السبعين عامًا بعد صراعٍ مع المرض، تاركًا إرثًا فنيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود الأغنية ليصل إلى فضاء الموقف والالتزام. لم يكن مجرد مغنٍّ، بل صوتًا يعلو حيث تُرفع كلمة الحرية، وصدىً يعكس هموم الأرض والإنسان.
منذ بداياته، اختار أن تكون الكلمة موقفًا، وأن يكون اللحن امتدادًا لهذا الموقف. في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومع اشتداد التحولات في المنطقة، قدّم عمله الأبرز حين لحن وغنّى «أناديكم» للشاعر توفيق زياد، لتتحول إلى واحدة من أكثر الأغاني تأثيرًا في الوعي الجمعي العربي. لم تكن كلماتها مجرد نص، بل حالة وجدانية كاملة، تختصر معنى التضامن الإنساني في لحظةٍ كثيفة:
“أشدّ على أياديكم… وأبوس الأرض تحت نعالكم”
لم يكن هذا الصوت مجرد موسيقى، بل صرخة تحرّر ونداءً للعدالة، ونبراسًا لكل من آمن بأن الفن يمكن أن يكون أداة مقاومة ومصدرًا للأمل. وما ميّز قعبور حقًا هو قدرته على تحويل الكلمة إلى تجربة سمعية حيّة؛ لحنٌ يتنفس المعنى ولا يكرره. لم يقع في فخ القوالب الجاهزة، بل سعى إلى بناء موسيقى تنبع من النص نفسه، حيث الإيقاع جزء من الفكرة، والنغمة امتداد للرسالة. بهذا المعنى، لم يكن اللحن عنده مرافقة، بل شريكًا أصيلًا في التعبير.
امتدت تجربته بين الوطني والإنساني والاجتماعي، فغنّى لفلسطين دون مساومة، وللإنسان دون تصنيف، وللوطن دون تزييف. في أعمال مثل «نحنا الناس»، «أمي»، «يا نبض الضفة»، و«يا رايح صوب بلادي»، يظهر هذا التداخل العميق بين الخاص والعام، بين الوجدان الفردي والقضية الكبرى.
محدا ينطر:
في سياق التزامه، لا يمكن إغفال ما قدّمه لسوريا، خصوصًا مع بدايات حراكها وثورتها، في أغنية « محدا ينطر .. سوريا عم تنبض». هناك، لم يكن يغنّي لحدثٍ عابر، بل لحالةٍ مستمرة – لوطنٍ يرفض أن يتحول إلى صمت. عبارة «سوريا عم تنبض» لم تكن توصيفًا شعريًا فقط، بل إعلانًا عن إرادة حياة، وعن شعبٍ لم ينكسر رغم الألم والتعب والتناقضات.
ومن هنا، تتقاطع أغنيته مع الفكرة التي تختصر المرحلة: محدا ينطر. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يمنح فرصةً لمن يقفون على هامش اللحظة. التجربة السورية، بكل تعقيداتها، كشفت أن الانتظار كان جزءًا من المأساة: انتظار الحلول الخارجية، أو العدالة المؤجلة، أو التغيير الذي يأتي بلا كلفة. لكن الواقع أثبت أن الزمن لا يتحرك إلا بمن يدفعه، وأن المستقبل لا يُمنح بل يُصنع – بالعقل، بالصبر، وبالإرادة الجماعية.
سوريا تنبض، نعم… لكن هذا النبض يحتاج إلى من يحميه من الاختناق: من التعصّب، من الاستبداد، ومن إعادة إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء جديدة. يحتاج إلى وعيٍ يعترف بالتنوع، ويؤمن بأن الكرامة الإنسانية ليست شعارًا بل أساسًا لأي نهوضٍ حقيقي.
لذلك، تبدو المعادلة واضحة: لا انتظار، بل فعل. لا استسلام، بل مراجعة. لا انقسام، بل بحثٌ جاد عن مساحةٍ مشتركة تحفظ للناس حقوقهم وتفتح بابًا لمستقبلٍ أكثر عدلًا.
رحل أحمد قعبور، لكن صوته لم يرحل. سيبقى حاضرًا كلما ارتفعت كلمة حق، وكلما احتاجت الذاكرة إلى ما يعيدها إلى جوهرها الأول. لم يكن فنانًا فقط، بل شاهدًا على زمن، ومشاركًا في صياغة معناه.
رحل الفنان والمناضل الأممي العظيم. رحل أحمد قعبور جسدًا، لكن كلماته وأغانيه وألحانه ما زالت حيّة، تنبض في الذاكرة والوجدان، وترافق كل من يؤمن بأن الفن موقف، وأن الكلمة الصادقة لا تموت.
أحمد سليمان
- المصدر نشطاء الرأي
- الرابط : https://opl-now.org/2026/03/27/أحمد-قعبور-رفيق-النضال-أناديكم/

المزيد من المواضيع
هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير قوانين قديمة ؟
أحد الحريات: من الاحتجاج إلى ترسيخ الحق الدستوري
سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية