20 أبريل, 2026

حين يختل ميزان العالم… يولد اقتصاد الموت:

 

هذه الحرب لا تُخاض بهدف واضح بقدر ما تُدار كحقل تجارب مفتوح. كل طرف يتقدّم خطوة في الميدان، لا ليحسم، بل ليختبر: مدى صلابة الخصم، حدود تحمّله، وكفاءة أدوات القتل التي بحوزته. ثم، بعد كل جولة استنزاف، يُعاد تعريف “الأهداف” بأثر رجعي، وكأن ما تحقق صدفة هو ما كان مخططًا له منذ البداية. هذه ليست استراتيجية بقدر ما هي إعادة تدوير للفوضى، حيث يصبح التقدم ذاته غاية شكلية، ويغدو التراجع مجرد تموضع مؤقت داخل لعبة بلا نهاية.

في هذا السياق، تتحول الجغرافيا إلى مختبر، والبشر إلى بيانات. تُختبر الأسلحة كما تُختبر تقنيات التجسس، ويجري قياس زمن الاستجابة، ودقة الإصابة، وقدرة الأنظمة على اختراق بعضها البعض. ما يُعلن في الإعلام هو النصر، أما ما يحدث في الواقع فهو تآكل بطيء لكل شيء: البنية، الاقتصاد، والمعنى نفسه لفكرة الدولة. المدن التي كانت تعج بالحياة تُعاد صياغتها كخرائط عسكرية، تُقرأ بالأهداف والإحداثيات، لا بالأحياء والسكان.

المشهد يعيد إلى الأذهان حروبًا كبرى مثل الحرب العالمية الأولى، حين تحولت الجبهات إلى خطوط ثابتة يُستنزف فيها الجنود بلا أفق، فقط لاختبار تكتيكات جديدة وأسلحة أشد فتكًا. وكذلك الحرب العالمية الثانية، حيث لم تكن بعض الجبهات سوى مسارح لتجريب القوة الشاملة، من القصف الجوي إلى الحرب النفسية، وصولًا إلى إعادة تشكيل العالم على حساب المجتمعات. غير أن القاسم المشترك الأخطر هو أن الإنسان في الحالتين لم يكن سوى وسيلة، لا غاية.

لكن ما يميز هذه الحرب هو انزلاقها الكامل نحو استهداف الحياة اليومية نفسها. الضحايا هنا ليسوا فقط أرقامًا في نشرات الأخبار، بل تفاصيل يومية تُمحى بصمت: أمٌّ تُعد وجبة أخيرة دون أن تعرف أنها الأخيرة، طفلٌ ينام على وعد صباح لا يأتي، عاملٌ يغادر بيته ليجد أن الطريق ذاته قد اختفى. الموت لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح إيقاعًا يوميًا، ينساب في تفاصيل الحياة حتى يبتلعها.

الانهيار لا يقتصر على البنية التحتية، بل يطال بنية المجتمع ذاته. المدارس تُغلق، المستشفيات تتحول إلى أهداف أو تعجز عن أداء دورها، والأسواق تفقد معناها حين يغيب الأمان. الاقتصاد لا ينهار فقط بالأرقام، بل يتفكك كمنظومة حياة: العمل يفقد قيمته، الادخار يصبح عبثًا، والمستقبل يتحول إلى فكرة مؤجلة إلى أجل غير معلوم. ما يُقوَّض هنا ليس مجرد اقتصاد، بل “اقتصاد الحياة” ذاته؛ ذلك التوازن الهش الذي يسمح للناس بالعيش، لا بالبقاء فقط.

الأخطر أن هذه الحرب تعطل إيقاع العالم من حولها. الزمن نفسه يبدو مختلًا: الأيام تتشابه، والسنوات تختصر في لحظات عنف، والذاكرة تُثقل بصور لا تُمحى. يصبح العنف لغة يومية، وتغدو القسوة أمرًا اعتياديًا، حتى أن الحس الإنساني يبدأ بالتآكل، ليس فقط لدى من يمارس العنف، بل أيضًا لدى من يعيشه أو يشهده.

في النهاية، يخرج كل طرف ليعلن النصر، بينما الحقيقة أن المنتصر الوحيد هو آلة القتل ذاتها. أما الخاسر، فهو الإنسان الذي جُرِّد من حقه في حياة طبيعية، وحُوِّل إلى هدف أو رقم أو أثر جانبي. هذه ليست حربًا تُخاض لتحقيق غاية، بل منظومة تعمل على إنتاج الموت كغاية بحد ذاتها. إنها ليست جنونًا عابرًا، بل نظام متكامل، يُدار ببرود، ويقود في محصلته إلى نتيجة واحدة: المزيد من الخراب، والمزيد من التوحش، ونهاية مفتوحة على فراغ لا يسكنه سوى الصمت.

 

الرابط : https://opl-now.org/2026/04/10/اقتصاد-الموت/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب