يقدّم السيد توماس باراك “الملكية” كنظام حكم اليوم في الخطاب السياسي كأنها وصفة جاهزة للاستقرار، قابلة للنقل والتعميم خارج سياقها التاريخي والاجتماعي.
فإذا كانت هذه المقاربة تُطرح بوصفها خيارًا عقلانيًا وعمليًا، فلماذا لا يُفتح النقاش ذاته داخل البيئات التي تُنتج هذا الخطاب أولًا؟ ولماذا لا يُناقش مثل هذا التصور في الداخل الغربي، مثلًا عبر طرح “المملكة الأمريكية المتحدة”، بدلًا من أن يُقدَّم حصريًا كخيار “ملائم” لغيره من المجتمعات؟
أم أن ما يُسوَّق لنا هنا باعتباره “استقرارًا”، يُصبح في سياقكم نفسه مجرد طرح غير قابل للاختبار، أو “انحرافًا” حين يقترب من حدودكم؟
المسألة ليست نقاشًا نظريًا حول أشكال الحكم بقدر ما هي اختبار لصدقية المعايير ذاتها. فحين تُطرح نماذج سياسية جاهزة على دول بعينها تحت عناوين مثل “الاستقرار” أو “الخصوصية الثقافية”، بينما يُغلق الباب تمامًا أمام نقاش مماثل داخل الدول الغربية، فإننا أمام ازدواجية واضحة في التعامل مع فكرة الحكم والشرعية.
الأنظمة السياسية ليست أدوات قابلة للنقل أو الاستنساخ. الملكيات التي استمرت في بعض الدول لم تنشأ نتيجة وصفات خارجية، بل عبر تراكم تاريخي طويل وبُنى اجتماعية وثقافية خاصة. أما محاولة الترويج لنموذج ملكي في دول ذات تركيبات مختلفة، وجمهوريات نشأت من تحولات عميقة أو صراعات تاريخية، فهو تجاهل لطبيعة هذه المجتمعات وتعقيداتها.
هنا يجب التأكيد بوضوح: لا يجوز الترويج أو الدفع نحو أي نظام حكم بديل في بلدان تمتلك مسارًا تاريخيًا وسياسيًا خاصًا بها، أو التعامل مع بنيتها الداخلية كأنها قابلة لإعادة التشكيل وفق تصورات خارجية. هذا النوع من الطرح لا يدخل في إطار النقاش الفكري، بل يقترب من إعادة إنتاج منطق الوصاية السياسية على الشعوب، ولو بعبارات ناعمة.
الخطاب الدولي كثيرًا ما يستخدم مفردات مثل “الاستقرار” و”الواقعية السياسية”، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: لا استقرار حقيقي دون شرعية داخلية نابعة من المجتمع نفسه. التجارب أثبتت أن أي نظام يُبنى خارج الإرادة الوطنية أو يُفرض عليها، يبقى هشًا مهما طال عمره، لأنه يفتقر إلى أساسه الاجتماعي الطبيعي.
لقد سئمت شعوب هذه المنطقة من كونها ساحة مفتوحة للتجريب السياسي. سئمت من مشاريع “الهندسة السياسية” التي تُطرح كحلول، ثم تنتهي إلى تعقيد الأزمات بدل حلّها. التدخلات التي تُقدَّم تحت عناوين الإصلاح أو المساعدة كثيرًا ما تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل الدول بما يخدم مصالح خارجية، لا حاجات داخلية.
والنتيجة ليست فقط أزمات سياسية، بل أيضًا أزمة ثقة عميقة. فكل مشروع يُطرح من الخارج يُقابل اليوم بشك مشروع، لأن التجربة التراكمية أثبتت أن النتائج غالبًا ما تكون بعيدة عن الوعود المعلنة. ومع الوقت، يصبح حتى الحديث عن التغيير أو الإصلاح محلّ ريبة، بسبب ارتباطه بسوابق من التدخلات غير المتوازنة.
ما تحتاجه المنطقة ليس استنساخ أنظمة، ولا إعادة تدوير نماذج حكم، ولا فرض تصورات جاهزة من الخارج. ما تحتاجه ببساطة هو احترام الإرادة الوطنية، وترك مسار التطور السياسي يُحدد داخليًا، دون وصاية أو توجيه.
في السياق السوري تحديدًا، يجب أن يكون واضحًا أن أي نقاش حول مستقبل النظام السياسي يجب أن يتم ضمن إطار وحدة الدولة السورية وقرارها الوطني المستقل، لا تحت أي صيغة تُفهم كإعادة رسم للكيان أو تفكيك لبنيته.
التاريخ واضح في هذا السياق: الأنظمة التي فُرضت أو رُوّج لها من الخارج دون جذور داخلية حقيقية، لم تنتج استقرارًا مستدامًا، بل أزمات متجددة بأشكال مختلفة. الشرعية لا تُستورد، والاستقرار لا يُصنَع عبر الوصاية، بل عبر توافق داخلي حقيقي.
كفاكم عبثًا بمصائر الآخرين. هذه الأرض ليست مختبرًا سياسيًا، وهذه الشعوب ليست أدوات تجريب. وأي مقاربة تتجاهل ذلك ستبقى جزءًا من المشكلة، لا من الحل.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2026/04/19/عزيزي-السيد-توماس-باراك/

المزيد من المواضيع
حين يختل ميزان العالم… يولد اقتصاد الموت:
شارع المطالب أم شارع التخوين: من يمثل السوريين
بين “أول برلمان لسوريا الحرة” وواقع التشكيل: أي تمثيل نتحدث عنه؟