كلما ازدادت المأساة السورية ثقلاً، عاد السؤال نفسه بصيغة أكثر حدّة: هل كانت الثورة خطأ؟
سؤال لم يعد يُطرح فقط من خصومها التقليديين، بل أيضاً من بعض الذين وقفوا معها يوماً، ثم خرجوا من السنوات الماضية مثقلين بالخسارات والخيبات والصور التي يصعب احتمالها. ومع كل مجزرة، وكل مدينة مدمّرة، وكل موجة لجوء جديدة، بدا وكأن جزءاً من السوريين لا يراجع فقط نتائج الثورة، بل يراجع حقها في الوجود أساساً.
في هذا المناخ، جرى اختزال حكاية بلد كامل بحادثة واحدة: أطفال كتبوا شعارات على جدار في درعا، وضابط أمن أجرم في إذلالهم، ثم انفجر كل شيء. ولا يمكن هنا التقليل من بشاعة تلك الجريمة وما حملته من قسوة وإهانة فجّة، لكن اختزال أسباب الثورة بها وحدها يتجاهل واقعاً سورياً كان يعيش اختناقاً سياسياً واجتماعياً عميقاً قبل تلك اللحظة بسنوات طويلة. فسوريا لم تكن دولة طبيعية مستقرة قبل أن يقودها “الشارع” إلى واقع مختلف، بل كانت تعيش تحت تراكم طويل من القمع وإغلاق المجال العام ومصادرة السياسة.
فالدول لا تنهار بسبب جملة على جدار، والثورات لا تندلع لأن ضابطاً تصرف بوحشية زائدة في يوم عابر. ما حدث في سوريا كان أكبر بكثير من حادثة، وأعمق بكثير من رواية “الشرارة الأولى”. لأن الانفجار الحقيقي يبدأ عندما تُغلق السياسة لسنوات طويلة، ويُدفع مجتمع كامل إلى العيش داخل دولة لا تسمح بالتغيير، ولا بالمحاسبة، ولا حتى بالتنفيس الطبيعي عن الغضب.
لهذا، قد يشعر كثيرون اليوم بخيبة أمل قاسية من نتائج الثورة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أسبابها لم تكن حقيقية، أو أن الاستبداد الذي سبقها كان قابلاً للاستمرار إلى الأبد دون انفجار.
ما الذي سبق درعا؟
قبل درعا بسنوات طويلة، كانت سوريا تعيش حالة إغلاق سياسي شبه كامل. الحياة الحزبية أُفرغت من معناها الحقيقي، والنقابات تحولت تدريجياً إلى مؤسسات مرتبطة بالسلطة، فيما جرى تفكيك أي إمكانية فعلية لتداول السياسة أو بناء معارضة طبيعية داخل المجال العام. ومع الوقت، لم يعد المواطن السوري يملك أدوات حقيقية للتأثير أو التغيير، لا عبر الانتخابات، ولا عبر الإعلام، ولا عبر المؤسسات.
ثم جاءت مرحلة التوريث السياسي، بما حملته من رسالة واضحة مفادها أن الجمهورية نفسها باتت أقرب إلى بنية مغلقة تُدار بمنطق الاستمرار الأبدي، لا بمنطق الدولة القابلة للمحاسبة والتغيير. ترافق ذلك مع توسع الفساد، واحتكار النفوذ الاقتصادي، وتزايد سلطة الأجهزة الأمنية على تفاصيل الحياة اليومية.
لهذا السبب، لم تكن حادثة درعا “سبب الثورة” بقدر ما كانت لحظة كشفت حجم الاحتقان المتراكم. فالشرارة قد تختلف من بلد إلى آخر، لكن قابلية الاشتعال لا تُخلق في يوم واحد.
بين الثورة والحرب
من أكثر الأخطاء شيوعاً في النقاش السوري الراهن الخلط بين جذور الثورة وأسباب اندلاعها من جهة، وبين مسارات الصراع ومآلاته اللاحقة من جهة أخرى. فكثيرون، تحت وطأة القتل والدمار والتهجير، باتوا ينظرون إلى ما آلت إليه الأحداث وكأنه دليل على أن الانفجار الشعبي نفسه لم يكن مبرراً منذ البداية.
لكن التاريخ السياسي لا يعمل بهذه البساطة. فالكوارث التي قد تلي الثورات أو ترافقها لا تنفي بالضرورة وجود المظالم والأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج. كما أن فشل بعض الثورات، أو انحرافها عن أهدافها، أو تعرضها للاختراق والاستغلال، لا يحوّل الاستبداد إلى خيار مشروع بأثر رجعي، ولا يجعل المظالم التي سبقته أقل حقيقة.
ولا ينتقص هذا الفهم من حجم المأساة التي أصابت سوريا، ولا من فداحة ما شهدته من حرب وعسكرة وطائفية وتدخلات خارجية. لكنه يضع الأحداث في سياقها الأوسع؛ فالمأساة السورية لم تبدأ مع الثورة، بل ظهرت خلالها إلى السطح بصورة أكثر عنفاً ووضوحاً، بعد عقود طويلة من القمع والتصدعات الاجتماعية والسياسية المكبوتة.
ولهذا، فإن الدرس الأهم من المأساة السورية لا يكمن في الندم المجرد أو الاعتكاف جانباً، بل في فهم الأسباب التي جعلت بلداً كاملاً يصل إلى تلك اللحظة أصلاً. فإن تجاهل تلك الأسباب لن يقود إلى الاستقرار، بل إلى تأجيل الانفجار التالي ليس إلا.
أخطاء الثورة أيضاً جزء من الحقيقة
وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع الثورة السورية وكأنها تجربة معصومة من الأخطاء. فخلال سنوات الفوضى، ظهرت هشاشة البنية السياسية والتنظيمية لكثير من قوى المعارضة، وبرز خطاب إعلامي انفعالي في مراحل عديدة، كما ساهمت العسكرة السريعة، وضعف الخبرة المؤسسية، والتدخلات الإقليمية والدولية، في إنتاج واقع شديد التعقيد.
ومع الوقت، أعادت بعض القوى المحسوبة على الثورة إنتاج ممارسات كانت تُنتقد أصلاً في بنية النظام نفسه، سواء عبر الخطاب الطائفي، أو تبرير الانتهاكات، أو التعامل مع السلطة بوصفها امتيازاً لا مسؤولية. كما ظهرت سلطات أمر واقع مارست أشكالاً مختلفة من القمع والتضييق، وإن بدرجات وظروف مختلفة.
الاعتراف بهذه الأخطاء ليس انقلاباً على الثورة، بل شرط ضروري لفهم ما جرى ومنع تكراره. فالمشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى محاولة لتبرئة الاستبداد الأصلي، أو إعادة تقديمه بوصفه الخيار الأقل سوءاً.
خيبة الأمل ليست حنيناً للاستبداد
من الطبيعي أن يشعر كثير من السوريين بالإحباط بعد كل هذه السنوات. فبلد دُمّر، وملايين هُجّروا، وعائلات كاملة خسرت أبناءها وأعمارها واستقرارها. لذلك، فإن خيبة الأمل مفهوم إنساني وسياسي يمكن فهمه تماماً.
لكن ثمة فرقاً بين الحزن على ما آلت إليه البلاد، وبين الندم على المطالبة بالحرية والكرامة وفتح المجال السياسي. لأن تحويل المأساة إلى مرافعة لصالح الاستبداد لا يفسر ما جرى، بل يتجاهل الأسباب التي دفعت البلاد أصلاً إلى حافة الانفجار.
فالثورات لا تقوم لأن الشعوب تعشق الفوضى، بل لأنها تصل إلى مرحلة تُغلق فيها كل أبواب السياسة الطبيعية، فلا يبقى أمام المجتمع سوى الانفجار بأشكال قد لا يستطيع التحكم بمساراتها لاحقاً.
الخطر الذي لم ينتهِ
الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في محاولة إعادة تلميع الحقبة الأسدية باعتبارها “زمن الاستقرار”، بل أيضاً في أي سلطة جديدة قد تعيد إنتاج الفكرة نفسها: سلطة ترى نفسها فوق النقد، أو تعتبر الحكم تفويضاً دائماً، أو تؤجل الحريات باسم “المرحلة الانتقالية” و”الظروف الاستثنائية”.
فالمشكلة في سوريا لم تكن مرتبطة بأسماء فقط، بل ببنية سياسية كاملة قامت على احتكار السلطة وإضعاف المجتمع وتحويل الدولة إلى مساحة مغلقة أمام المشاركة والمحاسبة.
ولهذا، فإن الدرس الأهم من المأساة السورية لا يكمن في الندم أو الاعتكاف جانباً، بل في فهم الشروط السياسية والاجتماعية التي دفعت بلداً كاملاً إلى تلك اللحظة. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على نسيان الأسباب، ولا على إعادة إنتاجها بصيغ جديدة، وإنما على بناء نظام يتيح المشاركة والمحاسبة والتغيير السلمي. أما تجاهل جذور الأزمة، فلن يصنع استقراراً دائماً، بل يؤجل الانفجار التالي ليس إلا.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
opl-now.org

المزيد من المواضيع
تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي… جريمة تعود إلى الواجهة
الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه أنقرة
عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا