23 أبريل, 2026

الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية متناقضة

تعود فكرة “العودة إلى سوريا” اليوم إلى واجهة النقاش العام بصيغ متعددة، من بينها ما يُعرف بـ”الهجرة الدائرية”، التي تُطرح كحلّ وسط يتيح للسوريين في الخارج الحفاظ على استقرارهم المهني والمعيشي، مع المشاركة في جهود إعادة الإعمار داخل البلاد.

لكن هذا الطرح يفترض وجود بيئة قابلة لاستقبال هذا النمط من العودة، سواء على المستوى القانوني أو السياسي أو المؤسسي، وهو افتراض لا يزال محلّ تساؤل جدي في ظل الواقع القائم.

فعلى الرغم من مرور سنوات على التحولات السياسية والعسكرية، لا تزال مقاربة السلطة لمرحلة ما بعد الحرب تتسم بقدر عالٍ من التناقض: بين خطاب يعلن عن الاستقرار والانفتاح، وممارسات تعيد إنتاج أنماط الإقصاء السابقة داخل مؤسسات الدولة والمجال العام.

تُقدّم الحكومة أخطاءها كحلٍّ شمولي لبلدٍ قدّم مليون شهيد، فتكون النتيجة أقرب إلى مشهد سريالي: إدراج الشبيحة والمجرمين في مؤسسات الدولة، ثم اتهام كل من يختلف بأنه من “الفلول”. فشل اقتصادي مستمر، وفساد يُعاد إنتاجه بصيغ جديدة، وغياب العدالة وتهميش دور القضاء، مقابل تدخل متزايد في الحريات الشخصية. غموض سياسي مستمر يتجلى في غياب الإعلان عن قانون الأحزاب، وترسيخ ثقافة “من يحرر يقرر” وعبادة الفرد. وفوق ذلك كله، ازدواجية في السلطة: اعتدال في العلن، يقابله قمع ورقابة وهدم في الخفاء.

هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل تمسّ كل السوريين في الداخل والخارج، خصوصًا أولئك الذين كانوا داعمين أو نشطاء في الثورة السورية التي انطلقت ضد إجرام الأسد.

●إعادة إنتاج الإقصاء بدل معالجته

بدلًا من التعامل مع هذه الاختلالات بوصفها أزمة بنيوية تتطلب معالجة سياسية وقانونية عميقة، يجري الالتفاف عليها عبر إعادة تسويقها ضمن سردية الاستقرار. غير أن النتيجة الفعلية ليست استقرارًا، بل إعادة إنتاج لبيئة إقصائية: تُعاد فيها صياغة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ويُضيَّق فيها المجال العام، وتبقى القواعد الناظمة للحياة السياسية والقانونية غامضة وقابلة للتأويل. في مثل هذه البيئة، لا تعود المشكلة في الأفراد أو في غياب الكفاءات، بل في غياب الشروط التي تسمح بعمل هذه الكفاءات أصلًا.

●الهجرة الدائرية بين المحلي والإقليمي

ومن هنا، يُعاد طرح مفهوم “الهجرة الدائرية” بوصفه حلًا مفترضًا: عودة بلا ضمانات في ظل واقع سياسي يعيد إنتاج الإقصاء.

تُسوَّق “الهجرة الدائرية” بوصفها صيغة ذكية توفّق بين بقاء السوري في الخارج ومشاركته في إعادة بناء بلده. تبدو الفكرة مثالية: استقرار في أوروبا، ومساهمة جزئية في الداخل، دون خسارة أيّ من الطرفين. لكن هذا التصوّر، في جوهره، يتعامل مع الأزمة كمسألة تنقّل أفراد، بينما المشكلة الحقيقية كامنة في طبيعة البيئة التي يُفترض أن يعودوا إليها.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ملف العودة بمعزل عن بنيته الإقليمية والدولية. فدمشق تربط أي مساهمة أوروبية في ملف اللاجئين بملف إعادة الإعمار، في محاولة لتحويل قضية العودة إلى أداة تفاوض سياسي واقتصادي. غير أن هذا التصور يتجاهل عنصرًا إقليميًا حاسمًا يتمثل في تركيا، التي لعبت منذ بداية النزوح السوري دور الدولة المستضيفة الأكبر، ثم تحولت لاحقًا إلى بوابة رئيسية لعبور اللاجئين نحو أوروبا، ما منحها وزنًا تفاوضيًا مباشرًا مع الاتحاد الأوروبي. وبذلك، فإن إدارة ملف اللجوء لا تتم في إطار ثنائي بسيط بين دمشق وأوروبا، بل ضمن شبكة مصالح معقدة تمر عمليًا عبر أنقرة، حيث تتقاطع اعتبارات التمويل الأوروبي مع ضبط التدفقات البشرية، بينما تبقى عودة اللاجئين إلى سوريا مرتبطة بعوامل أمنية وسياسية لا يمكن اختزالها في أي صفقة لإعادة الإعمار.

