ليس من الصعب اليوم إقناع العالم بسوريا. السقف منخفض إلى حدٍ كبير: القليل من الاستقرار يكفي، ضبط الحدود يُعتبر إنجازًا، غياب الفوضى يُعد مكسبًا، وأي إشارة لفرص اقتصادية هي مكسب إضافي. بهذه المعايير المتواضعة، يصبح الانفتاح الدولي مفهومًا، بل متوقعًا. وفي هذا الإطار، يمكن فهم زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى برلين، والتي بدت، في ظاهرها، محطة ناجحة ضمن سلسلة تحركات خارجية استطاعت كسر جزء من العزلة وفتح قنوات مع عواصم مؤثرة.
لكن النجاح الخارجي لا يغطي ملفات حساسة في الداخل، أبرزها مسألة إعادة اللاجئين والمهاجرين السوريين، وما هي الحوافز البديلة لهم لضمان عودتهم الطوعية، إضافة إلى ملف المطلوبين منذ أيام نظام بشار الأسد على خلفيات دعم الثورة السورية والمعارضين، الذين لم تُحذف تقارير الجلب الخاصة بهم، وبقيت أسماؤهم مُسجلة كمطلوبين رغم سقوط الأسد، ما يثير القلق ويؤكد الحاجة لسياسات واضحة للعدالة والاستقرار الداخلي.
بهذه المعايير المنخفضة أصلًا، يمكن تفسير الترحيب الأوروبي والانفتاح الحذر. لكن المشكلة تبدأ حين يُفهم هذا النجاح الخارجي على أنه دليل كافٍ على نجاح داخلي، أو يُستخدم كبديل عنه.
تصفيق الخارج… وحدود الدلالة:
في لقاء الجالية السورية، ظهر مشهد الحفاوة والتصفيق بشكل لافت. وهو مشهد مفهوم إذا وُضع في سياقه: جمهور مغترب، في معظمه أقرب إلى التأييد أو على الأقل غير معارض، خرج من تجربة طويلة مع نظام شمولي، ويبحث عن أي نموذج مختلف.
لكن تحويل هذا التفاعل إلى مؤشر على الرضا العام أو شرعية سياسية واسعة، هو قراءة انتقائية للواقع. لأن ما يُقال في القاعات لا يعكس بالضرورة ما يجري داخل البلاد، حيث تُختبر العلاقة الحقيقية بين الدولة والمجتمع.
نجاح الخارج… وقلق الداخل:
المفارقة أن هذا النجاح الخارجي يترافق مع مؤشرات مقلقة في الداخل. تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ما تزال توثق قيودًا على حرية التعبير، واعتقالات تعسفية، وغيابًا واضحًا للمساءلة.
وهذه ليست مجرد “شوائب” في مرحلة انتقالية، بل مؤشرات على نمط حكم لم يُحسم اتجاهه بعد.
سؤال الديمقراطية:
الأكثر إثارة للانتباه كان النقاش الذي دار حول مسألة الديمقراطية. طُرح السؤال بوضوح، لكن الجواب جاء مؤجلًا، ومشروطًا، ومبنيًا على مقارنات تاريخية غير دقيقة.
فالتجربة في ألمانيا الغربية تُظهر أن بناء نظام ديمقراطي بدأ مبكرًا بعد الحرب، ولم يكن أمرًا ثانويًا مؤجلًا لعقود. الإشكال هنا ليس في المثال بحد ذاته، بل في الذهنية التي ترى الديمقراطية كمرحلة لاحقة يمكن تأجيلها، لا كأساس يُبنى عليه كل شيء آخر.
التأجيل وإعادة إنتاج الأزمة:
هذه الذهنية، إن استمرت، تعيد إنتاج منطق مألوف في المنطقة: أولوية الاستقرار على الحرية، وتأجيل السياسة باسم الضرورة، والتعامل مع المجتمع بوصفه غير جاهز بعد. وهي نفس اللغة التي استخدمت طويلًا لتبرير تقييد الحياة السياسية وإقصاء المشاركة العامة، ما يعني أن الخطر ليس في الخطأ، بل في تكراره.
دولة بلا ملامح مكتملة:
في المقابل، لا تزال ملامح الدولة من الداخل غير مكتملة: غياب قانون أحزاب فعّال، ضعف التمثيل التشريعي الحقيقي، ضبابية في مسار العدالة الانتقالية، وقرارات اقتصادية قاسية لا ترافقها شبكات حماية كافية.
هذا الفراغ لا يُملأ بالشعارات ولا بالزيارات الخارجية، بل بمؤسسات واضحة وقواعد شفافة تضمن الحقوق وتحدد المسؤوليات.
الفجوة بين صورتين:
نجاح أي سلطة في فتح الأبواب مع الخارج مهم، لكنه يظل ناقصًا إن لم يترافق مع فتح مماثل في الداخل. فالمعيار الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات الدبلوماسية، بل بقدرة المواطن على التعبير دون خوف، وعلى المشاركة دون قيود، وعلى الشعور بأنه شريك في بلده لا مجرد متلقٍ للقرارات.
ما كشفته زيارة برلين ليس فقط حجم الانفتاح الدولي الممكن، بل أيضًا الفجوة القائمة بين صورتين: صورة تُقدَّم للخارج، وأخرى يعيشها الداخل. وهذه الفجوة، إن لم تُعالج، قد تتحول من مجرد تناقض إلى أزمة.
بيت القصيد:
لا تُقاس الدولة بمدى الترحيب بقادتها في الخارج، ولا بعدد التصفيقات أو مذكرات التفاهم. المعيار الحقيقي يكمن في الداخل: قدرة المواطن على التعبير بحرية، المشاركة في صنع القرار، الشعور بأن حقوقه محمية، وأن العدالة لا تُؤجل ولا تُختزل في أرقام أو شعارات. حتى ينجح الرئيس الانتقالي، يجب أن يتحول الانفتاح الخارجي إلى إصلاحات داخلية حقيقية، إلى مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وسياسات تحمي المواطن قبل أن تُرضي الخارج. وإلا، فكل نجاح خارجي سيبقى مجرد واجهة جميلة تخفي أزمة حقيقية تحت السطح.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
الرابط :
https://opl-now.org/2026/03/31/برلين-ودمشق-الخارج-الداخل/

المزيد من المواضيع
أحمد قعبور رفيق النضال التحرري… صوت «أناديكم» سيظل حاضرًا
هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير قوانين قديمة ؟
أحد الحريات: من الاحتجاج إلى ترسيخ الحق الدستوري