في لحظات التحول السياسي الكبرى، تواجه المجتمعات معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن إنصاف الضحايا دون الانزلاق إلى منطق الانتقام الجماعي؟ وكيف يمكن بناء استقرار سياسي دون التفريط بمطلب العدالة؟
في الحالة السورية 2026، تتخذ هذه الإشكالية طابعًا أكثر حدّة، في ظل مسار تسويات أعاد دمج فئات واسعة ارتبطت بالنظام السابق داخل الحياة العامة، بالتوازي مع تصاعد أشكال من “المحاكمة المجتمعية” تطال مدنيين لا تثبت بحقهم أي إدانات قانونية.
لقد فتحت السلطة الانتقالية خلال المرحلة الماضية، وما تلاها من إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، مسارات واسعة للتسوية وإعادة الإدماج شملت آلاف الأفراد، بعضهم كان ضمن البنية الإدارية أو الأمنية السابقة، وبعضهم عاد لاحقًا إلى مواقع عمل داخل مؤسسات الدولة. هذا الواقع يطرح إشكالًا مباشرًا: إذا كانت الدولة قد اختارت منطق التسوية، فكيف يُفسَّر استمرار الضغط الاجتماعي أو الوصم الجماعي لأفراد لم يخضعوا لأي محاكمة قضائية؟
لكن هذا التناقض لا يمكن اختزاله في بعده القانوني فقط. فخلفه يقف شعور متراكم لدى الضحايا وذويهم بأن مسار العدالة لم يكتمل بعد. فحين يظهر أشخاص يُنظر إليهم كمسؤولين عن انتهاكات جسيمة في الحياة العامة دون مساءلة واضحة، يتحول الإحساس بالإفلات من العقاب إلى حالة غضب مستمرة. عند هذه النقطة، لا تعود “المحاكمة المجتمعية” مجرد خروج عن القانون، بل تصبح تعبيرًا عن فجوة عميقة بين العدالة المنتظرة والعدالة المتحققة.
حرق مراحل بلا إغلاق للملفات الثقيلة:
في سوريا 2026، لم تنجح المرحلة الانتقالية في إنتاج “نقطة نهاية” واضحة للماضي. ما جرى هو انتقال سياسي جزئي أعاد تشكيل السلطة، لكنه لم يؤسس حتى الآن منظومة عدالة مكتملة قادرة على التعامل مع إرث الانتهاكات.
النتيجة ليست فراغًا سياسيًا فقط، بل فراغ عدلي: دولة تُعيد بناء مؤسساتها، بينما يبقى المجتمع عالقًا في ذاكرة مفتوحة.
التسويات: إعادة دمج بلا سردية عدالة واضحة
في مناطق عدة خضعت لتسويات خلال السنوات الماضية، بما فيها أجزاء من درعا وريف دمشق، ثم لاحقًا مناطق أخرى بعد إعادة ترتيب السلطة الانتقالية، جرى دمج موظفين سابقين أو إعادتهم إلى وظائف إدارية وخدمية.
في 2026، توسع هذا المسار مع إعادة فتح باب عودة موظفين مفصولين خلال سنوات النزاع، وهو ما قُدّم كإجراء إداري لإعادة تشغيل الدولة.
لكن الإشكال الأساسي لا يتعلق بالعودة نفسها، بل بغياب إجابات واضحة حول معايير المراجعة: من الذي خضع للتقييم؟ وعلى أي أساس؟ وكيف يُفرّق بين موظف إداري وآخر متورط في انتهاكات؟
هذا الغموض يغذي الاحتقان بدل أن يخففه.
“المحاكمة المجتمعية”: عدالة بديلة في غياب الدولة
في غياب مسار قضائي واضح، نشأت أشكال غير رسمية من الفرز الاجتماعي، حيث يُعاد تصنيف الأفراد بناءً على مواقعهم السابقة خلال سنوات الحرب.
في بعض البيئات، يكفي الانتماء الإداري أو العمل السابق في مؤسسات الدولة ليصبح سببًا للشك أو الرفض، حتى دون أي حكم قضائي.
هذه الظاهرة ليست عدالة بديلة، بل تعبير عن فراغ العدالة الرسمية، لكنها تبقى خطرة لأنها غير منضبطة بمعايير قانونية.
الضحايا: ذاكرة مفتوحة بلا اعتراف مؤسسي
في المقابل، يرى جزء كبير من الضحايا وذويهم أن ما يجري لا يمثل عدالة انتقالية حقيقية، بل إعادة ترتيب إداري للماضي.
في مناطق شهدت انتهاكات واسعة، تُفهم عودة بعض الأفراد إلى مواقع عامة دون مسار مساءلة واضح كإشارة إلى أن الملف لم يُفتح فعليًا.
هذا الإحساس لا ينتج فقط غضبًا، بل فقدانًا تدريجيًا للثقة في أي مسار سياسي.
أخطر التحولات: من الفعل إلى الهوية
أحد أخطر التحولات في المرحلة الحالية هو انتقال التقييم من الفعل الفردي إلى الانتماء السابق.
لم يعد السؤال: ماذا فعل هذا الشخص؟
بل: أين كان خلال الحرب؟
هذا التحول يلغي الفروق بين حالات مختلفة تمامًا: موظف إداري، عنصر أمني، أو شخص لم يكن له دور مباشر.
عودة الموظفين: ضرورة دولة أم استفزاز اجتماعي؟
إعادة دمج موظفين أو فتح ملفات التوظيف يمكن فهمه كضرورة لإعادة تشغيل مؤسسات الدولة.
لكن تجاهل الحساسية الاجتماعية يجعل كل حالة عودة غير مشروحة مصدر توتر محلي، خصوصًا في مناطق لم تُبنى فيها ثقة بعد.
هنا يظهر التناقض: الدولة تحتاج الاستقرار الإداري، بينما المجتمع يطالب بالوضوح العدلي أولًا.
هشاشة السلطة الانتقالية بين ضغطين:
السلطة الانتقالية تتحرك بين ضغطين:
- إعادة بناء الدولة بسرعة
- والمطالبة بالمحاسبة والإنصاف
غياب إطار شفاف لإدارة هذا التوازن يؤدي إلى فقدان الثقة من الطرفين.
عدالة غائبة… ومجتمع يملأ الفراغ:
حين تغيب العدالة المؤسسية، لا يتوقف المجتمع عن إنتاج أشكال بديلة منها، لكنها تبقى غير متسقة:
- لا معايير ثابتة
- لا تمييز قانوني دقيق
- وتأثر كبير بالذاكرة والانفعال
وهكذا يتحول الاستقرار الظاهري إلى حالة هشة.
المصالحة ليست إعلانًا إداريًا:
في سوريا 2026، لم تعد المشكلة في إعلان المصالحة، بل في مضمونها.
فالمصالحة دون عدالة شفافة تتحول إلى ترتيب مؤقت للواقع، لا إلى تسوية معه. والمجتمع الذي لا يجد عدالة رسمية سيستمر في إنتاج عدالته الخاصة، مهما كانت غير منضبطة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يُبنى الانتقال على القانون… أم يُترك للمجتمع كي يحاكم ماضيه بنفسه؟
أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية متناقضة
حين يختل ميزان العالم… يولد اقتصاد الموت:
عزيزي السيد توماس باراك، إذا كانت فكرة “الممالك” صالحة، فلتُجرَّب أولًا في بلادكم.