●حدود الفكرة حين تصطدم بالواقع

هنا يبدأ التناقض بالظهور. فالدعوة إلى العودة — ولو المؤقتة — تصطدم بواقع سياسي لم يحسم موقفه من العائدين أنفسهم، ولا سيما أولئك الذين يشكّلون القيمة الحقيقية لأي عملية إعادة بناء: أصحاب الخبرات، ونشطاء الشأن العام، ومن يملكون رصيدًا مهنيًا أو سياسيًا مستقلًا.

في هذا السياق، تبرز إشكالية لا يمكن القفز فوقها. بين اللاجئين آلاف المعارضين ونشطاء الثورة، ومع ذلك لا يزال ملف مذكرات الجلب والاعتقال مفتوحًا، بلا معالجة قانونية واضحة أو ضمانات حقيقية. التجارب التي نقلها بعض العائدين — ولو لزيارات قصيرة — تشير إلى استجوابات ومعوّقات كافية لتبديد أي تصوّر لعودة مستقرة وآمنة.

السؤال هنا ليس إجرائيًا، بل سياسي بامتياز: لماذا يبقى هذا الملف معلّقًا؟ أحد التفسيرات الممكنة أن فتح المجال أمام عودة الكفاءات المستقلة قد يُعيد طرح مسألة التمثيل والمنافسة على مواقع جرى تثبيتها ضمن توازنات قائمة، وهو ما قد لا ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية.

لكن المعضلة لا تتوقف عند السياسة والمؤسسات، بل تمتد إلى ما هو أعمق: نمط الحياة نفسه. فالسوري الذي عاش لعقود داخل منظومة مغلقة، أو ذاك الذي أمضى سنوات طويلة في الخارج وتشكّلت خبرته ضمن بيئات أكثر انفتاحًا، لن يتعامل مع فكرة “العودة الجزئية” بوصفها قرارًا مهنيًا فقط، بل بوصفها انتقالًا بين نموذجين مختلفين للحياة.

وهنا يظهر مستوى آخر من الإشكال. فإلى جانب غياب الضمانات القانونية الكافية، تبرز نقاشات متزايدة حول حدود الحريات الشخصية، ودور الفاعلين غير الرسميين في التأثير على المجال العام. سواء تمثّل ذلك في ضغوط اجتماعية أو في أدوار ذات طابع ديني أو رمزي، فإن غياب الأطر القانونية الواضحة الناظمة لهذه التأثيرات يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة البيئة التي سيعود إليها الأفراد.

●بيئة غير قابلة للتكيّف

عند هذه النقطة، تفقد “الهجرة الدائرية” معناها العملي. لأن الفكرة، ببساطة، تفترض وجود بيئة يمكن التكيّف معها، بينما الواقع يشير إلى بيئة تطلب من العائد أن يعيد التكيّف على حساب شروط يعتبرها أساسية في حياته.

المقارنة هنا ليست بين بلدين فقط، بل بين نموذجين للحياة. من استقر في أوروبا لم يكتسب وظيفة فحسب، بل دخل في منظومة متكاملة: قانون يمكن توقّعه، مؤسسات تعمل بمعايير، ومساحة شخصية محمية نسبيًا. هذه ليست تفاصيل يمكن تأجيلها أو التنازل عنها مؤقتًا، بل شروط أساسية لأي استقرار.

في المقابل، لا تزال البيئة التي يُفترض أن تستقبل هذا “الدور الدائري” تعاني من اختلالات عميقة: غموض في القواعد، هشاشة في الضمانات، وتداخل مستمر بين القرار العام والحياة الخاصة. وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بفارق الرواتب أو مستوى المعيشة، بل بإحساس أساسي بالعدالة والأمان.

لهذا، كل حديث عن فوائد محتملة — تحويلات مالية، نقل خبرات، أو مساهمات جزئية — يبقى محدود الأثر. لأن الاقتصاد لا يُبنى على تحويلات، والمؤسسات لا تُدار عن بُعد، والتنمية لا تقوم على مساهمات موسمية.

المشكلة، في جوهرها، ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب الشروط التي تسمح لهذه الكفاءات بالعمل والإنتاج ضمن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.

لهذا، تبدو “الهجرة الدائرية” أقرب إلى حلّ نظري منه إلى خيار عملي. هي صيغة قد تُخفّف بعض الضغوط، لكنها لا تعالج الأسباب التي دفعت إلى الهجرة في الأساس.

في ظل واقع سياسي مغلق، ومؤسسات لا تزال تُدار بمنطق غير تنافسي، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح هذه الفكرة؟ بل: هل تتوفر الشروط الأساسية لعودة يمكن الوثوق بها؟

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

www.opl-now.org

الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية متناقضة

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب